رئيس التحرير
محمود المملوك

عبد الناصر وأم كلثوم.. وعي الرئيس ووطنية الفنان

أم كلثوم ثروة قومية، ليس لها مثيل في التاريخ الحديث على مستوى العالم العربي.. تلك حقيقة يُدركها عشاق السيدة أم كلثوم، ولكن الأمر ذو الدلالة أن نعرف أن صاحب هذا الرأي هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

والمعروف اليوم أن الرئيس عبد الناصر كان يملك شغفًا شخصيًا تجاه جميع أشكال الفنون، خاصة الغناء والسينما والمسرح.

كما كان يرى أن الصراع السياسي الذي يخوضه داخليًا وخارجيًا، وعملية التحول الاجتماعي التي يريدها، ومعركة البناء الاقتصادي في مصر، تحتاج إلى وعي جديد وروح قوية، وهذا الوعي وتلك الروح لا يمكن بناؤهما إلا بالفن والفكر والثقافة، ومن هنا كان تقديره الكبير لها.

ولا أظن أن رئيسًا مصريًا امتلك ذلك الموقف الإيجابي من الفن والفكر والثقافة، مثل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان بتكوينه المعرفي، وسعة اطلاعه ينتمي إلى النخبة المثقفة، ويُدرك دور الفن والفكر والثقافة في تشكيل الشخصية والهوية والوعي الوطني والإنساني.

في حين لم تعد الثقافة والفنون أولوية لدى رؤساء مصر اللاحقين، بل مجرد ديكور لتجميل الصورة؛ ولهذا ضعفت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي روح القراءة والاهتمام بالفكر والثقافة بين المصريين، وتراجع تذوق الفنون والآداب حتى بين أعلى الفئات التعليمية.

ومُسخت نتيجة لذلك، وشوهت الشخصية والثقافة والهوية الوطنية، وفقدت مصر أهم عناصر قوتها الناعمة في العالم العربي، وتراجع دورها ومكانتها.

تلك كانت مقدمة لا غنى عنها لربط الماضي بالحاضر، وربط ما كان، وما هو كائن، وما ينبغي أن يكون، وننتقل بعدها لسرد بعض تفاصيل العلاقة الخاصة التي ربطت الرئيس عبد الناصر بالسيدة أم كلثوم، وأظهرت تقديره الخاص لشخصها وفنها.

وقد روى تلك التفاصيل سامي شرف، سكرتير الرئيس عبد الناصر، في الجزء الثاني من كتابه «سنوات وأيام مع عبد الناصر».

ذكر سامي شرف أن علاقة السيدة أم كلثوم بالرئيس عبد الناصر كانت علاقة قوية للغاية، وأنها كانت تتردد على بيت الرئيس في منشية البكري في أي وقت، وأحيانًا دون مواعيد سابقة، لتلتقي به أو بأفراد أسرته أو بالسكرتارية الخاصة به، ولتعرض رأيًا أو فكرة أو مشكلة، ترى ضرورة نقلها للرئيس بلا حساسيات.

كما يروي سامي شرف الأجواء التي مهدت لالتقاء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب في أغنية «أنت عمري»، وكيف تم هذا اللقاء بتخطيط وطلب مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان أحد أحلامه أن يلتقي هذان القطبان الكبيران من أقطاب الفن المصري في عمل مشترك، يُجسد أصالة وعظمة الفن المصري والعربي.

وقد تحقق هذا اللقاء عام 1964، وخرجت أغنية «أنت عمري» للنور، وكان تعليق الرئيس عبد الناصر بعد الاستماع إليها: «لقد استطاع فن محمد عبد الوهاب وفن أم كلثوم أن يجمع العرب من المحيط إلى الخليج».

وعندما وقعت نكسة يونيو 1967، قررت السيدة أم كلثوم القيام بدور فني إيجابي لدعم المجهود الحربي، بإقامة عدد من الحفلات في الخارج، يكون إيرادها لصالح إعادة بناء القوت المسلحة.

وهنا قامت الدولة الواعية ممثلة في شخص رئيس الجمهورية، بتكريم السيدة أم كلثوم على نحو غير مسبوق؛ إذ أصدر الرئيس عبد الناصر قرارًا بمنح السيدة أم كلثوم جواز سفر دبلوماسي، وجعلها سفيرة بفنها لبلادها شكلًا ومضمونًا، مجازًا وحقيقة.

ويروي سامي شرف أن السيدة أم كلثوم احتبس صوتها عندما اتصل بها ليُخبرها بالقرار، تأثرًا بتلك اللفتة الكريمة، وهذا التقدير الخاص لها من الدولة والرئيس عبد الناصر.

رحم الله الغائبة الحاضرة السيدة أم كلثوم، ورحم الله الغائب الحاضر الرئيس جمال عبد الناصر، ورحم الله ذلك الزمن الذي اعتقدت فيه الدولة بأهمية الفكر والثقافة والفنون، ورأت فيها أداة لتشكيل الوجدان وصنع الوعي، وجعلتها أولوية قصوى رغم ازدحام وتسابق الأولويات على أكثر من صعيد.