رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات

البابا تواضروس كما لم يتحدث من قبل: لا مشكلة في تدخُّل الدولة بالاقتصاد ومصر أكبر من أي إساءة.. وأحب نظرة السيسي الروحية للأمور | حوار

القاهرة 24
تقارير وتحقيقات
الأربعاء 01/ديسمبر/2021 - 02:36 م

حوار ماريا روماني بمشاركة تامر إبراهيم وجمال العاصي ومحمود المملوك

تصوير مؤمن سمير وعبد الرحمن دسوقي

 

• حياتنا قبل الجمهورية الجديدة كانت تسير بشكل عشوائي.. ونشكر الله أنه أعطانا قائدًا شجاعًا اتخذ قرار تعويم الجنيه بعد تأخير 40 سنة
• إلغاء حالة الطوارئ يساعد على تحسين الاقتصاد والسياحة المصرية


• مصر أكبر من مفهوم الإساءة للدولة.. وهناك قنوات إخبارية تشوه صورة مصر ولكن الإنجازات جعلتهم غير قادرين على الاستمرار في الهجوم 


• لا أرى أي مشكلة بشأن تدخل الدولة في الاقتصاد.. الهيئة الهندسية تتمتع بالضبط والربط وشايف مشروعات ناجحة


• حفل افتتاح طريق الكباش مُبهر.. تاريخنا لا يضارعه شيء في العالم


• رفع الدعم يشكل أزمة على الإنسان لكن الدولة تبذل مجهودات كبيرة للحماية الاجتماعية


• مشروع حياة كريمة عملاق وأتمنى أن يحسن جودة الحياة لـ58 مليون مواطن


• قرار الزواج للأفراد يساوى في خطورته اتخاذ الدول قرارات حرب


• قانون الأحوال الشخصية للأقباط سيحل الكثير من المشكلات


• أحب محمد صلاح وأتابعه فهو نموذج ناجح

 

 

 

 

السادس والعشرون من نوفمبر السابعة مساءً، هكذا تم إبلاغنا بشكل رسمي بموعد حوار الموقع مع قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، موعد تأخر كثيرًا وتأجل مرات عدة لأسباب مختلفة.

 

كان في مخيلتنا قبل الذهاب للقاء قداسة البابا وإجراء حوار صحفي معه لـ القاهرة 24 أن نسأل وهو يُجيب. فما أن تطأ قدماك الكاتدرائية العريقة لمحاورة البابا إلا وتزدحم في رأسك عشرات الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، ورغبة صحفية مُلحة لكشف الكثير من الأسرار والكواليس في العديد من المواقف والأحداث، ولكن تلك المرة كانت مختلفة تمامًا.

 

فاجأنا البابا بأن حاورنا عن الشأن العام والصحافة وموقعنا ومصادر تمويله وسبب نشأته والإعلانات بداخله والأجور ومستقبلنا، ولماذا الإقدام على خطوات مثل تلك في بلد يتجاوز عدد المواقع الإلكترونية فيه المئات.

 

بعد أسئلة البابا لنا تحولت الجلسة إلى اجتماع مفتوح للاقتراب أكثر من البابا تواضروس، الذي روى في حديثه معنا كواليس قرابة 10 سنوات قضاها في قيادة الكنيسة الأرثوذوكسية، والرد على كل الملفات الشائكة والتي من بينها اتهام بعض الأقباط للكنيسة بالتخلي عن قتلة الأنبا أبيفانيوس، ودور الكنيسة في أزمة سد النهضة، والرأي فيما أثير بشأن تدخل الدولة في الاقتصاد، وهل لا زال الأقباط «مواطنين درجة ثانية»، ورؤيته للرئيس السيسي، وسر حبه لمحمد صلاح، ومكالمة حاسمة مع مؤسسة الرئاسة في 2013 بشأن الاعتداء على الكاتدرائية.. والعديد من التفاصيل والأسرار في سياق الحوار التالي..

 

في البداية نريد أن يروي لنا قداسة البابا رحلته داخل الكنيسة وتدرجه حتى الوصول للكرسي الباباوي؟

 

نشأت في أسرة مصرية عادية مع والدى ووالدتي ولدي شقيقتان أصغر سنًا مني، تعلمت في المدارس الحكومية بين سوهاج ودمنهور، والتحقت بكلية الصيدلة جامعة الإسكندرية وتخرجت فيها عام 1975، كنت أحب كليتي وعلم الصيدلة، وأجريت دراسات عُليا في الهندسة الصيدلية أو الهندسة الصناعية بالجامعة نفسها، ومنحتني وزارة الصحة منحة تسمي البعثة الداخلية لأذهب إلى وزارة التعليم العالي لإجراء دراسات عليا أخرى، وحصلت على الدراسات العليا في عام 1979 وكنت الأول على دفعتي، وجاءت لي الفرصة لدراسة زمالة هيئة الصحة العالمية عام 1985 في تخصص مراقبة وتأكيد الجودة في صناعة الأدوية، بإحدى جامعات إنجلترا.

 

وفي عام 1986 ذهبت طالبًا الرهبنة بدير الأنبا بيشوي، وحينما ذهبت إلى الدير كانت رغبتي المكوث بداخله وليس الخروج منه أبدًا، ولكن بعد مرور 4 سنوات بالدير رُسمت كاهنًا بالدير ثم خرجت لمساعدة الأنبا باخوميوس مطران البحيرة في خدمة الشباب، واستمريت في الخدمة لمدة 7 سنوات، ثم رُسمت أسقفًا عامًا في المكان نفسه لخدمة الشباب أيضًا مع إضافات أخرى في الخدمة، وكنت طوال هذه المدة في منطقة كينج مريوط بغرب الإسكندرية واستمررت بها لمدة 15 عامًا ثم تم اختياري للبطريركية.

 

نحن نؤمن في الكنيسة أن اختيار البطريرك لا تتدخل فيه يد إنسان فهو اختيار إلهى، تم ترشيح 17 شخصًا للكرسي البابوي، لم يرشح أحد منهم نفسه وإنما رشحهم آخرون، أنا مثلا رشحني 6 آباء، ثم تم تصفيتهم ليصبحوا 5  ثم تم انتخاب 3 منهم، ثم انتقلنا إلى مرحلة القرعة الهيكلية والتي جاءت بي بطريركًا، ونحن نعتبر أن تلك المسؤولية تكليف وليس تشريفًا.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

بعد اختيارك للبطريركية البعض أشاع أن قداسة البابا ناصري؟

 

أنا اتولدت بعد ثورة 23 يوليو 1952 ربما هذا ما جعلهم يقولون عني ذلك.

 

تسلمت المهمة في ظروف عصيبة للغاية.. كيف كنت ترى الوضع آنذاك وما أبرز تخوفاتك؟

 

تسلمت مهام الكرسي البطريركي في ظروف صعبة للغاية عام 2012،  وكانت مصر تعيش أوقاتًا عصيبة، وكنت أشعر وكأن هناك شيئا يُسرق من مصر بالنظر إلى كل ما كان يحدث آنذاك، كنت أشعر أن تلك ليست مصر التي عشنا فيها أو اعتدنا عليها.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

العدوان ضد الكنائس بدأ مبكرًا حينما تم الاعتداء على الكاتدرائية في ظل حكم الإخوان.. هل دارت اتصالات بينك وبين مؤسسة الرئاسة آنذاك؟

 

الاعتداء على الكاتدرائية كان في شهر إبريل عام 2013 وأتذكر أني كنت حينها في الإسكندرية، وهذه كانت المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها الاعتداء على الكنيسة الأم أي الكاتدرائية، وكانت أشكال الاعتداء صعبة للغاية، وحدثتني مؤسسة الرئاسة آنذاك ليطمئنونني وكنت متأثرًا جدًا بما حدث وتحدثت بلهجة شديدة وقتها، وقالوا لي إنهم سيرسلون حراسة أكبر على الكنيسة، ولكني كنت أرى أنه كلام روتيني لا يتناسب مع خطورة الحدث، وأذكر أني قلت لهم وقتها أنه حادث تم بتخطيط وليس حادثًا عاديًا.

 

الأزمة أن الاعتداء تم في شهر إبريل وكنت وقتها أجهز لزيارة الفاتيكان في شهر مايو وكانت تلك أول زيارة لي خارج مصر، فكان من المتوقع أن أتعرض لأسئلة صعبة فيما يتعلق بالاعتداء على الكاتدرائية أو الكنائس، فكان الأمر شديد الخطورة، ثم بعد ذلك رأينا الاعتداء بشكل أكبر على كنائس كثيرة في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.

 

تعرضت لانتقادات واسعة بعد مشروعك للتقارب بين كافة الكنائس وصلت إلى حد الإشارة لوجود انشقاقات داخل المجمع المقدس.. هل بالفعل هناك أزمة داخل المَجمع؟

 

كل هذا الحديث مجرد تخمينات غير صحيحة، ولا توجد أي صورة من صور الانشقاق أو الانقسام أو الانفصال داخل المجمع المقدس، البعض يحبون «تحبيش الأخبار». عقدنا في شهر مارس الماضي اجتماعات المجمع المقدس وحضره جميع الآباء، والعدد الذي لم يحضر كان لظروف المرض أو قيود السفر، وسار الانعقاد بشكل جيد جدًا في كل فعالياته، ولا يوجد أي شكل من أشكال الانشقاق نهائيًا، فتلك الكلمة لا وجود لها في الكنيسة.. المجمع به أكثر من 130 مطرانًا وأسقفًا وشيء طبيعي أن يكون هناك آراء كثيرة جدًا وهذا وضع طبيعي وصحي.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

من بين الأزمات التي واجهتك واقعة مقتل الأنبا أبيفانيوس.. البعض اتهم الكنيسة بالتخلي عن الرهبان؟

 

نحن في الكنيسة نراعي الله أولًا وأخيرًا، وما حدث داخل دير أبو مقار جريمة كاملة، اقتضت تدخل الشرطة ومن ثم النيابة وحتى الوصول إلى المحكمة، وإطار وقوعها في دير هو الذي جعلها جريمة غريبة، ولكنها مثلها مثل أي جريمة تحدث. البعض وقتها روج شائعات كثيرة وغريبة، ولكن عندما أُثبتت التهمة أصدرت المحكمة حكمًا بضميرها وحسب القوانين الوضعية، وبشكل قاطع هذه جريمة.

 

هل أجريت قداستك اتصالات مع أي مؤسسة بالدولة للتدخل في هذا الأمر؟

 

لماذا أجري أي اتصالات؟.. هذه جريمة كاملة فلا يوجد أي منطق لمثل هذه الاتصالات.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

هل تم إحكام السيطرة على كافة الأديرة والاعتراف بها كنسيًّا؟

 

عندما ينشأ الدير يمر بخطوات كثيرة حتى يصل إلى الاعتراف الكنسي، ومعنى الاعتراف الكنسي هو أن تقوم اللجنة المختصة بذلك في المجمع المقدس بدراسة وضع الدير والحياة الرهبانية والمعيشية بداخله، وإذا كانت تلك الأمور تتم بشكل جيد نعترف بالدير في المجمع المقدس ومن ثم يصبح ديرًا رسميًا في الكنيسة القبطية، وهناك بعض الأديرة لم يتم الاعتراف بها حتى الآن.

 

هل تتذكر أول مرة التقيت فيها الرئيس السيسي ماذا دار بينكما وماذا رأيت فيه؟

 

قابلت الرئيس عبد الفتاح السيسي لأول مرة عندما كان وزيرًا للدفاع مع وفد كنسي كبير، وكانت جلسة مناقشة عامة عن المشكلات التي تواجه مصر في تلك الفترة، وما لفت انتباهي وقتها في هذه المناقشة أن لديه درايةً كاملةً بالأرقام لجميع المشاكل، فحينما فتحنا مشكلة التعليم مثلًا فوجئت به يقول عدد المدارس التي نحتاجها وتكلفة كل مدرسة والتكلفة الإجمالية، الأرقام كانت حاضرة بقوة في ذهنه وهذا معناه أن لديه ذهنًا مرتبًا وينظر للمشكلة نظرة عملية واقعية.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

كيف ترى ما وصلت إليه المفاوضات في سد النهضة وهل كان من الممكن أن تلعب دورًا شعبيًّا في إثيوبيا كونها ذات تاريخ وتأثير؟

 

في البداية أحب أن أوضح علاقة الكنيسة المصرية بالكنيسة الإثيوبية، فالكنيسة الإثيوبية حتى عام 1959 أي من حوالي 62 سنة، كانت كنيسة تابعة للكنيسة المصرية وكنا نطلق عليها الكنيسة الابنة للكنيسة الأم أي المصرية، وكنا نرسل مطرانًا ليكون مسؤولا عن الكنيسة، وهذا الأمر كان منذ بداية القرن الرابع الميلادي حتى القرن الـ20، لذلك في إثيوبيا يقولون القديس مارمرقس أبونا والإسكندرية أمنا، وحينما زرتهم في 2015 خرجت جموع كثيرة تهتف بهذه الجملة.

 

وفي عام 1959 كان الإمبراطور في إثيوبيا أرثوذوكسيا والحكومة أرثوذوكسية ورسمنا بطريرك للكنيسة الإثيوبية وبذلك أصبحت كنيسة مستقلة وتحولت من الكنيسة ابنة إلى كنيسة أخت، لها مجمع مقدس وبطريرك، وأصبح الحال يسير بشكل جيد حتى عام 1974، حينها تحولت إثيوبيا لحكم شيوعي بقيادة شخص يدعى منجستو هيلا مريام مريام، وقتلوا الإمبراطور هيلا سيلاسي في مكتبه، كما قتلوا البطريرك وعينوا آخر تابعًا لهم لم نعترف به في الكنيسة القبطية، وباتت البلاد تحت الحكم الشيوعي منذ 74 حتى بداية التسعينيات، ومع تعاقب الحكومات على البلاد التي تتكون من قبليات عديدة، ضعف الدور السياسي للكنيسة هناك.

 

على صعيد أزمة المفاوضات في سد النهضة، مصر تعالج تلك القضية معالجة حكيمة وهادئة، وذلك لأنه مهما حدث من خلاف مع إثيوبيا فنحن دولتان إفريقيتان ويربطنا نهر النيل، والقيادة السياسية المصرية تعالج الأمر بحكمة وبطول أناة وأنا أثق أن الأمور ستكون بخير.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

هل دارت بينك وبين مؤسسات الدولة اتصالات بشأن هذا الأمر؟

 

لا.. الأمر كله في يد القيادة السياسية والحكومة المصرية.

 

على صعيد ذكر إثيوبيا.. ما رأي قداستكم فيما يحدث بتيجراي؟

 

الأخبار التي تأتي من هناك متضاربة، تيجراي تمثل نحو 6% من الشعب الإثيوبي ولكن لهم صوت وتأثير وذلك لأن مدير هيئة الصحة العالمية ينتمي لهم وأيضا البطريرك الإثيوبي الحالي. أود أن أذكر أن تيجراي معقل الأرثوذكسية، فيها أديرة وكنائس كثيرة، منها المحفورة تحت الأرض على عمق 18 مترًا، وتدخلت اليونسكو لحمايتها من مياه الأمطار، ذلك الإقليم له أهمية كبيرة.


وحروبهم ضد بعضهم ستكون شيئا مدمرًا وأمرًا مؤسفًا، في النهاية أتمنى ألا تتفاقم الأزمة بين الشعب الإثيوبي ويحل السلام.

 

 

جميع الأقباط ينتظرون قانون الأحوال الشخصية.. ماذا يحمل القانون من حلول لأزمات عاشها الأقباط لعقود؟

 

كان يُطلق على هذا الملف قانون «الأهوال» الشخصية نظرًا للمشكلات الكثيرة، ولكن عمومًا قانون الأحوال الشخصية انتهى في وزارة العدل وسيتم تقديمه للمناقشة في مجلس النواب لإقراره، وهناك بعض الهيئات تُبدي الرأي فيه مثل المجلسين القوميين لحقوق الإنسان والمرأة لتقديم ملاحظاتهم، وأتوقع أن يحل قانون الأحوال الشخصية الكثير من المشكلات.

 

الأهم لدينا أن الكنيسة دائمًا تحافظ على فكرة الأسرة في المجتمع، وهذا يجعلنا نطالب الشباب بالتفكير الجيد قبل اتخاذ قرار الزواج، أنا دائمًا أقول «قرار الزواج للأفراد يساوى في خطورته قرار الحرب للدول».. لا بد أن يخضع القرار للتفكير كثيرًا ولا يأخذ الشباب بالمظاهر أو الأشياء الظاهرية فقط.

 

في اعتقادي أنه عندما يتم إصدار القانون سيتم حل الكثير من المشكلات، وأريد أن أضيف إلى حسكم الصحفي، كان لدينا في الكنيسة مجلس واحد فقط للنظر في الأحوال الشخصية، ولكن الآن أصبح لدينا 6 مجالس 3 منهم في مصر في القاهرة وبحري وقبلي، والـ3 الآخرين في كل من أمريكا وأوروبا وآسيا وأستراليا.

 

 

هل من الممكن أن يحل القانون مشكلة العزوف عن الزواج في المجتمع؟

 

حالة العزوف عن الزواج مرتبطة بالاقتصاد أولًا وأخيرًا وهي ظاهرة عالمية. قرأت تقريرًا يشير إلى أن الفتيات في اليابان يعزفن عن الزواج وذلك لأن الفتاة اليابانية بوصولها سن الثلاثين تكون حققت أعلى دخل فترفض الزواج حفاظًا على دخلها.

 

في النهاية العزوف عن الزواج مشكلة كبيرة ولا بد أن تتضافر جهود كافة المؤسسات لحلها، لأن لها أبعاد اقتصادية واجتماعية ونفسية.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

من المرحلة الجديدة في ملف الأحوال الشخصية إلى مرحلة أخرى اسمها الجمهورية الجديدة.. كيف تراها قداستك؟

 

حياتنا قبل الجمهورية الجديدة كانت تسير بشكل عشوائي، والجمهورية الجديدة جعلت الحياة في البلاد تسير في نظام، فمثلًا قرار تعويم العملة عام 2016 دليلًا قويًا على هذا، وهذا القرار تأخر 40 سنة وكان يجب أن يتم اتخاذه مبكرًا، ونشكر الله أنه أعطانا قائد شجاع قادر على اتخاذ مثل هذا القرار، وبه استقرت الدولة وأصبح لدينا احتياطي نقدي كبير. لذلك عنوان الجمهورية الجديدة يستحقه الشعب كاملًا.

 

القيادة السياسية والحكومة المصرية في الجمهورية الجديدة تدخلت في كافة المجالات، ويكفي أن اذكر مجال محاربة والقضاء على فيروس سي فهو من أهم المجالات، فهذا المرض كان يأكل في أجساد المصريين بأكثر من نسبة 35%، فكل 3 أشخاص كنت تقابلهم واحد منهم كان مصابًا بالفيروس، لا يستطيع العمل ولا التقدم ولا الدراسة ولا ممارسة حياته بشكل طبيعي، فقرار الدولة بالقضاء على فيروس سى يعد شيء رائع، لذلك الأمم المتحدة أشادت بالتجربة المصرية.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

على ذكر القرارات الشجاعة.. ما رأي قداستكم في رفع الدعم وما ارتبط به من مشروعات الحماية الاجتماعية؟

 

في عام 1990 ذهبت إلى قبرص وكنت أتناول كوب من الشاي وكان سعره في قبرص واحد دولار، مقابل 3 تعريفة فقط في مصر، وهذا فرق كبير جدًا. وأقصد بهذا المثال أن الأسعار التي كانت موجودة في مصر غير حقيقية، وإذا كانت تصلح مع التعداد السكاني القليل وقتها فلا تصلح مع التعداد السكاني الكبير حاليًا، فنحن بذلك القرار عالجنا المشكلة من جذورها ولم نعطي المريض مسكن للألم بل جراحة لإزالة المشكلة ذاتها.

 

بالتأكيد رفع الدعم شكل أزمة على الإنسان، ولكن الدولة تبذل مجهودات كبيرة للحماية الاجتماعية مثل مشروع تكافل وكرامة، وما حدث في أزمة كورونا من تقديم منح للعمالة غير المنتظمة.

 

تحدثت قداستك عن علاج المشاكل من جذورها.. إذا كيف ترى مشروع حياة كريمة؟

 

مشروع حياة كريمة عملاق وأتمنى خلال الـ 3 سنوات المقبلة أن يكون قادرًا على تغطية وخدمة 58 مليون مصري في الريف وأن يحسن من جودة الحياة.

 

على صعيد ذكر إجراء الجراحات لعلاج المشاكل المزمنة بدلًا من المسكنات.. هل استخدمت قداستكم مشرط الجراح في الكنيسة؟

 

ليس لدينا مشارط أو جراحات في الكنيسة.. قراراتنا دائمًا هادئة، ولكن في خدمة الكنيسة نحاول أن ننظم الأمور فقط، فعلى سبيل المثال وضعنا 10 لوائح لتنظيم العمل الكنسي لم تكن موجودة من قبل، وأصدرناها على مدار عامين أو ثلاثة ونتوسع في تطبيقها حاليًا، لأن الكنيسة القبطية امتدت في العالم وأصبح لدينا 500 كنيسة في 100 دولة.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

هل ما زال الأقباط مواطنين «درجة ثانية» وما رأيك في المواطنة بعهد الرئيس السيسي؟

 

وجود الأقباط على أرض مصر وجود أصيل، فيكفي أن كلمة قبطي تعني مصري، والعصر القبطي امتداد للتاريخ مثل العصور الفرعونية والإسلامية وغيرها، وفيما سبق كنا نرى تهميش للأقباط بشكل واضح، ولكن بعد ثورة 30 يونيو 2013 بدأت الأمور تتحسن كثيرًا، واتخذنا خطوة على طريق المواطنة وقبول الآخر، فالدول الناجحة هي تلك التي يكون بها التنوع، فمثلا الإمارات بها 200 جنسية، كنيستنا هناك بجوارها معبد لطائفة السيخ، الاثنين على أرض ليست للأقباط أو السيخ ويعيشون سويًا في سلام.

 

أريد أيضًا أن أذكر تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي للأقباط في الأعياد، فكيف كان هناك 15 مليون قبطي في مصر ورئيس الجمهورية لا يقول لهم كل سنة وأنتم طيبين، فكانت خطوة الرئيس السيسي رائعة وشكلت إحدى خطوات المواطنة، وهي بلا شك تُصلح أخطاء عهود سابقة.

 

للأسف في السبعينات حصل شيء من التشويه لأوضاع الأقباط ولكن نشكر الله أننا نعيش في عصر الإصلاح.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

رأينا احتفال أسطوري بافتتاح طريق الكباش.. كيف شاهده البابا؟
 

حفل افتتاح طريق الكباش شيء مبهر للغاية، لكم أن تتصوروا أن هذه هي مصر منذ 4000 سنة، هل تتخيل أن هناك دول لم تكن موجودة من الأساس وأخرى تحتفل بمرور 200 عام على تأسيسها، بينما الحضارة المصرية وتاريخنا لا يضارعه شيئًا في العالم.. جاءت مصر ثم جاء التاريخ.

 

على صعيد ذكر إحياء تاريخنا الكبير.. ما رأيك في تطوير مسار رحلة العائلة المقدسة وما رسالتك لكل مسيحيين العالم لزيارته؟

 

خطوة تطوير مسار العائلة المقدسة خطوة  عظيمة من خطوات المواطنة، مصر يوجد بها كنوز ومن ضمنها مسار العائلة المقدسة، وهو مسار تنافسي لا يوجد له مثيل في العالم كله، هناك مسار في فلسطين اسمه مسار خطوات صلب المسيح عبارة عن 14 خطوة، مسار محدود جدًا، ونحن لدينا ما هو أكبر منه بكثير به 25 محطة نصفهم بري والآخر نهري.

 

نحن نحتفل بمسار العائلة المقدسة  كل عام منذ القرن الرابع الميلادي، بعيد ثابت في 1 يونيو من كل عام، واهتمت الدولة في السنوات الأخيرة بالمسار وشكلت لجنة مجمعة ما بين وزرات وهيئات ومحافظات، وبدأنا في إعداد خريطة لتطوير المسار، وأدعو العالم كله أن يأتي لمصر ليروا مسار العائلة المقدسة ويشاهدوا عظمة مصر وتاريخها.

 

لننتقل إلى ملف آخر.. كيف استقبلت خبر إلغاء حالة الطوارئ.. وما رأيك في حقوق الإنسان في مصر؟

 

إلغاء حالة الطوارئ يساعد على تحسين الاقتصاد والسياحة المصرية، ويفتح المجال للحياة الطبيعية، فقرار الإلغاء شهادة للعالم أجمع أن بلادنا مصر في تحسن  كبير رغم جميع التحديات التي واجهتها خاصة في محاربة الإرهاب. واحتفالية افتتاح طريق الكباش تعبير من الواقع على التقدم في ظل إلغاء مد حالة الطوارئ، وأن الحياة تسير بشكل جيد بلا أي قوانين استثنائية.

 

على ذكر الأوضاع الاستثنائية.. بعض الأصوات مؤخرًا انتقدت اشتراك الدولة في تنفيذ المشروعات الكبرى.. هل ترى أن هذه مشكلة وأنه يجب توقف تدخل الدولة في الاقتصاد لأنه مضر بالقطاع الخاص؟

 

أنا أرى أمامي الكثير من المشروعات الناجحة وإنجازات تتحقق، والمشروع الذي كان ينفذ في 3 سنوات أصبح ينفذ في عام واحد فقط، وخير دليل افتتاح قناة السويس في سنة واحدة بدلًا من 3 سنوات، وذلك لأن الوقت أغلى عنصر لدى الإنسان لأنه لا يمكن أن يعوض، يمكنك اقتراض الأموال من الدول لكن لا يمكنك أبدًا اقتراض الوقت، الدولة تنفذ مشروعات كبيرة كل يوم، فيكفي مشروعات الطرق  والنقل تطوير الطرق والقطارات الكهربائية والمونوريل، فهذه جميعها مشروعات رائعة. لا أرى أي مشكلة تدخل جهات الدولة في الاقتصاد وتنفيذ المشروعات.

 

العديد من القنوات العالمية تتناول مثل تلك القضايا وغيرها بشكل مكثف.. هل ترى أن هناك حملات لتشويه مصر؟

 

مصر أكبر من كل هذا، ولكن بالفعل هناك قنوات إخبارية تشوه صورة مصر، وبالتأكيد أن الإنجازات المصرية مؤخرًا جعلتها -القنوات- غير قادرة على الاستمرار في الهجوم والمغالطات، والضربات المصرية الناعمة مثل احتفالية موكب المومياوات وافتتاح طريق الكباش جعلت الكل يستفيق ويدرك قيمة مصر.

 

دعنا ننتقل إلى ملف شائك آخر.. ما آخر تطورات قضية دير السلطان ومتى تتمكن الكنيسة القبطية من استرداد الدير؟

 

نحن لدينا حكم حصلنا عليه في عام 1971 بإعادة دير السلطان لنا، ولدينا جميع الوثائق التي تثبت ذلك، ولكن الموضوع دخل في إطار سياسي، لذلك فالموضوع مجمد حتى الآن ولا يوجد أي تطورات.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

حدثنا عن بيت العائلة ودوره الكبير في كافة قضايا المجتمع.. هل هو قريب بما يكفي من المواطنين؟

 

فكرة بيت العائلة تمت منذ 10 سنوات في حوار ومناقشة بين قداسة البابا شنودة الثالث وبين فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وكان الاقتراح جيدًا وأصدر قرار رئيس الوزراء بإنشائه. فبيت العائلة مؤسسة اجتماعية تضم الكنيسة والأزهر وتنظر في العديد من الأمور المجتمعية ولها دور في حل مشكلات كثيرة ظهرت، ومن نجاحات بيت العائلة افتتاح أفرع له في المحافظات وله مشروعات ناجحة جدًا مثل المؤتمرات التي تضم قساوسة وشيوخ يجلسون سويًا لعدة أيام يتناقشون ويتشاركون الأفكار والحياة، وبعد المؤتمر يأتون إلى ولفضيلة الإمام لنعطيهم محاضرات، وهذا صنع نوع من أنواع الترابط القوي. ثم ذهبوا لزيارة مدارس فالطلاب رأوا شيخ وقسيس يزوروهم سويًا فكان المردود رائع.

 

الجميع يريدون أن يقتربوا أكثر من حياة البابا الشخصية.. فنريد أن نعرف هل يشاهد البابا الأفلام أو التليفزيون بشكل عام؟

 

قبل دخولي الدير شاهدت العديد من المسرحيات وفي المرحلة الثانوية شاهدت أحد الأعمال بمسرح سيد درويش، لكن الآن ليس لدى وقت لأشاهد الأفلام، ولكني متابع جيد للأخبار بشكل دائم على مختلف القنوات.. وأريد أن أذكر أن هناك نماذج ناجحة من الفنانين يقدمون رسائل كبيرة بفنهم.

 

لا تتابع الفن ولكنك ترعاه كثيرًا في الكنيسة؟

 

لدينا مواهب موسيقية ومسرحية وفنية كبيرة ومنذ عامين نفذنا معرضًا ضخمًا أسميناه «مصر الجميلة» اشترك به مسلمون ومسيحيون كُثر.. الكنيسة دائمًا تنفذ الكثير من الأنشطة الفنية.

 

أود أن أخبركم أن الأفكار نتبادلها بالكلام والمشاعر والوجدان نتبادلهما بالفنون، فنحن أطلقنا على الفراعنة العظماء حينما رأينا فنهم على المعابد والجدران.

البابا تواضروس الثاني في حواره مع القاهرة 24

 

دعنا من الأفلام.. قداسة البابا يشجع الأهلي أم الزمالك؟ وهل تمارس الرياضة؟

 

أنا لا أتابع المباريات بشكل دائم ولا أعرف أن ألعب الكرة، لكن يمكن أن أرى ملخصًا لأهداف، أنا لا أشجع الأهلي أو الزمالك ولا أعرف من الأساس الفارق بين الفريقين.. وكنت ألعب كرة السلة في المرحلة الثانوية ولكني انقطعت بعد ذلك.

 

لا تشجع الأهلي أو الزمالك ولكننا نعلم أنك تحب محمد صلاح؟

 

طبعًا أحب «مو صلاح» فهو نموذج للشباب الناجح، صاحب موهبة كبيرة، والميزة أنه خرج من قرية صغيرة في رحلة تحدي وهذه معاناة لأن القرى بها مواهب ولا يوجد أحد ليكتشفها، ونأمل أن يكون مشروع حياة كريمة داخل القرى قادر على اكتشاف المواهب، طه حسين مثلًا خرج من قرية وكثير من العظماء كذلك.. أنا أرى أن محمد صلاح نموذج ناجح للغاية.. وأي نموذج ناجح على أرض مصر شيء يسعدني كثيرا مثل الدكتور مجدي يعقوب وصلاح.

 

ما هي الأحلام التي حلم بها قداسة البابا ولم يحققها حتى الآن؟

 

أحلم باستمرار أن تكون بلادنا هادئة ومستقرة وناجحة، وأحلم أيضا بالمواطنة الكاملة على أرض مصر، وأتمنى أن تكون بلادنا مصر متقدمة على جميع دول العالم، وأعتقد أن هذا حلم ليس ببعيد تحقيقه، وأحلم بالسعادة لجميع الأطفال لأنني أتأثر جدًا بهم فبكاء الأطفال «يتعبني جدًا» حتى لو كان على لعبة ما، فالطفل الذي ينشأ سعيد يصبح إنسانًا صالحًا في المجتمع، فنحن في الكنيسة ننفذ مهرجانًا يشارك فيه مليون طفل، وأنا أحب تجميع الأطفال وسرد الحكايات لهم، وأخيرًا أحلم بالصحة للجميع.

 

أخيرًا ما رسالة قداستك للرئيس عبد الفتاح  السيسي وصلاتك له وللمصريين؟

 

أتوجه بالشكر للرئيس السيسي على قيادته ودائمًا أطلق عليه لقب المايسترو، فهو قائد في كل المجالات وأصلي من أجله دائمًا هو والحكومة، فنحن بلد ليس صغيرًا. وأتمنى من الله أن يعطي الرئيس الصحة ويحفظه ويبارك في عمله، فأنا أحب نظرته الروحية للأمور ففي احتفالية انطلاق حياة كريمة قال: «ربنا اداني البركة علشان أساعد الناس وأغير البلد للأفضل».

 

أتمنى لجميع المصريين السلام وحياة الرضا لأن الإنسان المتذمر لا يمكن أن يتمتع بأي شيء أبدًا، والإنسان الراضي حياته جميلة.

تابع مواقعنا