رئيس التحرير
محمود المملوك

حروب الإبادة شرارتها مـذابح الأرمـن.. رواية 1919 للكاتب أحمد مراد «قراءة نقدية»

قرأتُ رواية الكاتب المصري أحمد مراد واندهشتُ من براعة الوصف وتصويره للمشاهد بشكلٍ دقيق؛ لأنه اصطحبني خلال الرواية لعوالم مختلفة متشابكة لحد الترابط قهوة - متاتيا - إلى - كازينو بديعة مصابني - ومرة أخرى للساحة الكبيرة الواسعة أمام منزل القائد الشعبي - سعد زغلول - ومرة إلى قرى الصعيد المصري. 

أمّا عن شخصيات الرواية، كل شخصية تحمل مجموعة رسائل إنسانية وتاريخية، تخص معنى الكيان الوطني - الوطن الكبير - الغائر داخل القفص الصدري ومبلغ مقصدي القلب النابض بالحياة. 

الأحداث:

 تدور الأحداث في الرواية بوصف وعرض مجموعة من التفاصيل قبل عرض الحدث الأساسي، والهدف إحداث دهشة للقارئ، تجعله يستشعر أنه سافر عبر الزمان سنة 1882م حيث قصَف الأسطول الإنجليزي مَدينة الإسكندرية، من هنا قررت قوات أحمد عرابي أن تثور على الاحتلال الأجنبي خصوصًا بعدما أجهدت الديون التي تراكمت منذ عهد الخديوي إسماعيل الاقتصاد المصري، كان استرجاع تلك الحقبة الزمنيّة شرارة الثورة والأحداث التي ستدور بعد ذلك خلال السنة الرئيسية 1919م للرواية، لتظهر شخصية - أحمد عبد الحي كيرة - المواطن المصري والطبيب الكيميائي الذى استخدم عمله من أجل القضاء على المحتل البريطاني، بالتعاون مع حزب الوفد وإنشاء - جماعة اليدّ السوداء - الجماعة السرية المكونّة من عبد القادر المنغمس في عالم البغاء، ليتغير بعد مقتل والده الفتوه  - الجنّ - على يدّ العدو البريطاني، مرة أخرى يغيره حبّه لـ دولت الفتاة الصعيدية المتمردة على العادات والتقاليد وعلى الصورة المأخوذة عن المرأة نتيجة الطابع الذكوري لمجتمعها، لكنها تحاول كسر جماجم تلك العقول المُتحجرة والعمل بالتدريس، وبانخراطها في طريق التضحية الوطنية. 

من ناحية أخرى حرص مراد على أن يجعل المقاومة المصرية تدافع عن مصر الوطن العظيم ضد المغتصب المتدخل باسم - الدفاع عن استقلال ومصالح مصر العامة - الشعارات الجاهزة التّي يتشدق بها كلّ مُحتل مُغتصب، فجأة يستشعر القارئ أنه يطبق حال الأعوام الفائتة على حال عصره، يعرض أيضًا تخاذل الملك فؤاد الأول أمامهم من أجل مصالحه الشخصية، كل ذلك يدور بشكلِ دقيق ومُتقن خلال عرض الأحداث التاريخية المبرر وجودها فنيا. 

وينتهج الدرب الأخرى لتقنيات عوالم الرواية، أهمها الفكرة حيث جذبتني شخصية - ورد الأرمنيّة- الشخصية الثانوية الغارقة في الوجع، والظروف المؤلمة، كان عرضًا حريصًا على تقديم القضايا الإنسانية التاريخية في روح الشخصيات المتشابكة الحاضرة في فلكِ الحقبة الزمنية والمكانية. 

تُعدّ شخصية - ورد - من أكثر الشخصيات التي تأثرتُ بها بشكل غير طبيعي؛ لأنها كانت لها أفعالها ومبرراتها وردودها رغم بساطتها إلا أنها شكلت معلومات باهظة الثمن خلال العرض الروائي؛ لتعرض انتهاكات الحكم العثماني للقضاء على الأرمن، ذلك خلال الحوار القائم بين - ورد - أو - لينا - مع بديعة مصابني الشخصية صاحبة الأسماء المتعددة، حيث تُغير اسمها كأنها تستبدل ملابسها، ذلك أثناء سردها قصة هروب عائلتها  من مدينة - ماردين - ومنها إلى قصة هروبها من بيت بنبة المرأة الفاحشة حيث يتجلى حضور - المكان المغلق - المؤثر على حياتها ثمّ هروبها لشوارع مصر. 

 مذابح الأرمن: 

الكاتب عرض الأفكار المتعددة والقضايا الإنسانية أهمها - حروب الإبادة - بطريقة معبرة عن الأسى والمعاناة التي عاشتها الشخصية.

الحقيقة الإبادة هيّ حرب ضمن الحروب المتعددة التي سمعنا عنها أو عايشناها، هيّ استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، من وجهة نظري هيّ عملية اغتصاب بشعة ومنظمة تطورت أساليبها في عصرنا، هيّ غزو ممنهج يستولي فيه المغتصب على هوية أهل الأرض، وتاريخهم وخصوصياتهم وانتمائهم إليها على مدى آلاف القرون والسنين.

تُعدّ - الإبادة الجماعية للأرمن أو مذابح الأرمن - الجريمة الكبرى التي ارتكبتها تركيا عام 1915-1917 من حرق وصلب وتهجير لصفوة الأرمن المسيحيين، علماء وباحثين ورجال دين ومؤرخين، وفقًا لتعريف رابطة المؤرخين والمنظمات الحقوقيّة؛ تسمى - الحملة العثمانية التي قام بها الأتراك ضد الأقليات المسيحية في الدولة العثمانية، أمام المحاكم الدوليّة ترفض تركيا الاعتراف بهذا الذنب والمُضحك في الأمر أنها تبرر تلك الإبادة بحجة أن الأرمن تحالفوا مع روسيا ضد تركيا، الأمر الذى يؤكد إدناتهم في - الإبادة - لأن الحضارة الأرمنية كانت ممتدة عبر الأناضول والهدف كان - مدينة ماردين - التي ذكرت على لسان الشخصية، هجروا أهلها لأن المدينة تحمل تاريخ تلك الحضارة والسبب المعروف على كل الشبكات المعرفيّة أنه خلال فترة العصور الوسطى، أصبحت المدينة مركزًا أسقفيًا للكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية.

كمّا أن المدينة أصبحت مركز قوة تهدد استقرار تركيا بثقافتها وحضارتها؛ لأنها تشمل ثقافات متعددة وأعراق مختلفة تُساهم في تمركز قوتها الاستراتيجية؛ نتيجة لذلك بطشت تركيا يوم 24 أبريل 1915م باستخدام حرب الإبادة التي تعني قتل منظم لفئة معينة، بسبب انتماء عرقي وقومي وديني؛ لذلك تعتبر الإبادة الأرمنية صورة تجريبية لمحرقة الهولوكوست مثلما يصفها المؤرخون والأكاديميون.

تم القبض على أكثر من 200 ألف شخص من نخبة الأرمن وتهجرهم أو قتلهم أو اغتصابهم إلى أن وصلت الإبادة لحوالي مليون ونصف ضحية من ضحايا انتهاكات الحكم العثماني، منهم من هاجر إلى المغرب ومصر وسوريا ومختلف بقاع الأرض.

إلى أن ظهرت شخصية - ورد - الخياليّة الثانوية في رواية 1919م حيث فجرت داخلي التعاطف والبحث عن نشأتها البحث عن تاريخ مدينتها المُنتمية الأصل للحبيبة سوريا، في النهاية أهم من فكرة الرواية الرسالة الإنسانية التي تُقدمها للقارئ وللمجتمع وللعالم أظن أنها أرقى الرسائل التي يقدمها الإبداع الأدبي.