رئيس التحرير
محمود المملوك

شهادة وفاة دولة 2011

أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في إحدى كلماته للشعب المصري إلى أن 2011 كان شهادة وفاة الدولة المصرية، ولذا وجب علينا توضيح حيثيات قصد الرئيس بعد موجة من الاعتراضات على مقولته.

ولكن دعونا نعود إلى 25 يناير 2011 ولماذا انتفض الشعب وخرج ضد القيادة السياسية حتى تم الإطاحة بنظام الرئيس السابق مبارك.

وكذلك يجب أن نرسم شكل الواقع المصري داخليا وخارجيا وحجم الصراع بين القوى المتصارعة بعد خلع الرئيس مبارك.

أولا: ظن الشباب أنهم قوة لا تقهر وأطربوا على مسامعهم أنهم الرائعون وأنهم نجحوا في جمع الشعب على كلمة واحدة ارحل ضد النظام وكانوا أصحاب التفجير الثوري في كل ميادين مصر، ولكن بعد ثمانية عشر يوما وفي أول اجتماع بعد تنحي مبارك كانوا مئات الائتلافات تتناحر واختلفوا أكثر مما اتفقوا.

ثانيا: الأحزاب دخلت في معارك لا تنتهي حتى أصحاب الأيديولوجيا والواحدة، ناهيك عن أحزاب جديدة أقيمت بطريق الشللية دون رؤية أو هوية تجمعهم فكان الخلاف في العلن وفي الخفاء بين كل القوى السياسية.

ثالثا: دخلت النخبة السياسية على الخط كلا يبحث عن مكان له داخل الصورة التي خرج من إطارها بفعل الزمن، دخل ليناظر وسط رفض شباب يقول لهم: لقد نفد رصيدكم ووسط تخوف من تغلغل فلول رجال مبارك بينهم الذي اعتبروهم عدوا يجب التخلص منهم لارتباطهم بعهد مبارك ويجب الآن عزلهم سياسيا عن المشهد الجديد. 

رابعا: الإخوان وجدوا الفرصة التي حلموا بها من عام 1928 وانقضوا على كل شيء وفرضوا أنفسهم لبراعتهم التنظيمية وولاء أعضائهم اللا نهائي، كذلك ظهرت جماعات الإسلام السياسي لتشكيل  الأحزاب الدينية ووجدت الأرضية متهيئة لتكوين أحزابها لتعطيها شرعية.

خامسا: المجلس العسكري غير الراغب في الحكم دعا إلى تحمل المسئولية وهو غير مهيأ لذلك؛ ولكنه يعي حجم المشكلة جيدا ويعلم أن الصدام قادم لا محالة ويضع على طاولته التدخل الخارجي وأجهزة دول ستعبث بأمن مصر وحدود عرضه للاختراق وبعد انهيار جهاز الشرطة المنوط بحماية الأمن الداخلي، أصبح علية العبء الأكبر لحماية البلاد داخليا وخارجيا.

حتى إن كانت أهداف الثورة نبيلة فليس من سبيل إلى تحقيقها دفعة واحدة وسط كل تلك القوى المتصارعة، فهل يوضع دستور أولا أم تكون هناك انتخابات برلمانية أولا؟ وهكذا بدأ الصراع والمليونيات كل جمعة تحت مسميات كثيرة، ووصلت إلى تصادم وشغب واحتكاك في النهاية، أدى إلى وقوع ضحايا وخسائر في الممتلكات والرواح وتزيد المر تعقيدا.

ويجب ألا ينسى الجميع أنه لولا الجيش المصري الذي انحاز إلى الشعب في ثورته ما نجحت في الإطاحة بمبارك ونظامه.

ولكن الشباب رأى أنه عائق ضد تحقيق أهداف الثورة التي لم تكن ضد التوريث فقط إنما لتغيير شكل مصر وكان شعارهم عيش حرية كرامة إنسانية، لذا استمر المجلس يستجيب تحت ضغط وابتزاز لمطالب غير مشروعة في بعض الأحيان.

ناهيك عن أن سيناء أصبحت مرتعا للجماعات المتطرفة نظر للتواجد العسكري المحدود فيها التزاما بمعاهدة كامب ديفيد، ونزوح أفراد من حماس الموالية لجماعة الإخوان وما حدث في عملية اقتحام السجون يؤكد أن هناك عدوا خفيا يعيش بيننا يكدر الأمن المصري، ناهيكم عن موقف الدول الكبرى خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية.

وأمام النزاع المستمر بين الشباب التي ترى في المجلس العسكري عائقا عن تحقيق أهداف ثورته الشاملة ويرون أنهم قادرون على إحداث التغيير دون تدخل المجلس أو القوى السياسية فهو صاحب الثورة الحقيقي.

وبين الأحزاب السياسية التي ترى أنها الأحق بتشكيل ورسم صورة الفترة المقبلة، والشباب الذي يرى أنها أحزاب كرتونية من الماضي السحيق ولا مكان لها الآن، والمجلس العسكري الذي يقع تحت ضغط وابتزار كل القوى المتصارعة والتدخلات الخارجية والوضع الداخلي الذي يزداد خطورة يوميا، ومليونيات متتالية وإضرابات وتوقف عجلة الإنتاج والسياحة التي تحتضر بسبب الوضع الداخلي كل شيء يدعو إلى التهاوي، ولا أحد يقف في لحظة صمت ليفكر كيف الخروج من هذا المأزق الجميع يفرض رأيه ويدعى بكل صلابة أنه هو الصحيح دون أن تكون هناك نظرة لحقيقة الوضع القائم والراهن للدولة المصرية.

كل ذلك وجماعة الإخوان وكل تيارات الإسلام السياسي تستقطب الشعب باسم الدين وما حدث في استفتاء الدستور خير دليل عندما أعلنوا وقالت الصناديق للإسلام نعم وكانوا هم قوى كبيرة في دائرة الصراع ولديهم استعداد لعمل أي شيء في سبيل الوصول إلى الحكم مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك.

وكانت الأحداث تتوالى سريعا كل لحظة والوضع يزداد قتامة والمواطن يعاني من سوء الوضع الداخلي وتزداد التدخلات الخارجية والضغط على المجلس العسكري بسرعة تسليم السلطة، ويرى أن هذا الطريق هو طريق اللاعودة وأن الوطن سيدخل في نفق مظلم، لكن أمام كل الأحداث التي تتداعى يوميا وأمام الابتزاز الداخلي والخارجي كان يوافق على مضض على الرغم من أنه يعلم جيدا أن الإخوان فزاعة استخدمها مبارك في وقت ما للغرب واليوم تساندهم الولايات المتحدة ولو وصلوا إلى مبتغاهم ستتغيره هوية مصر، ولكن المجلس يخشى من حرب أهلية لن يتردد الإخوان في نصبها مهما كانت الضحايا.

وعلى الطرف الآخر من الصراع كان يقف الأقباط على حافة القلق من وصول تلك الجماعات الإسلامية المتشددة التي تهدد المواطنة، ولقد رأينا كيف تصرفت تلك الجماعات عندما تم تعيين محافظ قنا القبطي في عهد حكومة المجلس العسكري، وأنهم لن يستطيعوا بناء كنيسة جديدة أو حتى ترميم كنيسة قائمة كل تلك حسابات يجب أن نعيها، وما حدث فور سقوط الإخوان من مهاجمة الكنائس وإشعال نيران غضبهم فيها في منظر غير إنساني وغير حضاري.

كذلك كانت هناك مشكلة كبرى تحدث وهي تجرؤ إثيوبيا وقيامها بالبدء في بناء سد النهضة في ظل أفول الدولة في ذلك الوقت وتراخيها.

سادسا: الوضع الاقتصادي في حالة انهيار وتهريب كثير من الأموال من الداخل إلى خارج البلاد وازدياد حجم الدين الداخلي والخارجي والعجز في الموازنة وتقليص حجم الاحتياطي الأجنبي في البنك المركزي وازدياد البطالة وتوقف كثير من المصانع نتيجة الإضرابات المتكررة وتوقف الاستثمارات الأجنبية وانسحابها والتجارة في العملة الأجنبية ونقص المواد البترولية والديون المتراكمة للشريك الأجنبي وقلة دخل قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج عوامل كثيرة متراكمة  فحقا كنا نعيش في أزمة طاحنة وعلى وشك إفلاس حقيقي للدولة المصرية رغم كل مقوماتها الكبيرة.

فمما لا شك فيه أن قصد الرئيس كان حقيقيا بكل تلك العوامل الداخلية والخارجية وخصوصا بعد أن تسلم الإخوان الحكم من المجلس العسكري.

ومقارنة بما حدث بعد 25 يناير سنوجز في سطور قليلة عملية نهضة الدولة المصرية وقيام الجمهورية الجديدة التي يتشارك فيها جميع المصريين الشرفاء المخلصين لوطنهم والرافعين شعار نهضتها وحمايتها داخليا وخارجيا وعودة دورها الإقليمي عربيا وإفريقيا وعالميا وعودتها إلى مكانتها الصحيحة لقيادة المنطقة والقيام بعملية تسليح الجيش المصري قوة الردع والدرع والسيف لحماية أمن الدولة. 

وكذلك صاغ الرئيس نهضة الوطن الحقيقية بعد 30 يونيو وصحح المسار وكأنما الشمس تسطع في سمائها على إنجازات نعيش واقعها لا نقول سنعمل بل هناك واقع حقيقي أمامنا فتم بناء محطات الكهرباء جديدة ومحطات مياه وتحلية عملاقة ومدن جديدة في كل ربوع محافظات مصر هناك أمل يزرع وهناك ثمار تحصد يوميا في الزراعة والصناعة فتم البدء في زراعة مليون ونصف مليون فدان ومشروع غليون والمزارع السمكية التي وصلنا فيها إلى اكتفاء ذاتي وحفر قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة وبرنامج سكن كريم وعلاج الأمراض السارية والقضاء على العشوائيات وإطلاق برامج كثيرة تهدف لتحقيق شعار عيش حرية كرامة إنسانية منها برنامج تكافل وكرامة وبرنامج حياة كريمة وعلاج فيروس سي ومئة مليون صحة وتطوير التعليم ومشاريع قومية لا حصر لها وشبكة طرق وكباري تربط المدن المصرية لتسهيل الحركة وتشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، ولو ظللنا نعدد الإنجازات لن تكفي الصفحات التي تعود بالنفع على كل أطياف الشعب المصري كله.. فحقًا تحيا مصر وما زال الإنجاز مستمرًا.