رئيس التحرير
محمود المملوك

نحو عقد اجتماعي جديد في مصر

أظن أن أزمة مصر الاجتماعية والثقافية في العقود الماضية، التي لم نتصد بعد لبحث أسبابها ومظاهرها ومآلاتها ومخاطرها المستقبلية، نبعت من عدم وجود حد أدنى من المعرفة والمفاهيم والقيم المشتركة بين أفراد المجتمع المصري بطبقاته الثلاث، الأرستقراطية الجديدة، والوسطى، والدنيا.

وقد انعدم بسبب تلك الأزمة، وجود مفهوم واضح ومشترك بين المصريين حول مصر وثقافتها وهويتها وانتماءاتها وأبعادها المختلفة، وحول خياراتها الثقافية والاجتماعية، وأحلامها وطموحاتها.

ولهذا فالجميع في مصر اليوم، يتحدثون عن مصر مختلفة عن مصر  الخاصة بالمصريين التانيين، ويفكرون فيها انطلاقًا من وضعهم الطبقي ومصالحهم، بشكل مختلف عن المصريين  الآخرين؛ حتى أوشكت مصر أن تتحول إلى مجموعة من الجزر المنعزلة.

وأظن أن هذا هو الخطر الحقيقي الذي تواجهه مصر اليوم، وهو خطر الانقسام المعرفي والثقافي والقيمي بين المصريين، وخطر العزلة والصراع بين مكونات المجتمع المصري المختلفة.  

وهو الخطر الذي وُضعت بذوره الأولى، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ونجني ثماره المرة اليوم.

ولهذا فالأولوية القصوى الآن هي العمل على مواجهة هذا الخطر بإعادة توحيد مصر قيميًا وثقافيًا.

وبالعمل على تثبيت دعائم السلام الاجتماعي،  من خلال وضع عقد اجتماعي وثقافي ووطني جديد، يربط بين رؤى وأحلام الحكام والمحكومين، ويَدعم الأواصر والقواسم المشتركة بين المصريين بمختلف مواقعهم وطبقاتهم، ويمد بينهم جسور الثقة والتفاهم وقبول الآخر، ويسمح بالاختلاف والتنوع الذي يُثري المجموع ويصب في صالح الوطن الكل الجامع.

عقد اجتماعي وثقافي جديد، يُعيد الروح والوعي للمصريين، ويُنمي حسهم النقدي والتاريخي والوطني، ويؤهلهم لعيش عصرهم، ومواجهة متغيراته وتحدياته.

قديمًا قال الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الفرنسي إرنست رينان: لا وجود للأمة دون وجود رغبة بين أفرادها في العيش معًا، ورغبة في بناء شيء معًا.

وأظن أن هذه الرغبة تُعد جوهر وجود الأمة وسر استمرارها وتميزها، وهي تتأسس على معرفة ومفاهيم وقيم وأحلام مشتركة بين أفرد هذه الأمة، وبدونها تصبح الأمة في خطر؛ ولهذا فنحن اليوم أمة في خطر.

وهذا ما يجب أن ننتبه جميعًا إليه، بدلًا من انشغالنا العبثي الحالي بتوافه الأمور والناس والأحداث.