رئيس التحرير
محمود المملوك

لنسأل الله قدرًا جديدًا

البطل الملحمي هو الذي يأتي في زمانه ومكانه الصحيحين، ويُواجه بشجاعة تامة وجسارة كبيرة كل التحديات والصعوبات التي تواجهه في حياته، كي يُحقق ما يريد، ويصل لهدفه، وينجح في حياته، ويصنع أسطورته الخاصة، التي سوف تروى من بعده.

وهو إنسان مقاتل، لا يعرف الهروب أو الاستسلام لظلم وقبح الأمر الواقع؛ ولهذا يُثير فينا مشاعر الاحترام والتقدير، ويجعلنا نُعظّم قيم الفروسية والإصرار، والمُثابرة والشجاعة التي تتجسد في حياته وخياراته.

أما البطل التراجيدي، فهو مَن يأتي في غير زمانه ومكانه، ولذا يُعاني في داخله بسبب غربته عن سياقه وعصره، دون أن يُظهر ذلك للآخرين، ويستمر في الإيمان بذاته ومبادئه، وفي مغالبة واقعه وقدره.

وسيان عنده إن وصل لهدفه أم لم يصل، فيكفي أنه عرف ذاته وهدفه وطريقه، وظل من البداية للنهاية هو لا غيره.

والبطل التراجيدي يثير فينا بعض الإعجاب لتصميمه وقوه إرادته، وكثير من التعاطف معه لسوء حظه وتعثر مسيرته، رغم نبل أخلاقه وسمو وسائله وهدفه.

غير أن البطل الملحمي والتراجيدي، كما صورتهما الملاحم والتراجيديات الإنسانية الكبرى، قد صارا في عصرنا الحالي نموذجين في منتهى الندرة، لفقر وبؤس الواقع المعاصر، وهشاشة تصور الإنسان لذاته وقيمته وهدف ومعنى حياته.

ولهذا عرفت الآداب المعاصرة نموذجًا جديدًا للبطولة، هو نموذج "البطل الضد"، الذي فقد شجاعة الوجود، وفتوة الروح والعقل، وقوّة الإرادة والرغبة في مواصلة الرحلة، ولم يعد مشغولًا بصنع ملحمته وأسطورته بعد مغالبة قدرة وواقعه، بل صار مسكونًا بهزائمه الشخصية والعامة، ومشاعر المرارة وخيبة الأمر، ومستسلمًا  لقدره ومصيره.

والبطل الضد هو "بطل هذا الزمان"، وأفضل تعبير عن حالة الإنهاك الوجودي الذي يعيش فيه الإنسان المعاصر، الذي لم تعد تُغرية لعبة الحياة بالاستمرار في خوضها، وتحول إلى إنسان مهزوم لا مبالٍ، يتفرج على الحياة دون أن يشارك فيها.

ورغم تعاطفي الشخصي مع نموذج "البطل الضد" أو "البطل اللامبالي الكامل" وتفهمي لدوافعه ومبرراته، فإنني أرفض غواية الاستسلام لجاذبية هذا النموذج الإنساني، وأرى أن البطولة الأخلاقية والروحية للإنسان المؤمن بوجود الله، تحتم عليه عدم الاستسلام لقبح وظلم الأمر الواقع.

كما تُحتم عليه أن يسأله الله بفكره وعمله دائمًا حياة جديدة، وقدرًا جديدًا، لإيمانه بعدل الله، وليقينه أن الأقدار في ملكوت الله لا متناهية كذاته وقدرته، وأن دوام الحال من المحال.