رئيس التحرير
محمود المملوك

بناء الإنسان وأمن المجتمع والدولة

كل جماعة دينية أو صوفية أو سياسية تستدعي ميراث الأخويات المُغلقة على ذاتها، وتحافظ على تراتبية معينة بين أفرادها، وتُعطي سلطة مطلقة لقمتها على كل قواعدها، تبلغ حد التقديس والطاعة العمياء، هي مظهر من مظاهر أزمة وهشاشة الإنسان في المجتمع الذي تنتشر فيه.

 

وهي مؤشر على فشل الدولة في بناء الإنسان، وغياب النضج العقلي والوعي النقدي والتوازن النفسي لأبناء ذلك المجتمع.

 

كما أنها تهديد خفي لأمن المجتمع والدولة؛ لأنها تخلق "قبليات مُستحدثة" تمزق نسيج المجتمع ووحدته، وتعمق الهوة بين أفراده ومكوناته؛ وبالتالي هي تتناقض مع فكرة ومتطلبات الدولة المدنية الحديثة التي تسمح بالعمل المدني والاجتماعي، وحرية الفكر والاعتقاد، ولكن بشفافية كاملة تحت مظلة القانون ومراقبة مؤسسات وأجهزة الدولة.

 

وهذا المرض الفكري والاجتماعي انتشر بصور مختلفة في مجتمعنا في العقود الأخيرة، وإن لم تسعَ الدولة، بما تملك من مؤسسات علمية وأجهزة أمنية، لرصد ومراقبة تلك الجماعات، وتحليل أسباب ودلالات وجودها، وفهم أدبياتها وسلوكها، وتفكيك بعضها، سوف ندفع مستقبلًا ثمنًا باهظًا؛ عندما يتحول هؤلاء إلى مراكز قوى فاعلة ومؤثرة داخل المجتمع، وعندما يصبح الولاء للجماعة أو الطريقة والمجموعة الروحية أكبر وأعمق من الولاء للدولة.

 

ولتكن مخاطر حالة "أخوية جماعة الإخوان" أمامنا دائمًا، ونحن نرصد ونحلل ونتعامل مع كل حالات "الأخويات" الأخرى، لأن هذا النموذج يوضح لنا كيف صار أتباع الجماعة والمنتسبين إليها أداة في يد قياداتها للضغط على الدولة وابتزازها، وتهديد السلطة، بعد أن أصبحوا بفضل مناهج تربيتها وأدبياتها، عقولًا مغيبة، لا تفكر بل تقبل بشكل سلبي التعليمات والإرشادات تحت قاعدة: لا تجادل ولا تناقش أنت إخواني.  

 

وهذه النتيجة تجعل المدارس والجامعات صمام الأمان الأول للمجتمع والدولة؛ فعلى أكتاف العاملين بها، وفي أرواقتها تقع مسؤولية تعميق مشاعر الانتماء والاء للدولة عند الأفراد.

 

كما تقع على أكتاف العاملين فيها، إلى جانب مسؤولية الإعداد العلمي والمهني، مسؤولية تكوين "عقل الفرد المستقل" القادر على التفكير الإيجابي بشكل علمي، ومواجهة مشكلاته والسعي إلى حلها، وتجاوزها، بدلًا من الهروب منها، والارتماء في حضن جماعة أو أخوية تهبه إحساسًا زائفًا بالقوة، نتيجة الاحتماء بالجماعة، لكنها تستلب حرية تفكيره وعقله، وتجعله أداة لتحقيق مخططات قياداتها.

 

وهذا يؤكد لنا أن "بناء الإنسان" أولوية قصوى. وأن "الفرد الواعي" في كل مجال، هو البنية التحتية الأكثر أهمية للدولة، وهو من سيحميها ويحافظ على وجودها بوعيه الوطني النقدي، وقدرته على التلقي الإيجابي للخطابات المختلفة، والتمييز بين الخطابات التي تحافظ على الوطن ومقوماته ووحدته واستقراره وأمنه، وبين الخطابات التي تبيع له الوهم، وتجعله في حالة غيبوبة عقلية، وأداة في يد قوى خفية تستغله، ولا تريد الخير لوطنه.