رئيس التحرير
محمود المملوك

ميكروباص كوبري الساحل.. القاهرة 24 يتتبع 6 خطوط سير لكشف اللغز المفقود | تحقيق

القاهرة 24

حادث غامض، أثار لغطًا كبيرًا حوله، عندما انتشر خبر سقوط ميكروباص من أعلى كوبري الساحل في مياه النيل، لتتولى الأجهزة المختصة، إجراء عملية بحث كبيرة بحثًا عن السيارة، المرجح عملها بأحد مواقف إمبابة.

في القاهرة 24 تتبعنا خطوط سير ستة مواقف رئيسية تمر على كوبري الساحل مكان الحادث، لنعرف كيف تدير جهات البحث الأمنية التحقيقات، لحل اللغز وتضييق الاحتمالات للوصول للحقيقة.

عبر كاميرات المراقبة.. اشتباه في ثلاثة ميكروباصات

البداية كانت من موقف إمبابة الرئيسي الذي يبعد عن كوبري الساحل بـ2.6 كيلومتر، تحت مظلة كبيرة تحمل لافتة رمسيس-إمبابة بين الرابعة للخامسة مساء يوم الإثنين اشتبهت الجهات الأمنية إمبابة في ثلاثة أتوبيسات من الموقف الرئيسي، اعتمدت في شكها على السيارات التي رصدتها ثلاث كاميرات مراقبة في بداية شارع الوحدة ومطلع الكوبري المؤدي لكوبري الساحل، ويُرجع أن كاميرات في آخر الكوبري لم ترصدها.

ثلاثة ميكروباصات كانت مصدر الشك والبحث لمدة عدة ساعات منذ صباح يوم الإثنين، بين خمس صور رصدتها كاميرات المراقبة الساعة الثانية ظهرًا يوم الأحد- أطلعنا عليها- أرسلتها الجهات الأمنية لمسئولي الكارتة بالمواقف الرئيسة بإمبابة، وطلبت منهم التأكد من وجود هذه الأتوبيسات في الموقف أو لا، كما تولى أحد أمناء الشرطة مهمة إطلاع الصور على سائقي الموقف الرئيسي والمواقف الأخرى في إمبابة وحتى أصحاب دكاكين الشاي الصغيرة بالموقف.

يوجد طريقان أساسيان كانا محور الشك لتتبع خط سير السيارات، الطريق الأول هو خروج السيارة من موقف إمبابة الرئيسي ثم المرور بالمستشفى المركزي ثم المرور بأول شارع الوحدة وصعود مطلع الكوبري، أما الطريق الثاني للسيارات هي الخروج من موقف البصرواي بشارع الأقصر  ثم المرور بموقف البوهي لأول شارع الوحدة بإمبابة.

 

خريطة لخط سير السيارات 

كانت السيارة الأولى المشتبه بها هي راما 86 لونها أبيض في زيتي اتجاهها من إمبابة لرمسيس ما ميزها هو اثنان من إطارات السيارات، أما الثانية سيارة أجرة من نوع مازدا يملكها سائق يدعى فهمي.

رحلة البحث عن الميكروباص الأخير المشتبه به أخدت بعض الوقت، فصور الكاميرات لم ترصد بشكل واضح هيئة السيارة، فما ميزها هو الرقم الأول من اللوحة وهواية سوداء اللون من الجانب الأيمن، تحمل علامات ( 8145 ق د ج ).

وقف صاحب الميكروباص ببعض من التوتر والخوف، شاب ثلاثيني نحيف يميل للسمرة، يرتدي نظارة طبية  سوداء وقميصًا أزرق وبنطالًا رياضيًا أسود، بجانب الميكروباص الذي وقف على بُعد أمتار من الموقف الرئيسي، ينتظر معاون مباحث إمبابة ليستجوبه عن الملابسات في وقت الحادث، وهل رأى أي سيارة سقطت من أعلى الكوبري؟.

قال لنا بصوت خافت مهزوز: أنا صاحب الميكروباص ومعرفش حاجة عن الحادثة، ولا مين صاحب الميكروباص، حاولنا بعدها التحدث معه عن تفاصيل أكثر، لكن فريق المباحث حضر لاستجوابه وطلب منا مغادرة المكان.

على بعد عدة أمتار من الميكروباص، استمر الاستجواب نحو ربع ساعة مع السائق، بعدها أخذ سيارته وغادر المكان مباشرة.

كانت السيارات الثلاث من طرازات مختلفة، ما قد يوضح جليًا أن السيارة المشتبه بها ليست من طراز جي إم كما أُشيع.

 

 

جمهورية سائقي إمبابة.. الشائعات تسيطر على الموقف

في الوقت الذي كانت الجهات الأمنية بإمبابة تفحص فيه كاميرات مراقبة شارع الوحدة ظهر يوم الإثنين، كنا نستطلع رأي سائقي المواقف القريبة من مكان الحادث وتمر على كوبري الساحل، ستة مواقف رئيسية وفرعية هي نقطة انطلاق ميكروباصات إمبابة، وتختلف أنواعها بين التويتا والجي إم والراما.

جمعنا شهادات سائقي المواقف الست، تقاطعت الشهادات في كثير منها، كما تباين بعضها بسبب الشائعات المنتشرة، سواء بين السائقين أو قاطني إمبابة.

 

المُلاحظ من خلال زيارة المواقف الستة، أنه في الزيارات الأولى كانت كل مجموعة من السائقين تجزم بأن السيارة المفقودة من موقف آخر بإمبابة.

البداية كانت من موقف التحرير بشارع الوحدة إلى ثلاثة أماكن هي (عتبة-تحرير-رمسيس)، سألنا السائقين عن أي سيارة أو سائق متغيب وأجابوا بالنفي، وجزم بعضهم أن السيارة المفقودة هي عربة رمسيس صغيرة من موقف يسمى ( سينما- ملف) بإمبابة ووجهته إلى (ساحل-سوق).

الوجهة الثالثة كانت لهذا الموقف الذي يبعد نحو عشر دقائق بالمواصلات، موقف صغير ملئ بعربات الأجرة الراما.

وأكد السائقون أيضًا أنه لا مفقودين بينهم، ولكن اعتقد أغلبهم أن الميكروباص المفقود من نوع الجي إم، وهي العربات المنتشرة بموقف البوهي الرئيسي.

شهود عيان: سور الكوبري مكسور منذ الخامسة فجرًا 

 موقف البوهي بإمبابة أحد المواقف الرئيسية الكبرى بالمنطقة، وتتجهه سياراته أيضا لـ(رمسيس-الإسعاف- التحرير).

علي سائق بموقف البوهي في منتصف الأربعينات من عمره، أكد لنا أنهم اتصلوا بزملائهم بالمواقف الأخرى للاطمئنان عليهم، ولم يُبلغ أيّ منهم عن أيّ سائق أو سيارة مفقودة، مؤكدًا أنه رأى السور مكسورًا منذ السادسة صباحًا، لتتقاطع هذه الشهادة مع شهادة سائق آخر يدعى الشيخ محمود بموقف المظلات المواجهة لموقف البوهي، الذي أكد أن أول دورية للسيارات بالموقف تبدأ في الخامسة فجرًا وحتى منتصف الليل، وأنه رأى السور مكسورًا منذ الساعة الخامسة فجرًا يوم الحادث.

المحطة الأخيرة كانت موقف البصراوي الذي يمتد على طول شارع الأقصر بإمبابة، في آخر الموقف عربات أجرة تيوتا تتجه إلى رمسيس.

أكد أحمد علي أحد سائقي الموقف، أنه رأى في الثانية ظهرًا على كوبري الساحل تاكسي أبيض فيرنا مصطدم مع سيارة ملاكي رصاصي، وسط زحام كثير من المواطنين على الكوبري.

الشائعات تنتشر وسط الغموض

الغريب هي الشائعات التي انتشرت كالنار في الهشيم بين كثير من السائقين والمواطنين الذين تحدثنا إليهم خلال رحلة البحث عن معلومة وشهود عيان عن الحادث، فأول سائق التقيناه في موقف الوحدة تحدث إلينا بثقة عن هيئة الميكروباص من طراز جي إم ومكتوب عليه أجرة القاهرة، وبالتالي فهو لا يتبع الجيزة، وحين أخبرناه أنه حتى الآن لا يوجد أثر للميكروباص، أخرج هاتفه ليطلعنا على فيديو وصور لونش يرفع ميكروباص من النيل أرسله له أحد زملائه من سائقي إمبابة، وقال إن الفيديو بتاريخ حديث يوم 10 أكتوبر.

انتشر هذا الفيديو على هواتف السائقين في المواقف التي زرناها، كما انتشر بين سائقي التوك توك في المنطقة وقاطنيها، وسط استغراب حين أخبرناهم بأنه لا توجد أي عمليات انتشال لميكروباص من الأساس، وأن هذا الفيديو قديم واستخدم مرة أخرى الآن.

أما الشائعة الثانية هي صورة قديمة لسيارة تسقط من أعلى كوبري، بالبحث العكسي عن الصورة من خلال جوجل صور تبين أن هذه الصورة تعود لعام 2013، نشرها موقع NBC News لسيارة شرطة ألقاها المتظاهرون من أعلى كوبري أكتوبر، ويظن كثير من السائقين أنها صورة حديثة للواقعة.

الصورة المغلوطة المنتشرة

كوبري الساحل.. طريق موت 

لم تكن هذه الواقعة أول حادثة على كوبري الساحل، فعديد من الحوادث حدثت خلال الأعوام الماضية، بسبب بعض المشكلات التي يواجهها السائقون.

الشيخ محمود، سائق بموقف المظلات وغيره من السائقين بالمواقف المختلفة بإمبابة، اشتكوا من فواصل الكوبري الواسعة التي تعيق حركتهم بشكل كبير، وعدم صيانة الكوبري خلال السنوات الماضية، كما أن الحي لا يكنس التراب المتراكم على جانبي الطريق مما يعيق حركة السائقين أثناء صعود الكوبري، فضلا عن الانحدار الشديد بسبب ملتقى السيارات الوراق مع السيارات المقبلة من الوحدة على كوبري الساحل، ما قد يدفع السائق إلى الانحدار أقصى اليمين، بجانب السور المُطل على نهر النيل، مؤكدا أنه شاهد عديد الحوادث على هذا الكوبري.

 

وجهة جثث الغرقى.. القناطر الخيرية

يقول الدكتور محمد سلامة خبير السلامة المائية والإسعافات الأولية ورئيس الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ سابقًا، إن الميكروباص حين يسقط في النيل لديه من الثقل الذي يسمح له بالوصول إلى قاع النيل، وبالتالي فإن تحرك سينجرف نحو خمسين مترًا باتجاه مجرى النيل، فمن المفترض تحديد نقطة سقوط الميكروباص، والبحث على امتداد خمسين مترًا على اليمين واليسار، سواء مع مجرى النيل أو عكسه، للتأكد من موقع سقوطه، مضيفًا أنه من المفترض وضع شبكة على بعد 100 متر في نهر النيل، لانتشال أي جثث قد تكون خرجت من الميكروباص أثناء ارتطامه بالمياه.

ويضيف أن الطريقة التقليدية لنزول غواصين ممسكين بسلسلة تمتد إلى قاع نهر النيل للتأكد من وجود جسم صلب من عدمه، لن تُجدي في انتشال المركبة في أسرع وقت، خصوصًا أن مياه النهر تصعب فيها الرؤية عكس مياه البحار، مشيرًا إلى أن أفضل طريقة هي تركيب جهاز به أداة استشعار يشبه جهاز البحث عن الأسماك Fish finder، لإرسال ذبذبات واستقبالها لنتبين هل يوجد جسم صلب في مكان البحث أم لا.

ويشير إلى أن سرعة الرياح في الأيام الماضية تراوحت بين واحد ونصف عقدة لـ عقدتين-هي وحدة قياس السرعة البحرية وتساوي 1853 متر/ساعة، ما يعني أن جثث الغرقى في أول 48 ساعة من الغرق تكون أقرب لقاع النيل، وبالتالي تمشي من 2 لـ4 كيلومتر في الساعة في اتجاه مجرى النيل، بعدها تبدأ جثة المتوفي تطفو بالقرب من سطح النيل وتمشي من 6 لـ 8 كيلومتر في الساعة، مؤكدًا: لو وجدت جثث ستظهر في القناطر الخيرية في فرعي رشيد أو دمياط.

ويؤكد أيضًا هشام عبد الجليل الشوبكي، كبير مدربي الغوص بالاتحاد المصري، أن الجثث بعد مرور أكثر من يومين ستتجه نحو القناطر، مضيفا أن العملية المعتادة لانتشال الميكروباص هي  ربط أربع براميل بكل عجلة بسلاسل، ثم ملئها بالهواء عن طريق أنبوب، وبالتالي ستطفو البراميل على سطح المياه، ومن ثم يمكن سحب الميكروباص في أي اتجاه، أو انتشاله بالباراشوت.

ذهبنا للقناطر الخيرية لنتبين هل توجد أي جثث لغرقى انتشلت من قبل الصيادين، حيث يحكي حمدي أحد الصيادين بالقناطر الخيرية، أن البراميل الموجودة في القناطر الخيرية أمام كوبري محمد علي تتعلق بها جثث الغرقى، حيث إنهم استطاعوا انتشال عدة جثث سابقة من حوادث غرق كانت في التحرير أو كوبري الساحل وظهرت في القناطر، ولكن لم يجدوا أي غرقى حاليًا، مؤكداَ أن آخر جثة شاهدوها وانتشلت من مياه نهر النيل كانت منذ أسبوع.