رئيس التحرير
محمود المملوك

مدينة السويس الباسلة

إنها محافظة السويس أرض الأبطال البواسل، بلد المقاومة الشعبية، بلد حافظ سلامة ومصطفى أبو هاشم وأحمد أبو هاشم ومحمود عواد ومحمود طه وأحمد عطيفي وعلي سباق وغريب محمود وعبد المنعم خالد وإبراهيم سليمان وعبد المنعم قناوي وأشرف عبد الدايم والكابتن غزالي وحمام  بلد الأبطال الذين خاضوا مع كثيرين، ولا نستطيع حصر عناصر المقاومة ضد الاحتلال عقب هزيمة 1967، وبادروا بالتطوع لإسعاف ونقل الجرحى وتطورت مهماتهم إلى زرع الألغام وتنفيذ عمليات فدائية متواصلة، وكان العدو يدفع ثمنها غاليا من خسائر بشرية ومعدات، وكذلك تنفيذ عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات لتستفيد منها القيادة العسكرية للجيش المصري في خططتها وتحركاتها.

حتى تم إنشاء منظمة سيناء العربية لتضم كل المتطوعين من مدن القناة وسيناء لمواجهة العدو الصهيوني، وكان هؤلاء الأبطال في مدن القناة متعطشين للمشاركة في المهام المقدسة لاسترداد الأرض وضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء والتضحية، ولنا أن نفخر بأن كل فرد فيهم هو قصة بطولة منفردة.

وقد تدربوا على أيدي ضباط القوات المسلحة على استخدام الأسلحة واستمروا في عملياتهم خلف خطوط العدو حتى كان وقف إطلاق النار حسب مبادرة روجرز 1970 لكنهم استمروا في التدريب حتى تأتي اللحظة المناسبة للانقضاض على العدو لاستعادة الأرض.

وكانت اللحظة الحاسمة التي انتظرها المصريون جميعا شعبا وجيش وهي عبور قواتنا المسلحة في 6 أكتوبر 1973 وخوض حرب الكرامة والثأر وانتصار الجيش المصري وعبور خط بارليف المنيع، ودك الحصون المنيعة وانكسار العدو المتغطرس.

ولكننا هنا نتحدث عن صمود شعب السويس ومعركته الفريدة يوم 24 أكتوبر وهو اليوم الذي اتخذته السويس عيدا قوميا لها ليظل يشهد بطولة أهل السويس جميعا والذين قرروا عدم ترك مدينتهم فريسة للاحتلال الصهيوني؛ وبذلوا الدم والروح للدفاع عنها والدفاع عن الكرامة المصرية، وكما قال السادات: إن السويس في 24 أكتوبر لم تدافع فقط عن السويس إنما عن مصر كلها.

وبداية تلك المعركة كانت عندما اضطر الجيش المصري إلى تطوير هجومه جهة الشرق لتخفيف الضغط على الجيش السوري الذي فقد الجولان بعد أن حقق مكاسب على الأرض؛ فاستغل اليهود عدم وجود احتياطيات كافية في الجيش المصري، وبعد أن اكتشفت طائرة استطلاع أمريكية وجود ثغرة بين الجيش الثاي والثالث حتى تمكنوا من العبور وفصلوا بين جيشينا.

وكانت الثغرة محل خلاف سياسي وعسكري بين الرئيس السادات والفريق الشاذلي؛ ولكن الرئيس رفض الانصياع لتقديرات الشاذلي، فتقدم العدو ودخل إلى الأدبية حتى وصول إلى طريق القاهرة السويس، وكان هدفهم الأسمى احتلال مدينة السويس.

فتم حصار المدينة من جميع الجهات وظل الطيران والمدفعية يضرب دون هوادة؛ ولكن رجال المقاومة بقيادة الشيخ حافظ سلامة الذي ظل ينادي في الميكرفون حي على الجهاد حتى تجمع الأبطال البواسل من منظمة سيناء العربية وبعض المدنيين مع رجال الشرطة بالمدينة ليضعوا الخطة لمواجهة العدو، وهم يعلمون أن المدينة ليست بها قوات نظامية من الجيش.

وقد صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 وقتها يوم 22 أكتوبر بوقف إطلاق النار ولكن العدو الإسرائيلي لم يحترم القرار وواصل انتهازيته؛ حتى صدر قرار ثان من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار ابتداءً من صباح 24 أكتوبر؛ ولكن الفدائيين مع رجال الشرطة كانوا يعرفون برغبة العدو في دخول المدينة لزعزعة الانتصار.

فوضعوا خطتهم وأقاموا الكمائن في المثلث والجناين والزيتية وعند كوبري الهويس وميدان الأربعين والمحافظة وبعض الأماكن الأخرى، وكانت الخطة تتطلب أن يدخل العدو المدينة حتى يطمئن لعدم وجود مقاومة وبدت لهم السويس كمدينة أشباح؛ وهنا خرج الإسرائيليون من مدرعاتهم وآلاتهم العسكرية بعد أن اطمئنوا. 

وكانت لحظة الانقضاض في وقت واحد على قوات العدو لتنطلق صرخاتهم ويفرون مرعوبين مذعورين، وتم قتل الكثير منهم وتركوا دباباتهم وآلاتهم وأسلحتهم وتحركت الكمائن لتضيق عليهم الخناق وعند حلول ليل 24 أكتوبر كانت قوات العدو قد انسحبت تماما خارج السويس بعد أن تركت قتلاها وآلاتهم العسكرية التي أحرقها الفدائيون خشية عودة الجنود للحصول عليها مرة أخرى.

ولذلك يعد يوم 24 أكتوبر ملحمة شعبية قادها أهالي السويس للدفاع عن مدينتهم بل عن مصر كلها ومع تقهقر العدو وفشله في الاستيلاء على السويس والإسماعيلية، حاصر المدينة وارتكبوا كثيرًا من الحماقات كعدو بربري همجي يخرب ويقطع الأشجار ويطرد المزارعين من منازلهم بعد الاستيلاء على محاصيلهم ومواشيهم، ويمارس ضدهم التهديد والتعذيب.

وواصل العدو تخريبه في القرى بالقطاع الريفي؛ حتى نفدت المواد التموينية واضطر الأهالي إلى ترك أماكن معيشتهم؛ هربا من البطش والطغيان وبربرية العدو الإسرائيلي، وظل الحصار 101 يوم حتى انتهى في شهر فبراير 1974 بناءً على اتفاقية فصل القوات وتطبيقا لقرار مجلس الأمن، وانسحاب القوات الإسرائيلية بعد أن تركت خرابا وراءها، وبعد أن تيقنت من أن الشعب المصري لن يتركهم وستكون نهايتهم في تلك المنطقة بعد أن قطعت كل خطوط الإمداد عليهم؛ ليقرروا دفنهم في أماكن تمركزهم فكان قرار الانسحاب.

وهكذا انتصرت السويس وانتصرت المقاومة الشعبية وأصبحت السويس مقبرة العدو الصهيوني، وبعد أن كبدتهم أكبر خسائرهم البشرية في معارك حرب أكتوبر، وسيبقى 24 أكتوبر يوم مجيد ومشرف لكل مصر ولكل السوايسة على وجه الخصوص، وسيتمر الأجيال تردد بشجاعة وبسالة آبائهم وأجدادهم في معركة فاصلة في عمر مصر كلها؛ بعد أن ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء ودافعوا ببسالة مع رجال الشرطة والمدنيين وبعض من القوات المسلحة عن المدينة فحقا هي المدينة الباسلة.

إنها مدينتي مدينة السويس الباسلة؛ فكل عام وكل أهالي السويس ومصر بخير وإن شاء الله سنكمل بناء جمهوريتنا الجديدة بالكد والجهد والعرق؛ فالشعب الذي انتصر في ظروف صعبة سيبني وطنه، ويتخطى كل الصعاب و«هتبقى قد الدنيا إن شاء الله.. وتحيا مصر». 

عاجل