رئيس التحرير
محمود المملوك

أهمية قراءة التاريخ

مَن لا يقرأ التاريخ ويفهم أحداثه، ويقف عند مصائر الدول والحكام والشعوب فيه، ويُدرك مغزاه، ويأخذ منه العبرة والدرس، مُهدد بارتكاب أخطاء من سبقوه، وبإعادة إنتاج الماضي بكل مشكلاته وأخطائه وفشله.

والإنسان في أحدث تعريفاته، "إنسان ذو تاريخ"، كما قال الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين في مقدمة كتابه القيم "أيام لها تاريخ".

وهذا التعريف يعني أن ميزة الإنسان الأساسية عن غيره من الكائنات، أنه يملك وعيًا تاريخيًا، وأن كل جيل من البشر يمكن أن يعرف تجارب الجيل التي سبقه، ويستفيد منها، ليتطور ويتقدم؛ فالإنسان يعرف ما أصاب أسلافه أمس، ومنذ سنة، ومنذ آلاف السنين، وهو قادر على الاستفادة من تجاربهم، وتجنب زلاتهم، والإضافة إلى اكتشافاتهم، وبالتالي لا يبدأ كل جيل من جديد، ولكن يبني على ما تركه أسلافه.

وأضاف الأستاذ أحمد بهاء الدين أن الحيون على النقيض من الإنسان، فالحيوان ليس له تاريخ؛ فالأسد أو القط أو الكلب أو الفأر الذي كان يعيش على الأرض منذ ألف سنة، لا يمكن أن يختلف عن سلالته التي نراها اليوم في الصفات والطباع ونوع الحياة، ولهذا فأنت تستطيع الآن أن تصطاد الفأر الذي في بيتك بنفس الطريقة التي كان يتم اصطياده بها منذ زمن قديم بمصيدة وقطعة جبن.

ولو كان في بيتك عشرة فئران، لاستطعت أن تصيدها واحدًا تلو الآخر، ويومًا بعد يوم بنفس المصيدة  وقطعة الجبن؛ لأن الفئران ليس لها تاريخ ولا وعي تاريخي، ولا تستفيد من التجربة؛ فتعرف أن أمس دخل فأر ليأكل الجبنة، فأغلقت عليه المصيدة. وحتى لو عرفت الفئران ذلك، فإنها لا تدرك المغزى والخطر، ولا تتحاشى أبدًا قطعة الجبن، فتقع مثل أسلافها في المصيدة، وتدفع حياتها ثمنًا لغفلتها وعدم امتلاكها وعيًا تاريخيًا.

إذن، فالوعي التاريخي كما قال الأستاذ أحمد بهاء الدين، هو الذي يميز بين  الإنسان والحيوان من ناحية، وبين الإنسان الواعي وغير الواعي من ناحية أخرى؛ فالإنسان غير الواعي لا يرى إلا قطعة الجبن، ولكن الإنسان الواعي القارئ للتاريح، المُدرك لمغزاه، يرى قطعة الجبن، ويرى المصيدة، ويحسب جيدًا حساب المخاطر ونتائج  خطواته وأفعاله.

مع ضروة أن نضع في اعتبارنا أن الإنسان لا يولد كائنًا تاريخيًا، ولا بد أن يقرأ، ويتعلم. وبالقراءة والتعلم يستطيع امتلاك الوعي التاريخ، وأخذ الدرس والعبرة؛ فيعرف ما الذي عليه أن يتجنبه، وما لا يمكن أن يعود، فلا يعيش في الأوهام، ولا يهدر عمره فيما لا طائل منه.

في النهاية، إذا كان الوعي التاريخي أمرًا مهمًا للإنسان العادي في كل زمان ومكان، لأنه يُعظم فرص نجاحه، ويجعله يستفيد من تجارب غيره، فهو أمر في قمة الأهمية للسياسي ورجل الدولة؛ لأنه يمكنهما من  السعي لتغيير حاضر أوطانهم للأفضل، وصنع المستقبل، دون الوقع في خطيئة إعادة انتاج مشكلات وأخطاء الماضي.