رئيس التحرير
محمود المملوك

التخيّـــل التاريخـــيّ في رواية أورَاق شمعَون المَصريّ 

شعرتُ بالقلق والتوتر عندما عزمتُ النية على كتابة رؤية نقديّة عنّ رواية "أوراق شمعون المصري"، للروائي الدكتور: أسامة عبد الرؤوف الشاذلي؛ لأنني في حقيقة الأمر أمام عمل استثنائي من حيّث عذوبة اللغة، ودقة التصوير التخيلي، بل ودقة التخيّل التاريخي في سرد الأحداث، وحبكها بطريقة تُثير المشاعر في نفس القارئ؛ لتجعله يتعايش مع كل شخصية من شخصيات الرواية على حِدَة، فنحن أمام عملٍ استغرق سبع سنوات في الكتابة، أي نحن أمام عملٍ ضخمٍ؛ لذلك سأحاول جاهدة قطف وردة من كل كتاب داخل الراوية؛ لأنها تحتوي على أربعة كُتُّب منفصلة الرحلة من حيث المكان؛ لتعود للمكان الأولي بنهاية الرواية، لكنها مُتصلة السرد من حيث الزمان والتيه. 

عندما انتهيتُ من قراءة الرواية التي تُعدُّ العمل الروائي الأول لكاتبها، سألت نفسي سؤالًا محددًا: ماذا فعلت بنا الذكريات؟ فما وجدتُ إجابة تشفي الوجع القابع في صميمِ الروح، أدركت بعد الانتهاء من "عالم شمعون العبراني"، المُلقب بـ: شمعون المصري الذي عشتُ فيه، أن العمر لحظة، وأن الذكريات التي مضت لم ولن تعود مرة أخرى، ربمّا تتجسد في لحنِ موسيقي أخَّاذ، أو في قصيدة يترنم بها مطربٌ أعشق صوته، مثل: كاظم الساهر، أو ربما يمرّ الطيف كضيف ليجالسني ساعات معدودات؛ كي يستفز الحنين إلى الماضي، الذي حاولت مرارًا وتكرارًا ردمَ الثرى عليه، لكن عاصفة الشوق أقوى من نفسي على نفسي! استحضرتْ تلك الرواية ذكريات لها مكانة وسمو داخل قلبي الغائر في قفصي الصدري، هي مرحلة الليسانس بكلية الآداب جامعة عين شمس، وها أنا في مرحلة الدكتوراه أعود سبع سنوات للوراء، نفس المدة التي وضع فيها الروائي مسودة الرواية، سبع سنوات استطاعت رواية استحضارها في جلسة استغرقت أسبوعًا، تذكرتُ فيها مادة الشعر الجاهلي، ومادة الفكر الإسلامي، ومادة الأدب الجاهلي، ومادة مسير التفسير، ومادة أصول التشريع، ومادة الأدب المقارن، ومعهم مدرج الجامعة؛ حيث الإنصات والاستماع لأساتذتي بكُلِّ شغفٍ وحُبٍّ، تذكرتُ الطالبة التي كانت تدون محاضراتها بنهم لكل معلومة؛ وذلك لتناول الرواية كل ما ذكرتُ من خلال قصة خروج بنى إسرائيل من مصر إلى برية سين؛ بحثًا عن الأرض المقدسة؛ لتبدأ القصة ورحلة السرد التي نصاحب فيها الراوي العليم، وهو المسرودة على لسانه رحلة أخرى "رحلة التيه"، ذلك العقاب المكتوب على بني إسرائيل.

تستهل الرواية في صفحتها الأولى -بداية- مدخل الكتاب الأولي الآية رقم: (26) من سورة المائدة، وسفر العدد:14، وما أُدركه من حيث المعنى والفهم في قول الله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}، وجاءت الآية في تفسير الإمام الطبري لها على ما قاله آخرون: بل الناصب لِـ" الأربعين"،" يتيهون في الأرض". قالوا: ومعنى الكلام: قال: فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين، أي مدينة العماليق المذكورة في الرواية، ورحلة النقباء الاثنا عشر، التي كان يجب على بني إسرائيل محاربتهم، كما أن اسم العماليق قد أطلق على قبائل قديمة انقرضت، وحاولت البحث كثيرًا عن ذكرهم في كتب التفاسير، لكني لم أجد شيئًا واضحًا استدل من خلاله على تاريخ العماليق أو ذكرهم؛ لذلك أخذني الظن أنها قصة أسطورية، ذُكرت لإثارة الرعب في النفوس، خصوصًا أن الكثير من الأخبار في تلك الحقبة الزمنية تمتزج بالخيال أو ما يطلق عليه الأساطير، وهي الحكايات التي تتضمن اللامعقولية في ذكر الحكيّ، والعجائبية لإثارة الذهن، وأغلب ظني أنها تشبه قصة يأجوج ومأجوج. ويستكمل الإمام الطبري تفسيره: أحد ممن قال: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله، فلم يدخلها منهم أحدٌ.

هذا ما ذكره الأمام الطبري في تفسيره للآية الكريمة، لكني وقفت أمام الوصف الذي وصفهم به الله - عزّ وجلّ-، أي بني إسرائيل "الفسق": ومعناه التّرْكُ لأمْر الله -عزّ وجلَّ-، والعِصْيانُ والخُروجُ عَن طَريق الحَقِّ بكامل الإرادة الإنسانية، أي بعد معرفة الحقيقة وإدراكها بكُلِّ وعيّ، قَالَ الأصبهانيُّ: الفِسْق أعمُّ من الكُفْر، والفِسْقُ يقعُ بالقَليلِ من الذُنُوبِ وبالكَثيرِ. وأكثرُ مَا يُقالُ الفاسِقُ لمَنْ التَزَم حُكمَ الشّرع، وأقرّ بهِ، ثمَّ أخلّ بجَميعِ أحكامِه، أَو ببَعْضِها.

وآثرتُ أن أذكر التفاسير لأمرين، الأول: وقد ذكرته من خلال الآية الكريمة، وهو وصف المعنى الساقط على بني إسرائيل؛ بأنهم قوم فاسقون على أمر ربهم، وفي حقيقة الأمر أن قلم الشاذلي لم يحد للحظة عن الدقة الوصفيّة من خلال الحكايات المذكورة، إِمَّا من خلال قصة تصف حال شخص منهم؛ مثل: السامري، الذى لقبه بالشامري، وصنعه للعجل الذهبي، أو بنخاس، وقصة أصحاب السبت، وخروجهم على أمر ربهم عندما انتقلوا إلى عصيون جابر، وتحايلهم على آيات الله، وذلك كما جاء في قول الله تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)}. هنا يظهر سحر القلم الذي نسج به الشاذلي قصة "بنخاس وأولاده" وعصيانهم أمر ربهم، والقارئ في حالة من التوهان مع خياله مسافرًا داخل عالم الرواية، ومع تطور الأحداث، ومع ما يدونه "شمعون"، ومدى تأثره بــ "بنخاس"، عندما قال لــ "عامير" أن يكف عن ضرب أخيه الذي تحول أثر غضب الله عليه إلى قرد: "... ولم نسمع في غمرة حماسنا صوت أبيه (بنخاس) يأتي من الداخل في وهن وحزن وهو يقول: كف عن ضربهم يا(عامير)، فوالله إني لأجد في أحدهم وجه أخيك (راحوم)!"، في تلك اللحظة يستحضر القارئ الحوار القرآني، وبلاغته الإعجازية في قول الله تعالى: {ولقد علمتم}: أي يا معشر بني إسرائيل. والعمل الروائي هنا ساق الأحداث المُتخيلة داخل بنائه السردي في قالب مُتخيل ساحر في صورة شخصيات، وأحداث، وقصة تُسهل على القارئ فهمها وتخيلها داخل عالم مشوقٍ، وكأن العمل الروائي عملا مبسطًا للتفاسير التي فسرت كتاب الله -عزوجل-. وفي الوقت نفسه بعد كل قصة يطلق "شمعون/الراوي" سؤالًا فلسفيًا عما يؤول إليه المرء بعد الفسق عن أمر ربه؛ ليثير عقل القارئ: "... وألح في عقلي سؤال، هل كثرة البلاء ستُدخل الناس إلى حظيرة الإيمان، أم ستخرجهم منها إلى التمرد والعصيان؟"، السؤال يدل على ذكاء قلم الشاذلي؛ لأنه يسبر أغوار قارئه، وكأنه يقول له: أنا أعرف ما يجول في صدرك يا قارئي العزيز.

يمكننا أن نستشف أن الكتّاب الأول كان يوضح "زمن التيه"، وبداية خروج موسى، وانشقاق البحر، وهلاك فرعون وجنوده عندما قرر أن يلحق ببني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر، والقارئ يسير منصتًا مع الراوي، ومع الأحداث التي أدت إلى التيه، فخلال القراءة لن يخفى على القارئ مدى التماهي مع الشخصيات، والتعايش وسط كل سبط من الأسباط، وقصة كل عائلة، ولن يستطيع التغافل عن حب "زخارى" والنقمة مثله على قومه؛ بسبب أفعالهم، ولن يستطيع الصمود؛ ليجد نفسه يجهش بالبكاء عليه عند وفاته بعدما تعلق به وبعائلته، بداية من زوجته المصرية رومانا، وزوجته الثانية سولاف، وأولاده شمعون وباتيا والغلام "رام"، الذي وقع عليه حد الزنا وهو الرجم حتّى الموت. وهنا يمكنني أن أوضح أن الأمر الثاني لذكر التفاسير هو توضيح النهاية مع نهاية الكتاب الأول ذكر "التيه"، أي الزمن وليس المعنى: "... ومضت دقائق خرج بعدها (موسى) متكئًا على عصاه، عابس الوجه، مفطور القلب، ينظر بأسى إلى الشعب الذي خذله في كل اختبار وقال: هكذا قال السيد الرب: أربعون سنة تتيهون في الأرض، حتى يهلك ذلك الجيل الذي رأى الآيات! كل من جاوز العشرين سنة، فإنه لن يدخل الأرض، ويموت في تلك الصحراء شريدًا تائهًا، إلا (يوشع)، و(كالب بن يفنه)، فإنهما يدخلان إلى الأرض...". 

ويمكننا أن نستوضح من الأمر أن التيه هو الحيرة والضياع، وهذا الحال الذي وصل إليه بني إسرائيل؛ ليختتم بها شمعون الكتاب الأول في الورقة الثانية والعشرين؛ ليقرأ قائلا: "...ولم أدر وأنا أهرول مبتعدًا عن الأرض التي كتب فيها التيه على بني إسرائيل أنني قد بدأت رحلة من التيه عشتها وحدي بعيدًا عن أمي وعن بني إسرائيل".

وقبل الخوض في بعض تفاصيل الكتاب الثاني من داخل أغوار الرواية، لا بد أن أُشير إلى أنني آثرتُ مصطلح: "التخيّل التاريخي" على مصطلح: "الرواية التاريخية"، وأخص رواية: "أوراق شمعون المصري" بهذا الوصف التعريفي؛ لأنني عندما أقول أنها رواية تاريخية دينية، فبذلك أكون قيدتُ المبدع بالالتزام بكُلّ تفاصيل الأحداث التاريخية، بل أضف إلى ذلك تقييد إطلاق العنان لخياله الإبداعي، وحقيقة الأمر أن الرواية بها تخيلات، وشخصيات متخيلة، وأسماء تم اختيارها للشخصيات كدال ومدلول وهو صلب التخيّل، بل وأماكن متخيلة، وإن ورددت أماكن تاريخية، مثل: "جبل نبو"، و"يثرب"، و"الحجر"، و"إدوم"، و"البحر الميت" عقاب قوم سدوم، ومع فضاء تلك الأماكن يأتي تخليق الشخصيات الخيالية المصاحبة للشخصيات الحقيقية، وكأن حضورها بديلٌ عن المونولوجات النفسية داخل العمل الإبداعي، لذلك أوافق الناقد العراقي عبدالله إبراهيم في تعريفه للتخيّل التاريخي؛ حيّث أقر بأن: "التخيّل التاريخيّ هو المادة التاريخيّة المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفيّة، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزيّة، فالتخيل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، ولا يقررها، ولا يروّج لها..."، فمن خلال تسليط الضوء على تلك الملحوظة يمكننا أن نقر أيضّا بأن الشاذلي قد أتقن دوره بوصفه مبدعًا حقيقيًا في عالم التخيّل التاريخي الديني؛ ليجعلني أتذكر مع بداية الرحلة الثانية في الكتاب الثاني الذي يبدأ من الورقة الثالثة والعشرين إلى الورقة السابعة والثلاثين كُلّ ما درسته خلال المرحلة الجامعية؛ لأنه عند رحيل "شمعون" مع جيش "عفيرة بن إيتام"؛ لمحاربة "بني عناق"؛ ظنًا أنهم بذلك سيخففون لعنات الربّ التي حلت على بني إسرائيل، كُتِبَ على "شمعون" التيه، لكنه الشر الذي يكمن داخله الخير. يمكننا أيضّا أن نطلق على تلك المرحلة التي ضَلّ فيها الطريق بالبرية مرحلة اكتشاف الذات لــ "شمعون"، وهنا ظهرت ثقافة الروائي أيضًا ومدى بحثه وإتقانه، ففي تيه الصحراء تعرف "شمعون" على شيخ الأعراب "عابر"، والأعراب هنا  أعراب العرب في العصر الجاهلي، أي الذين شهدوا العصر الإسرائيلي، فخلال ذكر الأحداث التي مر بها "شمعون" وقومه لم يغض الروائي البصر عن حياة العرب، ولم يغفل عن ذكر مجالسهم، أي مجالس السّمَر، والأصل في السمر هو الليّل، وهناك من يعتبره ضوء القمر؛ والهدف من تلك المجالس هو اللهو والترويح عن النفس، أضف لذلك أنها تُعدُّ سمة من سمات العرب التي تميزت بها، وتلك المجالس خصصت لذكر أخبار الأقوام السالفة، أو ضرب الأمثال، أو الغناء، أو إلقاء الشعر، كُلّ هذه التمييزات من سمات العرب التي تعجب لها "شمعون" داخل الرواية؛ لأن قومه لم يعرفوا تلك الأمور، بل شهدها بعيدًا عنهم مع شيخ الأعراب "عابر": "... مهدوا أرض الساحة بفؤوس، ورسموا لها حدودًا بقطع من الحجارة، ثم أقاموا عريشًا في مواجهتها، صنعوا له سقفًا من جريد النخيل والكتان، قال لي الشيخ (نابت) حين رآني: انظر إليهم وهم يعملون في جد، هم يعدون الساحة للسمر" ص209. 

وقد ذكرت المراد من الأعراب، فماذا عن دال "عابر"؟ إن المدلول يعني العبور والسرعة أو الزوال، وكان اختيار الاسم الذي يرمز به الشاذلي لشيخ القبيلة موفقًا فيه؛ ذلك لأنه يشير إلى كثرة الترحال عند العرب بحثًا عن الماء والكلأ، لكنى اختلفت مع نظرة الشيخ "نابت" عن التعلق بالمكان والترحال؛ حيث قال لشمعون: "إن الحياة في الصحراء هي الفطرة، فالأصل في الحياة هو الحركة والتنقل من مكان إلى مكان، وحينما يُكثِر المرءُ من الترحال لا يتعلق قلبه بشيء، ويدرك أن الحياة في ذاتها رحلة تنتهي؛ لتبدأ رحلة أخرى في مكان آخر، أما السكون فهو أصل الموت، ولا ينبغي للمرء أن يسكن إلا للراحة بين رحلتين". وهذا يخالف تعلق العرب بالأماكن، بل واستهلال القصيدة بالبكاء على الأطلال وذكر الديار، حتى وإن غابوا عنها بحثًا عن الحياة والخصب، فهذا ما استهله أمرؤ القيس في مطلع قصيده؛ فالشعر ديوان العرب وتاريخهم: 

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ                      بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَل     

ينتقل أيضّا الشاذلي لطرح سؤال فلسفي في مغزاه الهدف من تعددية الأنبياء وتباين الصلاة والتضرع إليه: "... إذا كان ربُّنا وربهم إلها واحدًا، فلماذا أمر كل فريق منا بالاتصال به من طريق مختلف"؛ ليستدل القارئ مع تطور الأحداث إلى أن الطرق متعددة، لكن الإيمان برب الكون الواحد الأحد هو الأبقى والطريق السليم.    

أما عن باقية الأحداث التي وردت في الكتاب الثاني، مثل: شعب "غرندل" في إدوم، و"الخائن دعس" قائد جيش "غرندل"، واليدّ اليمنى للتاجر "شهبور"، والشرطي " كرونوس"،  والملك "هدد بن بدد" أحد جبابرة كنعان، ففي الورقة التاسعة والعشرين يذكر "شهبور" قصة شعبه والملك الرحيم "هوشام"، وزوال ملكه، وقبول أهل البلدة بظلم "هدد بن بدد"؛ ليقر "شهبور" عن تقبلهم للظلم والغلاء بقوله: "... في دولة العدل يصير الكل عادلًا، وفي دولة الظلم يصير الكل ظالمًا، فالناس على دين ملوكهم يا غلام !".

أمّا عن الحبّ، فهو ليس بغائبٍ عن العمل، بل هو شعلةُ التشويق في الكتاب الثاني بين "شمعون بن زخاري" و"عمرو بن دومة بن عابر"، فمن خلال الحب أدرك "شمعون" الفارق بين "التيه في الصحراء" و"العيش في الصحراء"، لكن التيه هنا فارقٌ: "... فشتان بين العيش في الصحراء! أتدري ما التيه ياشيخ (نابت)؟! إنه الحياة على أمل كاذب، أن تشعر بأنك كلما اقتربت ابتعدت، وكلما دنوت بنوت، أن يحدوك الأمل ثم تتجرع خيبته مرات ومرات، ذاك هو التيه، وتلك هي مرارته ياشيخ (نابت)". 

وخلال رحلة السفر، حيث كان الخروج من طريق البخور  إلى يثرب استقرت قبيلة الشيخ "عابر" عند أخوال "أروى وليث"، بعد إصابة الأتان بالمرض، والأتان: هي أنثى الحمار، أي الحمارة، ففي تلك الرحلة تشكلت الرؤية الجديدة للحياة في نظر "شمعون"، ويمكننا القول بأن: الحب والتجربة الجديدة خلال مصحبة الأعراب "قبيلة الشيخ عابر" أضافت له رؤية جديدة، حتى إنه أصبح ينظر لكثرة ترحله بروح يعتريها الحب والشوق؛ ليقول أن أدرك في نهاية كتابه الثاني معنى جديد هو "اليقين": "للوداع شجنٌ، وللفراقِ ألمٌ، فإذا أتْبعَ الوداع فراق صار الشجن والألم رفيقين للمرء في حِلِّه وترحاله...، ألقيت إليها بنظرة واثقة تحمل رسالة لو كُتبت بمداد لكانت من كلمة واحدة هي (سأعود)، لا أدري كيف تماسكت، ولا من أين أتيت بتلك الثقة، ولكني كنت أشعر بشعور جديد اسمه (اليقين)...". 

أمّا الكتّاب الثالث أظن أنني عشتُ فيه حياة فوق حياتي، تعرفت فيه إلى شخصية "هوى"، الفتاة اليتيمة التي من خلالها أدركنا نظرة الأعراب إلى الفتاة اليتيمة؛ وذلك من خلال حوارها مع "شمعون"، واعترافها له بقصة شغفها بزعيم جرهم "عمرو بن الحارث الجرهمي"، ومخادنته لها، وكيف تختلف النظرة إلى الحب في حياة الصحراء، وهنا يقابل القارئ أفكارًا متعددة، حيث الثنائية الضديّة بين الأفكار؛ مثل: حياة الفتاة الحرة وحياة اليتيمة، ومنها: العصبية للقبيلة والتناحر بين القبائل "قبيلة خزاعة" و"قبيلة جرهم"، وما إلى ذلك. 

الأمر الثاني الذي أثار الإعجاب هو نظرة الاحترام والتقدير للمرأة، ففي حقيقة الأمر أن الشاذلي كاد أن يقدس المرأة في روايته: "أوراق شمعون"، حتى إن الحب بين "شمعون وأروى" لم يكن حبًّا شهوانيًا، بل كان عذريًا، لا تشوبه شائبة، حتى إنه ذكَّرني ببيت مجنون ليلي: 

أراني إذا صليت يممت نحوها ***  بوجهي وأن كان المصلي ورائيًا

وما بي إشراك ولكن حبها  *** وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا 

ولم يغفل الشاذلي ظهور الخمر في تلك الحقبة، ومجالس اللهو والخمر التي كانت تتميز بها حياة العرب في فترة الظلمات، حيث كان يطلق على الخمر: "ابنة الكرم"، وخلال الفصل أيضا تتلاحم الأحداث وتترابط، وتنفك ألغاز العقد التي كانت موجودة في الكتاب الأول والثاني، ويكثر الحوار على لسان الشخصيات؛ ليثري العمل، ويكسر الممل لدى القارئ، فيظهر عامل التشويق، والترصد من القارئ لمتابعة الأحداث المتطورة داخل البناء السردي، فيمكنني القول: إنني وجدت في هذا الفصل "فلسفة تأملية للتاريخ"، فمن إحدى قضايا التاريخ تأمله، وهذا ما فعله "شمعون" في نظرته الحكيمة لتيه قومه، والقضية الثانية معنى التاريخ؛ وهي نظرة تأملية للإنسانية في محاولة إرجاع تفسير معناه عن طريق الدين، وهي نظرة لاهوتية كما أوضحها ودرسها الأستاذ الدكتور: عفت الشرقاوي أستاذ الدراسات الإسلامية في كتابه: "في النظريات الحديثة للتاريخ". وما أقوله يعني ويؤكد مدى الجهد المبذول، والقراءة المتفحصة، وصدق القلم الساهر من الشاذلي لإخراج عملًا فلسفيًا إنسانيًا لا يمكن التغافل عنه، ولا قرأته على عجل، بل لا بد من قراءة فاحصة، ومتأمله مثلما فعل صاحب العمل الإبداعي.   
وهنا بعض الاقتباسات التي تدعم فكرة قراءتي، بل وتؤكد أن في نهاية الكتاب الرابع، ومع تطور أحداثه، وعودة "شهبور" الذي يقتفي أثر "العبد الصالح وموسي"، فتتجلى "سورة الكهف" على الفصل؛ لتظهر براعة الشاذلي التخيليّة، ودفاع "عمرو بن دومة" عن البيت المبارك؛ ليصد عنه شرك "خزاعة" التي تبجحت فوق التبجح بوضع "هوبيل" بجوار الأصنام "نائلة وإيساف"، الذي يدنس وجودهم الأرض الطاهرة، ومع متابعة القراءة تتصاعد الأحداث أكثر وأكثر، وتنفك الألغاز التي لا أرغب في حرقها للقارئ؛ لندرك معنى الحياة في نهاية الكتاب مع "شمعون" بأن: "الرب لا يسكن البيوت! الرب يسكن القلوب": "تغرب الشمس من مكان، وتشرق في مكان آخر، ولكن نورها يسطع على الأرض كلها...".

وفي نهاية الكتاب يدرك وندرك بأن الأرض المقدسة التي ظل يبحث عنها "زخارى وشمعون" هي قبلة القلب للسماء صوب رب العباد: "أدركت أن الوطن هو أرض تشعر فيها بالأمان، وأن الأهل هم صحبة تشعر بينهم بالأمان"؛ لنستدل على مدى تماهي فلسفة المكان مع نفس الشخصية.

أما الكتاب الرابع والأخير فقد اسميته بفصل: "تحقيق الغايات"، وهو الحلقة الموصولة والأهم في الرواية، والتي لا يمكن بأي شكل من الأشكال التبلد أمام براعته؛ فالروائي أثبت أننا أمام باحث تاريخي، وروائي من الدرجة الأولى، بل مبدع حقيقيٍ، ففي الكتاب الأخير تظهر موعظة سبط "عزرا"، وتلاعب بنى إسرائيل مرة أخرى، بل وتجعل القارئ يتساءل عن التيه، وعقاب بني إسرائيل به لم تنته بعد؟! يكفيني أن أنهي مقالتي بما قاله "شمعون" في تتمة أوراقه التي تركها لابنه زخارى: "وبعد…

هذا خِتامُ ما كتبَهُ (شمعون بن زخاري)، والملقب بـ(شَمْعون المَصْري)، عن أخبارِ بني إسرائيل في برية سين، وما كان من أمرِهم منذ عبور البحر وحتى وفاة (موسى بن عمران). وأعلم أني ما كتبت في هذه الرقاع إلا أحَدَ أمرين، أمر شهدته بعيني أو أمر سمعته من رجل من الرجال الثِّقات. وأُشِهد الربَّ (إيل)، أني ما بغيْتُ بهذا الكتاب مجدًا ولا شرفًا، وإنما إظهار شهادتي على جيل من شعب بني إسرائيل، اصطفاه الله وأنجاه بمعجزة من عدوِّه، ثم غضب عليه وأهلكه في تلك البرية القفراء، بعد أن أذاقه شقاء الارتحال ومرارة التيه. هذا كتاب لا أدري من سيكون قارئه، فأيًا من تكن أرجو أن تتذكر كاتب هذه الأبواب بالرحمة، وأن تَدعو له بالغفران (شمعون بن زخارى بن رأوبين)، الملقب بـ(شمعون المصري)". 

وفي النهاية، إن أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ والمجتمع والعالم، التي أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمها الإبداع الأدبي.