رئيس التحرير
محمود المملوك

"بنحكي موسيقى"

بسبب طول الرسالة، ورغبتي في وجودها دون تقسيم تم تخصيص مقال هذا الأسبوع لها بالكامل دون موضوعات إضافية كما جرت العادة.

الإنبوكس:

● أنا "أحمد نور".. أو "نور" زي ما كل اللي نحوا بينادوني سواء قريبين أو معرفة سطحية.. عندي 33 سنة، وخريج كلية تجارة.. أنا بلا فخر أقدر أقول عن نفسي وبمنتهى الثقة إني عنصر جذب مثالي لكل الأوغاد اللي في الدنيا.. "صاحب" أكون في قمة الإخلاص معاه فيطلع هو في منتهى الندالة عشان يثبت لي إني كنت أهبل.. "حُسن نية" يكون هو الغالب على معظم تصرفاتي مع الغير فيأكدولي إن سوء الظن في كل التعاملات أسلم وأضمن.. "حبيبة" يتحرك قلبي ناحيتها وأتقدم لها وبعد ما أجهز الشقة والعفش وميعاد الفرح يتحدد تتخلى عني بمنتهى السهولة بسبب اختلاف بسيط في تفصيلة ليها علاقة بفلوس قاعة الفرح!.. أنا مش شخص صدامي ولا كُتر خذلان الناس ليا سببه إني معقد أو معاشرتي صعبة.. بالعكس.. أنا على نياتي بشهادة أهلي وحتى الناس اللي خذلوني.. يمكن بس أزمتي الأساسية إني مابتعلمش.. خازوق من فلان.. تمام اتعلمنا.. نفس الخازوق بس المرة دي من علان.. تمام يالا ناخده وبعد كده نتعلم برضه.. وهكذا.. عارف إن سني المفروض يخليني أعقل وأسرع من كده في تقييم الناس.. بس اللي حصل.. "قلل بشر، كتّر مزيكا".. دي القاعدة اللي بدأت أنفذها من بعد تخرجي من الجامعة لإني بحب المزيكا، وبعد كل صدمة أو وجع كانت بتبقى وسيلة فش غلي الأساسية إني أعزف على آلة الكمان بتاعتي.. على فكرة أنا بعزف حلو، وقريت منك قبل كده إنك بتقول إنك برضه بتعزف حلو على الكمان، ودي حاجة فرحتني إن الكاتب المفضل ليا عندي هواية مشتركة معاه.. 

لما خلصت الكلية اشتغلت محاسب في شركة.. مش عشان بحب المحاسبة لكن عشان مينفعش راجل يقعد في البيت ومايشتغلش.. قررت إن هوايتي تاخد مساحة أكبر من يومي.. اشتركت في دورة تابعة للأوبرا ولإني كنت موهوب انضميت لفريق من الفرق الموسيقية التابعة ليها بسرعة.. وجودي في الأوبرا سمح لي أبقى في العالم اللي شبهي وفيه مني بس برضه مع الأخذ في الاعتبار إني بمجرد ما بتخلص البروفة أو الحفلة بطلع جرى دون ما يكون فيه احتكاك بيني وبين أي حد من الزملاء في الفرقة!.. استمر الوضع على ما هو عليه لحد ما ظهرت "مريم" معانا.. البنت اللي في أول العشرينات تقريبًا، وبتعزف على آلة "الفلوت".. الحقيقة وإن بمجرد ظهور "مريم" في الفرقة ومن أول لحظة وباين إنها بنت ناس ومن أسرة ميسورة الحال بشكل مختلف عن الباقيين.. البنت الهادية الكيوت اللي صوتها واطي وجسمها صغير بس في نفس الوقت ملفتة لنظر أي حد يشوفها بسبب ضحكتها الحلوة.. اتأكدت التخمينات عندنا كلنا لما عرفنا إنها بنت وزير سابق وده خلّى فيه حاجز نفسي بينها وبين الباقيين بس هي كسرت كل ده بدمها الخفيف وهزارها وبساطتها اللي حببتنا كلنا فيها.. إيه ده لحظة!.. انت هتحب تاني يا "نور"؟.. لا لا قصدي حببتنا فيها كزميلة لينا في الفرقة يعني.. وبعدين أنا لو حبيت دي هروح منها ولا من مستوى أسرتها فين دي!.. اللُطف بيعم على المكان لحد لما توصل "مريم"، واللحظات اللي بتسبق حضورها بتبقى كئيبة بشكل أو بآخر لحد ما تدخل المسرح وسابقاها ضحكتها.. اللفتات الحلوة كانت أكتر حاجة بتشد فيها.. فلانة زميلتنا والدتها اتوفت فتلاقي "مريم" بتلف علينا كلنا عشان تقول لنا الخبر وتطلب مننا إننا نروح نزورها عشان نعزيها.. طب هنبقى نعزيها لما ترجع البروفات تاني!.. لأ هنروح دلوقتي وكلنا، وده أكتر وقت هي محتاجانا فيه جنبها!.. وعشان مايبقاش فيه فرصة إن حد يفلفص ويزوغ تفاجئنا إنها اتفقت مع شركة سفريات عشان تجيب 4 ميكروباصات مكيفة نتحرك بيهم كلنا!.. ونروح نعزي!.. 

واحدة من الستات المسؤولين عن تنظيف الأوبرا واللي أصلًا مش بنقابلها لإن شغلها الصبح وإحنا بورفاتنا وحفلاتنا بالليل تتعرض لظرف صحي.. نلاقي "مريم" جاية تتكلم معانا وتقول لنا إن الست فلانة تعبانة ومحتاجة تعمل عملية هتكلف كذا ويالا نجمع سوا عشان نخليها تعملها!.. هتكلف كام العملية يا "مريم"؟.. هتكلف 60 ألف.. طب وهو إحنا هنعرف نجمع 60 ألف!.. يعني كل واحد ألف جنيه!.. فضلت يومين كاملين تكلمنا عن إن ده عمل خير وإن لازم نقف جنب الست الغلبانة وإن وإن وإن.. لحد ما قدرت تجمع المبلغ من الكل وهي برضه دفعت ألف زيها زينا.. بس كانت المفاجأة إننا اكتشفنا بعد كده إن تكلفة العملية كانت 90 ألف وإن "مريم" دفعت لوحدها 30 ألف + الألف اللي عملت نفسها بتساهم معانا بيهم زينا!.. لما جه عيد ميلادي اللي أصلًا كنت ناسيه فوجئت إنها علقت زينة في المسرح وجابت بلالين وتورتة ولما وصلت المكان الفرحة خلّتني ماقدرتش أنطق.. فات 3 سنين على الوضع ده، ومساحات القرب معاها كانت بتزيد، ومش هبالغ لو قولت إن كان جوايا حاجة بتقول إني عايز أكمل حياتي مع البنت دي.. ويبتدي الحوار بيني وبين عقلي.. انت اتجننت يا "نور"؟.. هنحب تاني؟.. انت ماحرمتش؟.. الله! ما هو مش حرام فعلًا!، وبعدين إيه اللي يمنع!.. إيه اللي يمنع!.. حاجات كتير.. خد عندك: ظروفك، وظروفها.. وضعها، ووضعك.. الخوازيق اللي قبل كده واللي المفروض تخليك متعلم وواعي إن ده طريق آخره سد.. كفاية كفاية كفاية خلاص مش عايز اتكلم معاك تاني.. أيوا كده أحسن.. حاولت إني آخد جنب منها في التعاملات، وهي حست، وحسيت إنها اتضايقت!.. أيوا أنا إحساسي صح هي فعلًا كان بيبان إن ضحكتها انطفت شوية وبقى فيها حزن مش شبهها.. مع الوقت قررت إني أبعد عشان ما أزودش الضغط عليها أو عليا.. بقيت أروح البروفة بدري ساعتين عن ميعاد الفرقة.. وصلت.. كان المسرح فاضي.. قعدت على الكرسي بتاعي وبدأت أعزف.. لقيت صوت بيرد عليا!.. صوت الفلوت!.. ببص على شمالي لقيتها قاعدة وهي كمان بتعزف!.. كان واضح إنها قررت نفس قراري إنها تيجي بدري عشان تبعد عن مواجهتي.. عزفت.. وهي عزفت.. كنّا بنتكلم بالمزيكا!.. هي بالفلوت وأنا بالكمان.. غريبة مش كده؟.. بس ده اللي حصل فعلًا.. دون اتفاق، وبدون تخطيط، وبدون نوتة موسيقية، وعيوننا مركزة على عيون بعض كملنا عزف.. نص ساعة عزف متواصل دون ولا لحظة توقف واحدة وإحنا على نفس الوضع.. العيون اتكلمت، والموسيقى عبرت.. قولت بالعزف اللي نفسي أقوله، وهي ردت عليا الردود اللي بحلم أسمعها.. اللي بيعزف موسيقى هيكون فاهم قصدي.. خلصنا.. قربت.. قعدت جنبي.. سبقتني وقالتها بالصوت.. "أنا بحبك".. رديت: بتحبيني أنا؟.. أنا فيا إيه يتحب؟.. أنا خارج من 500 خناقة مع الناس خرشموني وبقيت بعدهم حطام بني آدم!.. إنتي مش بتشوفي غير بس "نور" اللي بيملا المسرح بالموسيقى بس مش بتشوفي "نور" المكشر في شغله، واللي ماعندوش أصحاب، واللي بقى يخاف يخوض أي تعامل إنساني مع أى حد.. ردت: أنا بشوف "نور" اللي عرفته سنين هنا، وده عندي كفاية.. ماقدرتش أرد.. سألتني: عارف بحب إيه كمان في "نور"؟.. ماردتش، فكملت: بحب جدعنتك مع أصحابنا هنا، وبحب جبرانك لخاطر أى حد في الفرقة لما بتلاقي المايسترو قال له تعليق مش كويس، وبحب قلقك علينا لما بنخلص أى حفلة متأخر، وتصميمك إنك ماتركبش عشان تروح قبل ما آخر بنت تركب، وبحب إنك بتحب الناس كلها، وإنك طيب.. دي كلها عندي أسباب كفاية.. لحظة!.. هو أنا متشاف حلو كده؟.. هزت راسها بسرعة وهي مغمضة عينيها كإنه أمر منتهي.. النهاردة أنا و"مريم" مخطوبين ولما اتقدمت لقيت أسرتها في قمة اللُطف والتفهم والاحترام لاختيار بنتهم، والمفروض إننا هنتجوز في خلال شهرين إن شاء الله.. قصتنا مش رومانسية بس ولا الغرض منها إنها تخلي الناس يفتكروا الحياة وردية؛ لكن اللي حبيت أقوله 3 حاجات.. أولًا إننا أوقات بنحكم على نفسنا غلط وبنفتكر إننا هنكمل كده بسبب اختيار ولا اتنين سابقين طلعوا غلط.. ثانيًا أوقات كمان بنغلط لما بنفتكر إن فيه حواجز مالهاش وجود غير في عقولنا إحنا بس، وإن اللي تفتكره بعيد ممكن يكون أصلًا بيدور عليك.. ثالثًا إن لغات التواصل والتعبير عن الحب كتيرة ومش شرط تبقى بالكلام بس.. ده عادي إنها تبقى بالعيون.. أو حتى بالموسيقى.
 

● اللي بتدور عليه بيدور عليك.. الطيور على أشكالها تقع، ومش معنى إن اختيار أو اتنين فاتوا طلعوا غلط إنك هتكمل حياتك كده وتفقد الثقة في كل اختياراتك الجاية.. نهج الحياة أساسه إنك هتقوم وتقع مليون مرة، وهتشوف سواد غرضه بس إنه يعرفك قيمة النور لما يهل، وتوّ ما يهل النور كل اللي قبله بينطفي للأبد.