رئيس التحرير
محمود المملوك

رحلة إلى شوارع برشلونة.. من "ظلُّ الريح" لــ سجن "سجين السماء"

تدور أحداث رواية "ظلُّ الريح" -للروائي الإسباني "كارلوس زافون"- في مدينة برشلونة، خلال القرن العشرين؛ حيّث يصف كيف أن مقبرة الكُتُب تحوي كتابًا عجيبًا يتم إخفاؤه عن الجميع.
الكتاب لـكاتبٍ مشهور اسمه: "خوليان كاراكس"، حصل عليه دانيال سمبيرى بطل الرواية، والقائم بدور الراوي العليم في فضاء السرد. 
في هذه الرواية يغوص القارئ في بحر عميق، لا يدرك فيه إن كان غريقًا أم سباحًا ماهرًا، لن يسمح لك زافون أيها القارئ بطرد أحداث هذه الرواية من عقلك ما دمت حيًا، ولن تندم على ذلك ما حييت! ترجمها إلى العربية "معاوية عبدالمجيد"، وهو مُترجم سوري من مواليد دمشق عام  1985، درس الأدب الإيطالي في جامعة سيينا الإيطالية، وعلّم اللغة الإيطالية في كلية الآداب في جامعة دمشق، ثم حصل على درجة الماجستير في الثقافة الأدبية الأوروبية من قسم الترجمة الأدبية من جامعة بولونيا الإيطالية وجامعة تولوز الفرنسية؛ ليقدم لنّا في النهاية ترجمة تلك الأعمال الملحمية التي رسمها بالكلمات والمشاعر زافون.
ظلُّ الريح للكاتب الإسباني كارلوس زافون من أروع وأجمل الروايات التى سبحتُ في عالمها الغامض، رواية من الطراز الرفيع جدًا، هي رباعية لا تُقرأ بشكلٍ متسلسلٍ، وربما هذا ما يميزها؛ لأن القارئ لن يكون مجبورًا بالعدد التسلسلي.
 أخذتني لشوارع إسبانيا إبان حكم الديكتاتور فرانكو، وحكمه الفاسد، واعتقاله لكل من يعارضه الرأي، منها إلى شوارع باريس التي هرب إليها "خوليان"، الذى يتسبب غيابه في زيادة الغموض داخل العمل، ويسهل بطريقة ما على الكاتب سهولة تصاعد الأحداث كلما ازداد غموضًا وخوفًا من المطاردين له، وعلى رأسهم آل آلدايا وخافير فوميرو الشرطي الفاسد الذي يستمد طغيانه من حكم فاسدٍ.

قصة الإنسانية في رواية أرضُ الله «عمر بن سيّد»


إضافة إلى ذلك، كنتُ مغرمة بشخيصة الأب التي تكاد تكون ثانوية، لكنها حاضرة في وجدان الأبناء من القراء، كانت شخصية "سيبمبري" بائع الكُتُّب من أحنّ الشخصيات التى جسدت الهيّبة والحنان والأمان، تلك الصفات التي يتمتع بها الأباء، من بعدها شخصية "فيرمن دي توريس"، الذى أصبح حارسًا لمقبرة الكتب المنسية بعد موت إسحاق مونفورت. فقد أخذتني الرواية وحلقت بي في سماء الخيال، فما أجمل الأعمال التي تأخذ روحك قبل عقلك، كنتُ مأخوذة بشخصية "كلارا العمياء" في بداية الأمر، إلا أنني كرهت أنانيتها في عشق الرجال، وخيانتها لنفسها قبل خيانة الآخرين، هكذا تخيلتُ "كلارا" التي وقع في حبها "دانيال سيمبيري" بطل رواية "ظلُّ الريح".
أخذتُ أبحث عن أقرب الصور التي شكّلها خيالي قبل النوم بساعات إلى أن توصلت لهذه الصورة التشبيهية، الفتاة في جلستها تشبه الوصف الدقيق الذي وصفه البطل حيث الملابس وحركة الجسد لـ "كلارا"، تلك الأوصاف المسردة على لسان دانيال في فصل "أيام الرماد"، وذلك ما يعطي الشخصيات داخل الرواية نبض الحياة، والحقيقة أن المترجم له دورٌ عظيمٌ في ذلك؛ لأنه بلغته العذبة، وخياله الخصب تمكن من صنع ذاك البناء المتكامل الذي نُقلت فيه المعاني كما هي، ومع ذلك لم يتغير المعنى. 
كل الجهد المبذول أخرجه لنّا المُترجم، ونقل لنا مجموعة من المعاني، والقصص المتعددة داخل الرواية بنفس معانيها المقصودة في ثقافة الشعب الإسباني، بل نقل في هوامش الرواية معاني الأمثال ومغزها، ونقل حضارتهم -أي الإسبان-  وتاريخهم بكلِّ حرية، لكنها حرية مقيدة داخل النص، أي أن عمله هو صوغ الأفكار في كلمات موجَّهة إلى قارئ، فالفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه. وهناك أيضًا تعريف مشهور  خاص لمهنة "المُترجم" للدكتور: محمد عناني في كتابه "فن الترجمة"، وهو أن: "...المترجم كاتب" (كتاب فن الترجمة، محمد عناني، ط11، ص5)، هذا التعريف يدل على أن المُترجم معاوية عبدالمجيد قد بذل جهدًا كبيرًا في نقل ثقافة الشعب الإسباني، أيضًا كان دقيقًا في استخدام الألفاظ؛ مما يجعل القارئ يتذوق المتعة أثناء القراءة دون الشعور بأي كلل أو ملل.

أمّا عن فصل "الأسى والصديق"، فاللحظة التي بعدت فيها "كلارا" عن "دانيال" في ليلة شتاء ممطرة شديدة الضباب لتغوص في جسد "أدريان نيرى" مدرس الموسيقي، اللحظة التى انكسر فيها قلب دانيال، ومعه تحطم قلبي، وهو يدل على مدى الصدق في التعامل مع مورفولوجية الشخصيات الرئيسة والثانوية داخل فضاء العمل الروائي.
ولقد عشقت شخصية "ميغيل مولينر" الصديق المخلص لصديقه "خوليان كاراكس"، وحزنت كثيرًا عليها عندما قرأت خبر موته.
وكنتُ متعاطفة مع بائع القبعات "أنطوني فورتني"، فقهر الرجال من أصعب المشاعر التي يصاب بها أي رجل، فالشخصيات مُجسدة بكُلِّ إتقان، حتى إن وفاة "أنطوني" استفزت مخزون الذاكرة لديّ عنّ الحياة التي نظم فيها الإمام الشافعي؛ قائلًا: 
الدَّهْرُ يَـومَانِ ذَا أمْنٍ وذَا خَطَرٍ
والعيشُ عيشانِ ذا صفو وذا كدرُ
أَمَا تَرَى البحرَ تَعلُو فوقه جِيَفٌ
وتَسْتَقِرُّ بأقْصَى قـــاعِهِ الدُّرَرُ
وفِـي السَّمَاءِ نجومٌ لا عدادَ لَهَا
وليس يُكسَفُ إلا الشمس والقـمر
تلك وظيفة الأعمال التي تحمل قيمة فكريّة وفلسفية تعمل على استفزاز مخزونك وأفكارك، بل آرائك. أمّا عن شخصية "دانيال" فقد أحببتها؛ لأنه لم يتنازل عن بلوغ هدفه، وكرهتها لأنه ساذج لا يضع الخطط قبل الرحلة. عشتُ مع كل شخصية، وأحببت كل رحلة من إسبانيا حيث برشلونة إلى باريس، وبيوت بائعات الهوى، ومنها إلى برشلونة وقصر آلدايا، ومقابر بونتكيا آنا بوصفها الأخاذ، منها إلى بيت العجائز، منها إلى وصف الكنائس والكاتدرائيات. إن رواية "ظلُّ الريح" لهي رواية من الطراز الرفيع، مُفعمة بالخيال، ستأخذ كل قارئ إلى دنيا لطالما تمناها.
بدأت قراءتها يوم5-3-2021، وانشغلت عنها بقراءة أعمال أخرى، لكنها لم تغب عن بالي، عند عودتي إليها وجدتُ نفسي داخل صفحاتها متلحفة على سرير "دانيال" في غرفته، حيث أقصى الزاوية التي يجلس عليها "فيرمن" في ليلة من الليالي قارسة البرودة، انتهيت منها في جلسة واحدة يوم الأحد 12 من شهر سبتمبر 2021، وودعت جميع أبطالها، ووعدتهم بالزيارة مرة أخرى، ربمّا بعد مرور عشر سنوات أو أقل، لكنني سأعود ما دمت حية. 
-بعض الاقتباسات التي تحمل فلسفة عميّقة تكمن في عقل الراوي المُتخيل، وهي:
"ليسوا أشرارًا، بل إنهم أغبياء. الفرق مختلف جدًا، فالشر يستلزم وجود عمق أخلاقي، وقوة إرادة وذكاء، أما الغبي لا يستعمل عقله للحظة، بل يذعن لغرائزه كأي حيوان في الحظيرة، مقتنعًا بأنه يتفاعل باسم الخير، وأنه دومًا على صواب. إنه يفتخر بنفسه لقدرته على إزعاج جميع أولئك الذين يراهم مختلفين عنه بانتماءاتهم وألوان جلدهم وآرائهم ولغاتهم، أو لمجرد أهوائهم، هذا العالم في حاجة إلى مزيد من الأشرار، وإلى أقل عدد ممكن من الأغبياء."
"إنّ الشغف الذي يرافق الطفولة يشبه عاشقة غدارة ومتقلبة الأهواء؛ فسرعان ما احتلّني الولع بتركيب القوارب الصغيرة، وكففت عن تذكير والدي بأن يصحبني لرؤية القلم، وكفّ هو عن ذكره أيضًا..."
قالت كلارا: "لطالما اعتبرت القراءة واجبًا أو صدقة تُمنح للأساتذة والمعلمين دون أن نعرف سببها الحقيقي. كنت أجهل طبيعة المتعة التي تهبنا إياها الكلمة المكتوبة، المتعة في ولوج أسرارها الروح، والاستسلام لنزوات الخيال وألغاز الإبداع الأدبي". أعترف بأن لتلك الرواية الفضل في هذه الاكتشافات 
"من السهل أن نحكم على الآخرين، ولكننا نندم على أحكامنا عندما نفقدهم، أو حين يسرقهم أحد منّا".
أمَّا عن فلسفة الراوي عن أهمية الكتاب الذى من أجله أكتب هذه المقالة التي أسميها "خواطر نقديّة"  يرسل رسالته؛ حيث يقول: 
"لا شيءَ قادرٌ على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول الذي يمس قلبه حقًا، إذ إنّ صدى الكلماتِ التي نظن بأننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلًا سنعودُ إليهِ عاجلًا أم آجلًا، لا يهم حشد الكتب الأخرى التي سوف نقرؤها، ولا عدد العوالم التي سوف نكتشفها، ولا حتى مقدار الأمور التي سوف نتعلمها ثُمّ ننساها". 
أمَّا عن رواية كارلوس زافون "سجين السماء": 
تُعدُّ الجزء الذي يمكن للقارئ أن يعطيها الرقم الذي يختاره؛ لأن قراءتها لن تؤثر على بقية الأجزاء، الأهم أن تكون "ظلُّ الريح" هي الأولى، فسجين السماء رواية حواريّة بها الكثير من العقلانية، والكشف ومضات تاريخ إسبانيا.
إضافة لذلك، فهي وصف لحياة برشلونة أيام حكم فرانكو الديكتاتور، والحقيقة أن هناك العديد من الأعمال الأدبية المترجمة التي أشارت لحكمه، مثل: رواية إيزَابيل الليندى في روايتها "سفينة نيرودا"، وهي السفينة الأسطوريَّة التي أبحرتْ من فرنسا إلى تشيلي حاملةً على متنها ألفي لاجئ إسبانيّ كانوا قد فرُّوا من نظام فرانكو القمعيّ؛ لذلك تُعدُّ "سجيّن السماء" رواية تندرج تحت مسمى "أدب السجون"، لكن ما أدب السجون؟ إنه نوعٌ أدبي يصف الأدب المكتوب بشكل خاص، ذلك عندما يكون الكاتب مقيدًا في مكان ضدّ إرادته، مثل: سجن، أو إقامة جبرية، ويمكن أن يكون أدبيات تدور حول فضاء السجن، أو عَنْ مرحلة قبله، أي أثناء إقامة الكاتب في السجن، أو مذكرات، أو قصص، أو محض خيال للكاتب، لكنه -على أي حال- يصف فيها حقبة زمنية معينة، وفي حقيقة الأمر إن ما يميز أدب السجون أن رواياته تصب اهتمامها على "فضاء المكان"، وتأثيره في نفس الشخصية، أي إنه عملية نقل للواقع أو الواقع المُتخيّل داخل العمل الإبداعي؛ حيّث تنوع الأماكن الذي يؤدي لتدفق المشاعر، فالزنزانة هي المكان الضيق، التي فيها شعر "فيرمن" بضيق العالم داخلها، وتجليها هي في مجمل الأحداث "قلعة مونتويك"، ويصف "فيرمن" الشخصية التي تحولت إلى شخصية رئيسية في "سجين السماء" السجن، وما يحدث فيه من انتهاك لقيمة الإنسان، وظروف الاعتقال، وأسبابه، حتّى بعد خروجه يتم وصف نجاته بأنها خروج من عالم الأموات، وكأنه عاش غيبوبة الحياة المُعذبة داخل تلك الزنزانة: "إلى فيرمين روميرو دي توريس، الذي عاد من عالم الأموات، ويمتلك مفتاح المستقبل". 
تلك الجملة تندرج تحت فصل "حكايةٌ من أجواء الميلاد"، فكانت "مكتبة آل سمبيري"، و"شارع رامبلا دي سانتا مونيكا" المكان المتسع الذي وجد فيه "فيرمن" نفسه. وتتميز هذه الرواية بأن لديها خطين زمنيين؛ حيث تبدأ في برشلونة في ديسمبر 1957 وتنتهي عام 1958، لكن هناك خطًا زمنيًا فاصلًا في المنتصف في سجون قلعة مونتويك التي تعرف فيها "فيرمين" على "دافيد مارتين" الكاتب الثاني الذي سيتم إنقاذ كتابه من مقبرة الكتب المنسية؛ ليحكي قصته "فيرمن" بكل تسلسل وانسيابية، فيحكي في أجواء الشتاء والضباب الذي يكسو سماء برشلونة في فصل "عالم الأموات"، حيث يقول "دي توريس": "برشلونة، 1939: كانوا يقتادون السجناءَ الجددَ في جنح الظلام، بالسيارات أو بالعربات السوداء التي تقطع المدينة في صمتٍ مهيب، ينطلقون بهم من مخفر شارع لايتانا دون أن يلحظهم، أو يشأ أن يلحظهم أحد. 
وكانت عربات الأمن تصعد على تلك الطريق القديمة التي تؤدي إلى هصبة مونتويك، وقد قال الكثيرون منهم أنهم عندما يتبدّى لهم جانبٌ من القلعة التي تعتلي القمّة تنتأ من لين السحب السوداء التي تزحف فوق البحر، يدركون استحالة الخروج أحياءً من ذلك المكان".

لم يتوقف دور زنزانة مونتويك في رواية "سجين السماء" عند رسم حدود الزنزانة، لكنها أظهرت شخصيات من خلف الجدران، حيث تأملنا لكل شخصية، وتأثير الزنزانة فيهم مثل تأثيرها في شخصية "مارتين" الكاتب الذي يتحدث مع أشباح الليّل ليصيب من حوله بالذعر والفزع، وشخصية مأمور السجن المُستغل، الذي يصور لنا "زافون" من خلال "المأمور فايس" شخصية السارق المحتال الذي يستغل سلطته ليصنع مجدًا زائفًا في عالم الكتابة، من خلال استغلاله لقلم "دافيد مارتين" ليكتب له أعماله التي لم تكن من صلب عقله، ولكنها من صلب "مارتين"، وبسبب ذلك يُنَصَّب "فايس" وزيرًا للتعليم، وهنا يسلط "زافون" الضوء على ظاهرتين، الأولى: ظاهرة الجوست رايترز  "ghost writers"، والثانية: فاعلية الشخصيات مع الزنزانة أثناء حكم "فرانكو"، وذلك ما يسمى بتفاعل الشخصية مع المحيط، ومدى احتياجها لوعاء يؤثر في قيمتها ودلالتها وصلابتها الوجودية.
أمّا الظاهرة الثالثة التي يسلط عليها "زافون" الضوء في مجتمعه وواقعة التاريخي هي كيف أن يخلق الشخص هويّة حكومية جديدة لنفسه في ظل رفض المجتمع وحكومته له بسبب الأنظمة القمعية، لكن بواسطة الرشوة تستطيع فعل المستحيل؛ حيث تم استخراج بطاقة هويّة ومستندات جديدة ليتمكن من الزواج من "برناردا". 
إنها الحقائق التي تنكشف داخل عالم الرواية! وفي حقيقة الأمر إن الحقائق أحيانًا تحمينا من الغير، ومن أنفسنا، وتحمينا من النبش في مقابر الماضي، وتحمينا من التفتيش في صفحات المستقبل غير المعلوم، إن الحقائق أحيانًا تكون طوق النجاة.
إضافة لذلك، إن الشخصيات في رواية "سجين السماء" لم تكن وليدة اللحظة الإبداعية، لكنها عملية اختراق للخيال، حيث تنشأ للشخصية ظروف ومعاناة تكون هي المؤثر الرئيسي في وجود المكان والوجودية، فلولا إحساس "فيرمن" بالعذاب داخل الزنزانة، وجنون "مارتين" ما كنت الأحداث أخذت مجرى التطور، ناهيك عن وصف برشلونة العالم الواسع بأنها مدينة الضباب والأوجاع: "في ذلك العام -قبل أعياد الميلاد- مرّت علينا أيّامٌ مصبوغةٌ باللون الرصاصيّ، ومكسوّةٌ بالضباب.
وكانت العتمة النيليّة تطغى على المدينة، فيما يمشي الناس على عجالة متدثّرين بالثياب حتّى آذانهم، وزفيرُ أنفاسهم يرسم ستائر من بخارٍ في أجواء الطقس المتجمِّد...". 
هذا الاقتباس خلق داخلي سؤالًا: لماذا يصف الكُتَّاب البارعون مُدنهم بأنها طاغيّة الحزن؟ أكانت درجة المصداقية والشجن داخلهم تجعلهم ينظرون لأحب الأماكن وأقربها لقلوبهم بهذه النظرة الشجيّة المملوءة بالضبابية؟! وهنا لزم الإشارة إلى أن اللغة الروائية هي مأوى المكان الروائي "فضاء المكان"، وهي مشكل الأحداث، والبناء الزمني "فضاء الزمان"، فقد بدأت الرواية بتلك الإخبارية: "لطالما كنتُ متيقّنًا من أنَّني سأعود يومًا ما إلى هذه الطرقات كي أروي حكاية الرجل الذي ضيَّع روحه واسمه بين ظلال برشلونة الغارقة بنومٍ مُقلِقٍ في زمن الصمت والدماء..."، وانتهت بين شواهد المقابر بالأخص مقبرة يتسلط عليها خيط النهار المرفوع في سماءٍ غارقة في زرقة البحر، ومكتوب على الشاهد "إيزابيلا سيمبيري" 1917-1939 لتعلن للقراء عن إقامة ملحمة ثالثة –أي جزءٍ جديدٍ- يجب أن يستعد القارئ للإبحار في أعماقه ليغوص في عالمه. 

وفي النهاية إن أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم، التي أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمها الإبداع الأدبي.

عاجل