رئيس التحرير
محمود المملوك

لسة باقي

● "وانج ديشون" راجل صيني عنده 85 سنة.. وارد تكون شوفت له صورة هنا لا هنا على السوشيال ميديا على اعتبار إنه واحد من أشهر عارضين الأزياء الرجال في الصين.. لأ لحظة!.. عنده 85 سنة وبيشتغل عارض أزياء!.. أيوا.. بس الحقيقة إن مش دي بس نقطة تميز الحاج "وانج".. الراجل ده حياته عبارة عن سلسلة متتالية من الخطوات اللي كان بياخدها واحد ورا التاني وبمنتهى التصميم إنه ينجح فيهم كلهم واللي كانت واحدة منهم فكرة إنه يطلع قدام الناس ويعرض أزياء!.. بس البداية كانت غير كده خالص!.. "وانج" ومن صغره كان شخصية خجولة جدًا وبسبب خجله ضاعت منه فرص وحقوق ومشاعر.. يعني مثلًا كان بيحب واحدة بس فضل مأخر اعترافه ليها بحبه لحد ما اتجوزت غيره، وحتى لما هو كمان شاف حياته واتجوز واحدة غيرها وحب مراته وخلف منها وبدأت مشاعره العاطفية تتملي من ناحيتها؛ تعبت جدًا ودخلت في غيبوبة وماتت قبل ما يعبر عن اللي حاسس بيه معاها.. يعني لا اتقدم للأولانية ولا عبّر عن مشاعره للتانية!.. كان حابب يوسع مداركه وثقافته ويتكلم لغات جديدة بس للأسف الشغل كان واكل كل وقته فمقدرش!.. كان عايز يلعب رياضة عشان كرشه بقى عائق قدام سهولة حركته بس الكسل غلبه زى ما بيغلب معظمنا لما بنقرر نروح الجيم!.. كان بيحب يتفرج على الطيارات وهي في السما وبيحلم يروح في رحلة يركب فيها أكتر من طيارة ويجرب الشعور ده بس هيروح فين وهييجي منين وهيجيب فلوس السفر منين!.. سلسلة من الأحلام اللي كلها كانت بتتكسر على صخرة الظروف حلم ورا التاني.. لحد ما في قعدة مع نفسه ولما وصل لـ سن الـ 40 حس إن الدنيا هتبتدي تفرط من بين إيديه وإن دوامة الشغل هتسحبه أكتر وهيتحول لمجرد آلة.. لأ.. نقطة ومن أول السطر.. أنا بشتغل شغلانتين في اليوم والإتنين بياخدوا من وقتي نحو 15 ساعة!.. هوقف واحدة منهم.. وهتعمل إيه في باقي الوقت، وهتصرف على نفسك منين؟.. هأقلم نفسي إني أصرف من مرتب شغلانة واحدة بس.. وبعدين؟.. أو بمعنى أدق والنتيجة؟.. خد عندك.. اتعلم يتكلم إنجليزي بطلاقة في سن 44.. بدأ يهتم باللياقة البدنية بتاعته لحد ما بقى جسمه رياضي بشكل مُلفت ومبهر في نفس الوقت وهو عنده 60 سنة!.. يعني 16 سنة قعد يبني في فورمة من الآخر!.. بسبب تقسيمة جسمه المدهشة وبالصدفة البحتة شافه مخرج من أمريكا خلال زيارته للصين وطلب منه إنه يشارك معاه في فيلم في هوليوود.. وافق "وانج" وعمل دور، ودور جاب وراه دور لحد ما ظهر في مجموعة مش قليلة من أفلام فنون الدفاع عن النفس ومنهم فيلم "المملكة المحرمة"!.. وهو عنده 65 اتعلم ركوب الخيل في شهر واحد بس!.. ولما بقى عنده 78 سنة اتعلم يركب موتوسيكلات وشارك في سباقات!.. بدأ يشتغل عارض للأزياء وهو عنده 79 سنة والموضوع ده بالذات فتح له أبواب رزق جديدة تانية وبقى غني ومن أهم الوجوه في العالم الموضة.. وعشان التفصيلة الأخيرة بالذات ولإنه بقى معاه فلوس مالهاش عدد بدأ يتعلم قيادة الطيارات ونجح في ده برضه وبقت هواية وبقى يأجر طيارات كل أسبوع مرة!.. إيه ده!.. في أى حوار مع "وانج" سواء صحفي أو تليفزيوني عن سر الطفرة اللي حصلت في حياته وغيرتها بنسبة 180 درجة كان رده بيبقى في معظمها ثابت.. (خشيت أن تضيع المزيد من الفرص، وأن يزيد الندم). 

المعجزة الصيني "وانج ديشون"

 

● في مقابلة مع الفنان الجميل الراحل "عُمر الشريف" في واحد من اللقاءات اللي كانت في آخر كام سنة من حياته؛ جت سيرة "فاتن حمامة"، وكانت دي من المرات النادرة اللي اتكلم فيها "عُمر" عن "فاتن" خصوصًا بعد جوازها الثاني وقرار "عُمر" إنه مايتكلمش في علاقتهم القديمة عشان مايجرحش جوزها.. لكن في المقابلة دي كان الوضع مختلف وماتعرفش إيه اللي خلاّه يكسر القاعدة، ويمكن كمان هو ماكسرهاش أوي لما تعرف إنه اتكلم عنها 35 ثانية بس لكن الحقيقة إنه قال فيهم كتير!.. قال: (أنا معرفتش أعيش مع واحدة تانية بعديها.. لما كنت متجوز "فاتن" عشنا سوا 15 سنة.. صحيح ماكنتش حاسس إني طاير على سحاب في لحظتها لكن لما بعد كده لما ماقدرتش أعيش مع واحدة تانية أدركت قد إيه إني كنت بحبها).. كلمات خرجت من قلبه مش لسانه وتقدر بسهولة ووضوح تسمع فيهم رنة ندم.. وجود "فاتن" اللي اعتاد عليه "عُمر" اتحس لما غاب، وظهرت أهميته لما اتقارنت بوجود غيرها اللي ماكانوش فارقين معاه!.. ما هي مشكلة معظمنا إننا مش بنحس بقيمة الحاجة غير بعد ما تروح، وساعتها بنبقى بنسلم نفسنا تسليم أهالي لحالة "ندم" لا بترحم ولا بترّجع ساعات الساعة لـ ورا.

 

● فيه كتاب عظيم اسمه "مُت فارغًا".. أو (Die empty) كتبه الكاتب "توود هنري" وصدر سنة 2013.. فكرة الكتاب الأساسية بتدور حوالين هدف واحد ومهم المفروض يكون قدامك زى ما بيقول "توود": (لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل أفضل ما لديك؛ أختر دائمًا أن تموت فارغًا).. كده كده الموت جاى وفي أى لحظة لإن العمر مهما طال قصير.. فلما تموت ماتموتش وإنت حابس حاجة جواك وكاتمها.. بتحب؟.. قول.. متضايق؟.. قول.. في بالك فكرة؟.. نفذها.. خطوة متردد فيها؟.. اعملها.. حد مقصر في حقه؟.. قرب واشبع منه.. مكالمة، زيارة، أكلة.. أى حاجة أى حاجة.. المهم إنك تكون مستعد لما تموت تموت وانت مش حابس حلم ولا كلمة ولا خطوة ولا مشاعر. 

 

● لما بتاخد قرار معين بتبقى أكتر حاجة خايف منها إن قرارك بشكل أو بآخر يطلع غلط، وتندم عليه بعدين عشان كده بتفضل أمورك متعلقة.. بس وانت متردد بتنسى إن "الندم" عادي جدًا إنه ييجي بسبب ترددك نفسه مش بسبب القرار!.. إنجز.. عدم اتخاذ قرار بسبب الخوف من الندم بعدين؛ "عطلة".. طب ولو حصل واترددت وبعدها ندمت؟.. تجاوز مرحلته بسرعة قدر الإمكان لإن استمرار الندم مش هيرّجع ساعة مرت امبارح، ولا هيخليك تشوف اللي هييجي بكره.. الأديب "وليام شكسبير" قال: (من مراتب الغباء إطالة الندم على شيء فات وانتهى).. لسه باقي وقت.. هتتعرف على قُصر العمر أكتر وانت بتكتشف إنه عدى وإنت مليان حاجات كتيرة كان سهل تعملها بس وقفت ومعملتهاش رغم عدم وجود أسباب واقعية تمنع.

 

عاجل