رئيس التحرير
محمود المملوك

صورة الأستاذ الجامعي

إذا كنا نريد حقًا أن نؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ مصر، نعيد فيها بناء الاقتصاد والمجتمع والإنسان، وإصلاح ما أصابهم من تشوه وخراب عبر العقود الماضية، فلا بد من إعادة بناء صورة البطل والمثل الأعلى الجدير بالاقتداء في الوعي الجمعي المصري.

سواء أكانت صورة البطل والمثل الأعلى متجسدة في الشهيد الذي يضحي بروحه من أجل أمن وكرامة وحماية وطنه وشعبه.

أو متجسدة في صورة رجل الدولة الذي يتعامل مع الوظيفة العامة التنفيذية والسياسية بوصفها مهمة وطنية، وليست مغنمًا شخصيًا.

أو متجسدة في صورة المواطن العادي، بطل الحياة اليومية الذي يكافح بشرف من أجل توفير الحياة الكريمة له ولأسرته، والذي يُقبل على عمله بجماع قلبه وروحه لخدمة ذاته وأسرته ومجتمعه ووطنه.

وبمناسبة بداية العام الدراسي الجامعي الجديد، وعودة آلاف الطلاب لكلياتهم، مع دخول آلاف آخرين للجامعة للمرة الأولى، وهم ممتلئون برغبة كبيرة في التفوق واكتساب المعرفة وتحقيق الذات، أظن أننا في أشد الحاجة اليوم لإعادة بناء القدوة ممثلة في صورة الأستاذ الجامعي الذي يتفانى في محبة وخدمة تلاميذه وصقل عقولهم ومواهبهم ومهاراتهم، والذي يُجيد التواصل الإنساني والعلمي معهم.

لأن الجامعة، بوصفها مؤسسة علمية وتربوية وطنية، هي مصنع الأرواح والعقول والشخصيات، ولهذا لا بد من ضمان إقامة علاقة سوية بين الأستاذ الجامعي وطلابه.

علاقة قوامها المحبة والاحترام والتقدير المتبادلين بين الأستاذ والطالب، بشكل يُساهم على نحو فعال وايجابي في تشكيل شخصية الطالب وتوسيع مداركه وآفاقه العقلية، ويساعده في تحديد انحيازاته وخياراته المستقبلية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العلاقة السوية بين الأستاذ الجامعي وطلابه،  تُشبع حاجة نفسية وعلمية مهمة لدى الطالب؛ ولهذا قال الكاتب المسرحي الفرنسي جان أنوي:

"سعداء أولئك الشبان الذين كان لهم أساتذة، سعداء أولئك الصغار الذين ذهبوا مضطرين فقرعوا الأبواب، وتلقوا بوجوه متوردة الكلمة المشجعة من الرجل الذي يحظى بإعجابهم".

ومرجع سعادة هؤلاء الشبان، أنهم  في بداية الطريق، تتأرجح الأرض من تحت  أقدامهم، ولا يدرون بوضوح السُبل التي عليهم أن يسيروا فيها، ولهذا يبحثون عمن يأخذ بأيديهم، ويساعدهم في رسم ملامح حياتهم، وتحديد أهدافهم وخياراتهم ومشاريعهم العلمية والمستقبلية، ويصبحون في قمة السعادة والطمأنينة عندما يجدون التشجيع والكلمة الطيبة والدعم النفسي والمادي من أساتذتهم.

كما  أن تلك العلاقة السوية تُشبع حاجة نفسية وعلمية لدى الأستاذ أيضًا؛ ولهذا قال الأديب الأرجنتيني الرائع "خورخي لويس بورخيس" في قصته وردة بارسليوس:

"في مختبره الذي يشمل حجرتي القبو، دعا بارسليوس ربه، ربه غير المحدد، أن يرزقه تلميذًا".

وسبب هذا الدعاء أن الأستاذ المُخلص للعلم يحتاج إلى تلميذ شبيه به في محبة العلم والبحث، لكي يُكمل مشروعه العلمي من بعده، حتى لا يذهب مجهوده وعمله طي النسيان، بل يستمر خلال تلميذه، وبشكل يؤدي إلى إحداث تراكم معرفي يكون سببًا في تقدم البحث في مجال تخصصه العلمي.

وفي حقيقة الأمر، فكم نفتقد في حياتنا العلمية والمهنية والثقافية لهؤلاء الشبان السعداء بمفهوم الكاتب الفرنسي جان أنوي، الذين وجدوا أستاذتهم. كما نفتقد  إلى الأساتذة من نوع بارسليوس، الذي كان يسأل الله تلميذًا وليس خادمًا أو تابعًا أو شمرشجيًا.

لأن بوجودهم يتحقق التراحم الإنساني، وينتشر الاحترام فيما بيننا، ويحدث في حياتنا العلمية والجامعية والثقافية تراكم للمعرفة والخبرات في التخصصات المختلفة، بما يؤدي إلى تقدم العلم والمجتمع والوطن.

وبانعدام وجودهم تنتشر الأحقاد، وقلة الاحترام فيما بيننا، ويتخلف البحث العلمي، ويتأخر مجتمعنا، وتتخلف أوطاننا، ويصبح واقع مؤسساتنا الأكاديمية والبحثية والثقافية، يتخلص في العبارة التالية: ضخامة في العدد والبنيان، وهشاشة في المُنتَج والإنسان.