رئيس التحرير
محمود المملوك

مصر روحها في الكريسماس

طقوس الفرح والبهجة جزء أصيل في التركيبة المصرية، فالمصري بطبعه لا يعرف ولا يستسلم للهم والغم، والمصري البسيط أيًا كانت ظروفه المادية والمعيشية قادر على الضحك ونشر البهجة في أحلك الأوقات وأصعبها، وأنت من السهل أن تلحظ هذا السلوك أثناء ممارستك لطقوسك الحياتية العادية.

فالروح المعنوية الصلبة التي لا تُهزم ولا تنكسر، هي سرّ عظمة إنسان مصر وقدرته الدائمة على تخطي الصعاب والمحن، فالمصري حارب وقاتل من أجل أرضه الغالية سيناء ولأجل عيون قناله الفريد ـ  قناة السويس ـ  حروب عدة خاضها جاسر القلب بشوش باسم الوجه والملامح.

هذه الروح المعنوية الصلدة هي هدف كل عدو وكاره لهذا البلد وهذه الأرض الطاهرة.

وحقيقة المصري أيًا كانت ديانته وعقيدته التي يؤمن بها ويتخذها منهجًا لحياته لا يختلف كثيرا في شيء عن المصري المختلف عنه في العقيدة والهوية الدينية، والتي هي جزء أصيل من أجزاء عدة لكيان كبير ضخم ذي أركان عديدة متنوعة اسمه الهوية المصرية، وحقيقة سجلات الوطنية المصرية لم تعرف علي مدار تاريخها الطويل ولم تذكر انتماءً دينيا لأحد من وطنينا الكبار من قبل، فكلنا نعمل ونجتهد ونبذل العرق والجهد دون تميز أو تحصيص، كما أننا نحارب جميعا وسويا جنبا إلى جنب ونموت ونستشهد وتُزهق دمائنا وأرواحنا سويا في نفس اللحظة والتوقيت ومن الممكن بنفس الرصاصة والطلقة دون تفريق أو تمييز.

مِس ناهد

ومن منا لم يشارك يوما أخاه المسيحي في عمل إنساني من أجل المجموع، وليس من أجل فئة أو جماعة أو طائفة، ولازلت أذكر - مس ناهد - الأخصائية الاجتماعية وزميلة والدتي بمدرستي الابتدائية، واللاتي كانا يذهبان سويا مع بداية فصل الشتاء لشراء كسوة الشتاء للطلاب غير ميسوري وبسيطي الحال، ليقدماه معًا بأيديهما وبنفس طيبة من أجل هؤلاء الطلاب الذين أصبح أغلبهم من حاملي الشهادات العليا، بل إن بعضهم ممن يشرف به الوطن الآن وكان من بينهم في يوم من الأيام أحد أوائل الثانوية العامة على مستوى الجمهورية.

ومِس ناهد حكاية إنسانية لا يمكن أن تنساها ذاكرة مدرستي الابتدائية وتلاميذها، ولا حتى تنساها ذاكرتي الهشة التي التهمت حياة الضجيج والزحام بالعاصمة جل ذكرياتها الحلوة، إلا ذكرياتي مع هذه السيدة الفاضلة والأم الرؤوم، وخصوصا مع بداية ومطلع كل عام ميلادي جديد، حينما كنت أذهب أنا وأخواتي الصغار لتهنئة هذه السيدة وأسرتها الكريمة بعيد الميلاد المجيد، فكنا نرتدي أفضل ثيابنا ونذهب إلى بيتها الجميل القريب لنرى ما به من زينات وزروع تملأ أركان هذا البيت الرقيق المنسق.

وأيضا لنتبادل مع أولادها المهذبين اللطفاء الحديث والضحكات والتهنئات العذبة، وبالتحديد مع ابنها وزميلي الجميل يوسف، أو الشهيد طيار يوسف، والذي استشهد وضحى بنفسه من أجل هذا الوطن، وأبنائه على اختلاف عقائدهم وآرائهم الدينية.

الجذر واحد

إن حالة الانسجام بين مكونات الجسد والروح المصرية حالة عادية وطبيعية جدا، فالمصري المسلم  أخو المصري المسيحي يتشاركان معا نفس الملامح ونفس اللهجة ونفس التركيبة الجينية، فالجذر والمنبع واحد، ولعقود ليست ببعيدة كان العم أو الخال المسيحي له ابنا أو بنتا مسلمة نتاج نسب أو مصاهرة.

إن هذا الخليط وهذا المزيج الإنساني الصعب التكرار بتاريخ الإنسانية، هو هدف كل جماعات الشر التي تستهدف مصر وأهلها وأرضها، فما الدافع لأن يرسلوا صبيًّا من صبيانهم في هيئة باحث يحمل جنسيات عدة يحشر نفسه حشرًا بين البسطاء من المصريين، وخاصة شريحة الباعة الجائلين، سوى دراسة هذه الروح المصرية العصية على الفك والتركيب.

إن انسجامنا وتماسكنا هو الحائط العليّ أمام كل محاولات أهل الشر للنيل من هذا الشعب وهذا الوطن، ومن هنا فلنحتفل معا بعيد الميلاد المجيد، وليضع كل منا شجرة الكريسماس بصدر بيته ويزينها بالأضواء والورود والبشرى والأمل، ويحتفل ويهنأ هو وأهله، ولا يستمع أحد إلى دعاة الكراهية وعرّابي جماعات الضلال مسوقي الأفكار الضالة ونغلق قنواتهم ونكتم أفواههم.

ولننشر الابتسام بيننا ونهنئ بعضنا وإخواننا في الوطن بعيد الميلاد المجيد وبالعام الجديد، بوجوه باشة وبنفس صافية، فلقد وصف رسولنا الصادق الأمين الابتسامة بالصدقة، أي فعل الفرح والتفاؤل وليكون عيد الميلاد المجيد، عيدًا للمحبة والسلام والتسامح لنا كلنا، ولتظَهر روح مصر الحقة الصلدة السمحة المتماسكة ونحن جميعًا نحتفل سويًا بعيد الكريسماس وبكل عيد.