رئيس التحرير
محمود المملوك

بلاش عتاب

الصديقة نيفين عبد الله موظفة علاقات عامة في شركة من شركات الاتصالات ومن أجدع البنات اللي معرفتها تشرف أى حد، نيفين في دواير أصدقائها كان معروفًا عنها إنها بتاعت دايمًا الطيب أحسن، يعني إيه؟.. يعني أى مشكلة تحصل بين أى طرفين دايمًا بتميل لفكرة إن الطيب أحسن وممكن نتعاتب حبة عشان يزول سبب الخلاف بس دون قطيعة.

أى أزمة بتحصل معاها أو لحد من الناس اللي حواليها كان حلها دايمًا شوية عتاب يدوبوا أجدعها زعل.. عظيم، وهو مين يكره إن المشاكل ماتاخدش وقت وتتحل بدري بدري!.. نيفين اتخطبت لواحد جارها عن حب لمدة سنتين.. بطريقة ما وبالصدفة البحتة ومن خلال ولاد الحرام اللي ماخلوش لولاد الحلال حاجة شافت خطيبها وهو بيخونها!

خيانة واضحة صريحة مافيهاش أي مواربة من أي نوع.. شافته بس هو ما شافهاش.. واجهته واتكلمت معاه.. ماقدرش ينكر وكان قدامها زي الكتكوت المبلول وماعرفش ينطق بحرف.. بص لها بنظرة استجداء وكأنه بيقول: هتعملي فيا إيه وإيه قرارك؟.. قرارها كان واضح وعنيف ويتناسب مع اللي حصل.. أنا مش هكمل.. دون ما تجيب سيرة عن اللي شافته لأى حد تاني بقت تفتعل مشاكل تافهة بينها وبينه قدام أهلها وأهله عشان يتفشكل الموضوع!.. تلاكيك تلاكيك تلاكيك، ريحة البرفان بتاعته بتخنقني، لبسه بقى مش شيك، بياكل كتير، مواعيده مش مظبوطة.

حتى لما أهلها بقوا يقولوها: يعني إنتى جاية بعد سنتين تقولي الهبل ده؟.. كان ردها: أه انا مجنونة ومش هقدر أكمل.. فركشوا الخطوبة.. قِبلت إنها تطلع في نظر أهلها وأهله تافهة ومش بتاعت مسئولية وسطحية مقابل إنها ماتقولش السبب الحقيقي!.. بعدها بسنة لما جمعتنا أنا وهي ظروف الشغل وبعدها الصداقة؛ حكتلي.. هي ماكنتش عايزة تأخد رأيي في حاجة حصلت وانتهت أكتر من إنها كانت عايزة حد يأكد عليها ويشجعها في القرار اللي هي أخدته.. بطبعي مش بحب ومش بعرف أزوق الكلام فقلتلها وأنا مفروس منها: طب على الأقل كنتي فضحتيه قدام أهلك وأهله.. قالتلي: هروح أقولهم إيه؟.. قلت: ابنكم خاين وكذا كذا؛ إنتي مش هتتبلي عليه! قالت: لأ؛ بابا وماما كانوا شايفينه محترم وماحبتش أشوفهم بياخدوا فيه مقلب عمرهم.

قلت: طب يا بنتي ما هم هيقولوا على بنتهم مجنونة!.. ردت: يقولوا؛ أنا بنتهم وكبيرهم هيتقمصوا مني شهر ولا اتنين وبعد كدة خلاص، ومع الأيام هو ده فعلًا اللي حصل.. سألتها: إنتي مصدقة نفسك؟.. ردت: جدًا، اللي بيخون ده جعان وأنا مش عايزة أرتبط بجعان.. أنا قررت أستره وسترته.. طب لحظة!.. وفين نظرية إن الطيب أحسن، والعتاب ممكن ينهي أجدعها خناق!.. وجهة نظرها إن العتاب آه حل بس مينفعش في أوقات معينة بعد تصرفات معينة من ناس معينة.. ليه؟.. لإن كل واحد عارف هو بيعمل إيه كويس.

في واحدة من القصص الإنسانية اللي تم نشرها في كتاب Chicken Soup For The Soul السيدة الأمريكية كارين، بتحكي إنها اتجوزت عن حب من بوب، جوازة بسيطة وبأقل الإمكانيات.. خلفوا طفلين وكانوا منسجمين جدًا.. لكن بعد الخلفة وعشان يقدروا يوفوا بمتطلبات البيت والمصاريف كان بوب بيشتغل شغلانتين في اليوم.. بيوصل البيت مهدود ويادوبك بالعافية بيقعد مع مراته وأولاده لحد الساعة 12 وينام.
كارين منظمة جدًا وكانت بتهتم بتنظيف البيت بتاعها مرتين كل يوم مش يوم الجمعة بس زينا.. أزمتها الأساسية مع بوب أو على وجه الدقة أزمته هو معاها الحقيقة كانت في عتابها المستمر له على الفاضية والمليانة!.. حاجة كده فيها من روح طبيعتنا إحنا كشرقيين أو كعرب.. ماتدخلش بالجزمة بتاعتك أنا لسه ماسحة.. ماتضحكش وإنت بتاكل عشان الفتافيت ماتقعش على المفرش!.. مين قال لك تحرك كذا من مكانها!.. أنا مش بحب اللون الفلاني ليه جبت لي فستان لونه كده!.. عتاب ولوم حتى في الحاجات الكويسة.

مع الوقت للأسف بقت أوقات راحة بوب الأساسية بيلاقيها في الشغلانتين بتوعه رغم إن المفروض يكون العكس وراحتي تبقى في بيتي.. لكن وللإنصاف هو ماقدرش يكره أو ياخد موقف من كارين.. حبه ليها كان بيخليه يتعايش مع عتابها المتكرر له، ويلاقيله مبررات.. تلاقيها زعلانة من ضغط شغل البيت.. تلاقي حصل مشكلة مع أهلها.. تلاقيها اتخانقت مع واحدة من جيرانها.. معلش زى بعضه نستحمل بعض.. للأسف سكوته وعدم اعتراضه ده حوّلوا عتابها لعادة.. في مرة وبعد ما انتهت كارين من تنظيف أوضة النوم بتاعتهم بتبص على الأرض عند حافة السرير اللي نايم عليه بوب لقت حشرات سودة صغيرة كتير منطورة وموجودة على السجادة.. اتخضت واترعبت.. معقول هتنظف تاني!.. جت منين الحشرات دي بالظبط؟

حاولت تتغلب على شعورها بالاشمئزاز ونزلت بإيديها ورُكبتها على الأرض وقربت كف إيديها من الحشرات دي وحاولت تزقهم بقماشة.. ما اتحركوش!.. خبطت فيهم كام خبطة كمان وبرضو مافيش أي حركة منهم.. قربت وشها أكتر واتشجعت ومسكت واحدة منهم بين صوابعها واكتشف إنها مش حشرة.. لقت إنها قطع مدورة صغيرة جدًا من القماش!  إيه الحكاية؟.. بوب لما بيرجع تعبان من الشغل ومش شايف قدامه ولما بييجي يخلع الشراب بتاعه وهو قاعد على السرير بينفضه جامد.

ولأنه متعود يشتري شرابات رخيصة لما بييجي فحتة النفضة دي بتخلي أجزاء متنسلة من الشراب تتنطر على السجادة.. كارين ثارت وصحت جوزها من عز نومه واتخانقت معاه واتهمته بالإهمال وبأنه مش حاسس بتعبها.. خلصت الخناقة إن الراجل قام وراح شغله وهما زعلانين من بعض.. ودي كانت أول مرة بوب يتقمص.. لما الساعة جت 8 ونصف، بوب مارجعش من الشغل.. افتكرت إنه بيتقل عليها عشان مقموص بس حاولت تطنش وقالت مش مهم هيكون راح فين يعني.. لحد الساعة 10 بالليل التليفون رن.. ردت.. لقت صوت واحد راجل بيقول لها بصوت قوي: السيدة روبينز؟. قالت: نعم.. قالها بصوت كله أسى: يؤسفني أن أبلغك تعازينا في السيد روبينز.. بتقول: لا إراديًا هوى جسدي على المقعد وانفجرت عيناي بالدموع وقُبض قلبي؛ مستحيل أن يموت.

فضلت ماسكة سماعة التليفون ومتبتة بيها في إيديها بقوة وكل اللي في بالها وبتقوله لنفسها: لم أودعه، لم أودعه، لم أودعه.. كل ذكرياتهم الحلوة مع بعض مرت قدام عينيها كأنها شريط سينما.. عتابها له، وزعله منها حاجات ماكنش ينفع تحصل بينهم أبدًا.. صوت الراجل على التليفون كمل كلامه: سيدتي كانت هذه مكالمة دعائية من شركة ساكرد مونيومنتس" لبيع توابيت الموتى.. اكتشف إن دي شركة بتعمل دعاية عن بيع توابيت ومقابر بس بشكل سخيف شوية؛ طبعًا شتمت الراجل وقفلت السكة في وشه وروحها ردت فيها بس لسه القلق على بوب موجود.

الساعة 12 بالليل الباب خبط.. فتحت لقت في وشها بوب وأول ما شافته حضنته!.. من وقتها ولمجرد تخيل فكرة إنها تفقده فجأة زاد حبه عندها وتقديره وده خلّاها تقدر تستحمل اللي ممكن كانت تكون بتعتبره قبل كدة حاجات سخيفة!.. وخلاّها مع الوقت تقلل من عتابها اللي عمّال على بطّال لإنها فهمت إن ممكن عتابها اللي بقى جزء من شخصيتها يكون آخر حاجة يسمعها منها شخص بتحبه وعزيز على قلبها، ومش هو ده اللي تستحق علاقتهم تنتهي النهاية دي اللي ماكانتش هتستحملها.

العتاب ينفع وله جدوى لو كان في أمور ينفع تتعدى، وتتفوت.. مينفعش العتاب يبقى لا نهائي.. مينفعش يبقى لأى حد.. مينفعش يبقى في أوقات معينة بعد تصرفات معينة من ناس معينة لإن كل واحد عارف هو بيعمل إيه كويس.. مش للي كنت محتاجه، ومشي متعمد!.. مش للي فلت الإيد وسابك تغرق وأنت في أزمة.. مش للي سد ودانه عنك في اللحظة اللي هو عارف إنك عايز تفضفض.. العتاب غالي ماترخصهوش.. جبران خليل جبران قال: العتاب كالحب فلا تعطيه لمن لايستحق..