رئيس التحرير
محمود المملوك

قوة مصر الناعمة بين هيمنة الماضي وتحديات المستقبل

لا أحد يستطيع أن ينكر أن مصر قوة عظمى بتاريخها وحضاراتها، ومفرزات ثقافتها التي تشكلت على مدار آلاف السنين من الإبداع والتميز الفكري والحضاري والإنساني، وهو ما يجعلها إحدى أهم الدول ذات التميز الثقافي والمعرفي على مستوى الثقافة البشرية،  ولا أحد يستطيع أن يشكك في أن مصر استطاعت منذ بداية الخمسينيات وحتى نهاية السبعينيات أن تغزوا المنطقة العربية والإفريقية بثقافاتها ولغتها وفنها السينمائي والدرامي، إلا أن هذه الهيمنة تأثرت بعدة عوامل على مدار العقود الماضية أدت لتراجع كبير في قوة مصر الناعمة، سواء كانت تلك العوامل سهوا أم عمدا!!.

مصطلح القوة الناعمة يقصد به في مفهومة العام استخدام دولة ما الفن والثقافة والمال والتعليم في التأثير على دول أخرى والحصول على مصالح من هذه الدول لتحقيق سياستها الخارجية، وبالقياس على هذا التعريف نستطيع بكل بساطة أن نرى أن دولًا صغيرة ولكن لديها قدرة مالية ضخمة استطاعت أن تجد لها مساحة كبيرة على الساحة السياسية، خاصة بعد دعمها الكبير لمنصاتها الإعلامية، ودول أخرى استطاعت أن تصنع لنفسها قوة ناعمة بالتغلغل الثقافي (خاصة في مصر)، لنقل هذه التجربة بمفرداتها لدولها حديثة العهد بالانفتاح الثقافي، من خلال جلب كوادرها الثقافية والفنية لصناعة منتج ثقافي لها يضعها على خارطة الثقافة العالمية، ويدعم قوتها الناعمة، لكن يبقى السؤال ماذا عن قوة مصر الناعمة الآن؟.

في بداية المقالة، أشرت إلى أن هناك عدة عوامل مقصودة أو غير مقصودة أدت لتراجع قوة مصر الناعمة بصورة كبيرة –وهو أمر يجب الاعتراف به حتى نستطيع أن نعيد ريادتنا مره أخرى بعيدا عن الشعارات الرنانة، والتي أؤكد هنا أنه لولا ثورة 30 يونيو العظيمة وظهور شخصية مثل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي الشخصية التي أعطت قبلة الحياة لقوة مصر الناعمة مرة أخرى، لكنا شهدنا تراجعًا كبيرًا جدا في قوة مصر الناعمة لمدة 100 عام على الأقل، لكن الرؤية السياسية لجعل مصر في مصاف الدول المتقدمة في كل المجالات أعادت كثيرًا لرونق تلك القوة مره أخرى، لكن التحديات لاتزال كثيرة. 

لنجاح أي قوة ناعمة في تحقيق أهدافها يجب أن يتوفر عنصران في غاية الأهمية، الأول: وعي جمعي مؤهل لتقبل ثقافة تلك القوة والعمل على نشرها من خلال الوسائط المختلفة، والثاني: هو محتوى جاذب يعمل على نشر هذه الثقافة، ويضمن انتشارها على مستوى العالم.

وبالنظر للداخل المصري، نجد أن هناك تحديات كبيرة أثرت على الهوية المصرية –خاصة الشابة- وذلك في ظل الانفتاح الكبير للثقافات العالمية، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ذلك الوسيط الذي تحدى كل الحدود حاملا معه كل الثقافات والعادات الغربية التي تغلغلت في العقلية المستخدمة لتلك الوسائط، وهي التي يتم توجيهها بصورة كبيرة للتأثير على الداخل المصري ثقافيا ومعنويا في كثير من الأحيان، الأمر الذي يتطلب معه وقفه حقيقية لإعادة رسم ملامح الثقافة المصرية في الفترة القادمة بحيث تكون من أهم المشروعات القومية التي يجب التركيز عليها لمواجهة تحديات تأثر القوة الناعمة لمصر، ومفكرو مصر وروادها ومبدعوها لديهم رؤى كثيرة في هذا الأمر، لا تحتاج إلا لبوتقة تجمعها في إطار منظومة متكاملة بخطوات ومستهدفات واضحة، لتعود قوة مصر الناعمة لقوتها السابقة، والتي تستمد تميزها من قوة عظمى مليئة بالتاريخ والحضارة والتي اكتشفنا جميعا عظمة جزء منهما والعالم معنا أثناء حفل نقل المومياوات الملكية، وافتتاح طريق الكباش.

إن أهم عناصر القوة الناعمة في مصر، هي الفن والأدب والسينما والمسرح ومختلف الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية، وكذلك التعليمية، ومصر لديها مخزون لا ينفد من الإبداع بدليل أن أي دولة عربية محيطة تريد أن تُنجح ثقافاتها تلجأ للمنتج المصري بمختلف أشكاله، وتشهد مصر الآن نهضة في البناء والتشييد لكي تستطيع أن تعود لمكانتها التي تستحقها، ويجب أن يترافق مع هذه النهضة ثورة ثقافية في مختلف المجالات حتى يتكامل الاستثمار في الحجر مع الاستثمار في البشر، وذلك لن يتم إلا من خلال الاستثمار في العنصر البشري، خاصة الشاب والعمل على تحديد ملامح الثقافة التي يجب أن تتماشى مع رؤية مصر 2030 والتي يجب النظر لها -كما أشرت- كمشروع قومي لإعادة الهوية المصرية، وصناعة خط أو مدرسة ثقافية مصرية تتماشى مع مفرزات العصر الحديث –مع الاستعداد لتحديات البيئة الافتراضية الجديدة التي سينغمس فيها العالم قريبًا- فمصر أم الدنيا وتستطيع أن تصبح قد الدنيا.
وللحديث بقية عن القوة الذكية وكيفيه استغلال كنوز مصر الإنسانية والحضارية لدعم القوة الناعمة.

 

الدكتور فتحي شمس الدين أستاذ الإذاعة والتليفزيون، وعضو المجلس الأعلى للثقافة