رئيس التحرير
محمود المملوك

فؤاد علام.. فيلسوف أمن الدولة

الزمان: نهاية عام 2007.
المكان: مدينة القاهرة.
الحدث: مائدة مستديرة عُقدت بمقر إحدى الصحف لمناقشة تداعيات ومخاطر استيلاء حركة حماس على السُلطة في مدينة غزة، وقيامها بتتبُّع واضطهاد المؤيدين والمنتسبين إلى حركة فتح وسُلطة الرئيس عباس في الضفة الغربية.

على رأس المائدة يجلس شيخٌ وقورٌ ذو هيبة وجلال وحضور ذهني كبير، رغم أنَّه في منتصف العقد السابع من عمره، هو اللواء فؤاد علام وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها بشكل شخصي اللواء فؤاد علام، الذي كان اسمه دائمَ التردد في وسائل الإعلام والمجال العام في مصر.

في بداية الجلسة طلب اللواء فؤاد علام بصوته الهادئ أن يستمع لرؤية وتحليل الحضور للحدث، ثم سوف يقوم هو بعرض وجهة نظره وقراءته الخاصة للموضوع وتدعياته ومخاطره.

في تلك الفترة كان معظم المصريين يُحسنون الظنَّ بحركة حماس، ويرونها حركة مقاومة حقيقية ورجالها "بتوع ربنا"، في مقابل رجال السلطة وحركة فتح، الذين تركوا المقاومة وأصبحوا تُجَّارًا بالقضية الفلسطينية؛ ولهذا كان أغلب الحاضرين والمتحدثين  يحملون قدرًا كبيرًا من القبول والتعاطف مع خيار وموقف حركة حماس.

استمع اللواء فؤاد علام للمتحدثين  بإنصات شديد، ثم راح يعرض وجهة نظره من واقع خبرته الأمنية ومعرفته الراسخة بأسرار تأسيس حركة حماس، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، موضِّحًا مخاطر استمرار انفراد حركة حماس بالسلطة في غزة على الوضع الأمني في سيناء، وعلى الأمن القومي المصري، وأن ما حدث لا يُمكن أن يكون في صالح القضية الفلسطينية ولا أمن مصر القومي.

مرَّتْ الأحداث والسنوات بعد ذلك اللقاء، وصولًا إلي قيام ثورة 25 يناير، وثبت للجميع صحة قراءة اللواء فؤاد علام لمخاطر استيلاء حماس على السلطة في غزة على الأمن القومي المصري والقضية الفلسطينية.

كما أثبتت الأحداث اتساع ثقافته وحكمته ودقة وصدق قراءاته وتحليلاته وتوقعاته الأمنية؛ ولهذا أصبحت أراه بحق "فيلسوف مباحث أمن الدولة".

وهو اللقب الذي اطلقه عليه وزير الداخلية الأسبق اللواء النبوي إسماعيل؛ لما عُرف عنه اثناء خدمته من قدرة على تقديم قراءات وتحليلات عقلانية وعميقة ومميزة للظواهر والأحداث الأمنية المختلفة.

وفي حقيقة الأمر، فإن اللواء علام يُجسد في رأيي الشخصي، "النموذج المثالي" للخبير الأمني، ولما يجب أن يكون عليه ضابط مباحث أمن الدولة من وعي فكري واجتماعي وسياسي ووطني، وحس أمني.

ويكفي المتابع أن يعود لقراءة كتابه الشهير "الإخوان وأنا.. من المنصة للمنشية" ليتأكَّد من تنوع مصادر تكوين هذا الرجل، وعمق حسه الوطني والأمني،  وبصيرته في تحليل وقراءة الأحداث وتوقع نتائجها ومآلاتها.

وقد رصد وكشف في هذا الكتاب  أسرار وخفايا جماعة الإخوان المسلمين، وأفكار وسلوكيات قياداتها والمنتسبين إليها، وخطورة الجماعة على الأمن القومي المصري، ومدى عداء قياداتها لثورة يوليو، وللدولة الوطنية التي تأسست على شرعيتها، وتربصهم بكل ضعف في الدولة المصرية لاختراق المجتمع، والوثوب إلى السلطة.

كما رصد وسجل دوافع وتفاصيل وخفايا شهر العسل بين الإخوان والرئيس الراحل أنور السادات الذي أعطى قُبْلَة الحياة للجماعة، وفتح لها الباب لاختراق المجتمع المصري، والتغلغل في مؤسسات الدولة والنقابات والجامعات، وتطبيق خطة التمكين التي وضعها مرشد الجماعة "عمر التلمساني".

كما تحدث في هذا الكتاب بالتفصيل وبشجاعة كبيرة عن دراما تكوين وظهور جماعات الإسلام السياسي في عقد السبعينيات، وانتشارها في المجتمع والجامعات بمباركة الرئيس السادات، ودعم بعض رجاله المقربين.

وكيف وضع هذا الخيار الخاطئ للرئيس السادات وبعض مستشاريه، البلد في وضعٍ مُخيف، وجعل أجهزة الأمن في موقف خطير وحساس؛ خطير لأنها رَأَتْ شَبَحَ التطرُّف والإرهاب ينتشر في المجتمع المصري بصورة لم تحدث من قبل، ومباركة السلط الحاكمة. وحساس لأن رغبة الأمن في وقف هذه التحركات واختراق تلك التنظيمات كان يتعارض مع رغبة القيادة السياسية.

وقد صدقت مخاوف الرجل بعد أن انتهى ذلك الخيار السياسي المأساوي المدمر، باغتيال الرئيس السادات على يد إحدى تلك الجماعات، وباختراق كافة جماعات الإسلام السياسي للمجتمع المصري.

وهو الاختراق الذي دفعت له الدولة المصرية ثمنًا فادحًا طوال عقدي الثمانينات والتسعينات، وما بعدهما وصولًا إلى حكم جماعة الإخوان لمصر بعد ثورة 25 يناير 2011، قبل إسقاطه بثورة 30 يونيو 2013.

وهي الثورة العظيمة التي كشفت تهافت أساطير جماعات الإسلام السياسي، وفتحت الباب لإعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية، وتصويب أخطاء العقود السابقة في التعامل مع ملف جماعات الإسلام السياسي.