رئيس التحرير
محمود المملوك

وعدتك

الكاتب مارك هانزن شارك بقصة حقيقية في كتاب Chicken Soup for the Soul، وتم نشرها في أكثر من كتاب وصحيفة يقول فيها، إن سنة 1988 فيه زلزال عنيف ضرب دولة أرمينيا... كانت قوته 8.2 ريختر!.. دمر البلد حرفيًا وبسببه مات أكتر من 30 ألف شخص في لمح البصر في أقل من 4 دقايق!.. في وسط الخراب والفوضى اللي حاصلة وجابت البلد على الأرض؛ فيه زوج ساب مراته في البيت بعد ما اتطمن عليها وطلع جري على المدرسة اللي فيها ابنهم عشان يشوف حصل له إيه.. وصل ولقى المدرسة بقت عاملة زي العجينة.. عاليها بقى واطيها.. خد الصدمة العنيفة دي بهيستريا وصراخ ونزل على ركبته وهو بيلطم لما تخيل مصير ابنه.. فجأة قام وافتكر إنه دايمًا كان يوعد ابنه وهو بيمرجحه أو وهو بيعلمه السباحة أو وهو داخل على امتحان صعب بجملة واحدة ثابتة..  (مهما كان الأمر؛ سأكون دائمًا هناك إلى جانبك..  (بص بصة على جبل الطوب المتكوم فوق بعضه.. قام.. جري على الأنقاض.. قعد يحسب بالتقريب الفصل بتاع ابنه كان مكانه فين.. افتكر إنه كان في الجزء الخلفي من المبنى ناحية اليمين.. راح ناحية الحطام اللي في الحتة دي.. بإيده وبدون أدوات قعد يحفر ويشيل في الأنقاض!.. طبعًا الموضوع كان مستحيل بالعقل والمنطق.. شوية وجه عليه أبوين تانيين لطفلين بيدوروا على ولادهم برضو.. شافوه وحاولوا يجروه وهما بيعيطوا وبيلطموا وبيقولوا: (لقد فات الأوان؛ لقد ماتوا جميعًا، لا فائدة مما تفعله، ماتوا).. نطر إيده من إيديهم وجري تاني على مكان الأنقاض وبص لهم وقال: (هل ستساعدونني؟).. طبعًا ولأن كل واحد فيه اللي مكفيه سابوه وقالوا عليه مجنون.. فضل يشيل الأحجار حجر حجر.. جت المطافي.. ظابط المطافي مسك الأب وحاول يبعده عن اللي بيعمله وقاله: (هناك انفجارات ستحدث ونيران ستشتعل في أي لحظة؛ أنت في خطر من فضلك عُد إلى منزلك وسنتولى نحن الأمر).. الأب نطر إيده برضو وجري على الأنقاض تاني وبص للظابط وقاله: (هل ستساعدونني؟).. الظابط سابه وراح يشوف وراه إيه تاني هو كمان.. الحاجة الوحيدة اللي كانت قدام عين الأب هي وعده لابنه.. قعد يحفر مدة طويلة.. 8 ساعات.. بقوا 12 ساعة.. بقوا 24 ساعة.. بقوا 36 ساعة.. وفي الساعة الـ 38 شال حجرة ضخمة وظهر تجويف جوه.. نده بعلو صوته باسم ابنه: (آرماند).. جاله رد من ابنه بصوته دون ما يشوفه: (أنا هنا يا أبى؛ لقد أخبرت زملائي أنك ستأتي لتنقذنا لأنك وعدتني أنك ستفعل مهما كان الأمر).. أبوه مد إيده وهو بيرفع الأحجار ورا بعض بحماس متضاعف: (هيا اُخرج يا "آرماند"؛ هيّا).. الولد رد: (لا يا أبي دع زملائي يخرجون أولًا؛ لأني أعرف أنك ستخرجني مهما كان الأمر؛ أعلم أنك ما دمت وعدتني فستكون دائمًا هناك من أجلي).

• الممرضة الكندية  "فيرجينيا كامبيل" بتشتغل في دار رعاية مسنين في ولاية (كاليفورنيا) وكتبت في جريدة نيويورك تايمز في قسم القصص الإنسانية عن قصة أغرب اتنين نزلاء شافتهم في الدار عندها.. الزوج "جوزيف" وزوجته "ويتني".. وهما أطفال في المدرسة كانوا بيحبوا بعض حب جنوني ووقتها الولد وعد البنت إنها هتكون مراته في يوم من الأيام.. وعد عيالي من طفل ماعداش الـ 7 سنين.. وعد مافيهوش أي ريحة من الالتزام أو الإجبار من أي نوع.. تمر الأيام ويكبر الاتنين شوية ويوصلوا لمرحلة الشباب.. "جوزيف" كان من أسرة بسيطة جدًا ووالد "ويتني" كان من أثرياء الولاية وقتها.. راح اتقدم لأبوها.. رفضه.. بس ولأن البنت كانت من أسرة محافظة ومتدينة فماقدرتش تسيب البيت وتروح تتجوزه بعيد عنهم من وراهم.. فضلت تزن على أبوها تزن تزن مافيش فايدة.. وعشان أبوها يصعب الأمور على "جوزيف" ويريح دماغه من زن بنته طلب منه طلبات مادية تعجيزية.. "جوزيف" وافق واشتغل كذا شغلانة عشان يحاول يوفي بالطلبات اللي طلبوها.. لم زبالة، اشتغل في مطاعم، اشتغل في المطافي، اشتغل سواق على عربية نقل.. مليون شغلانة وشغلانة وماكنش بينام تقريبًا.. على مدار قد إيه؟.. 4 سنين كاملة!.. ولما بطلوع الروح جهز الفلوس اللي طلبها أبوها لقاه بيقوله وأنا أعرف منين إنها فلوسك مش يمكن سارقها؟.. طبعًا الواد شد في شعره وكان هيتجنن.. راح قابل القسيس بتاع الكنيسة اللي في المنطقة وطلب منه يتوسط له عند أبوها.. القسيس اتكلم مع أبوها.. أبوها قاله إنه مش هينفع يجوزهاله لأنه شاكك إنه طمعان في فلوسها مش عشان بيحبها.. القسيس قال لـ "جوزيف" اصرف نظر يا ابني اللي خلقها خلق غيرها السكة دي سد والراجل ده مستحيل يوافق..  "جوزيف" بقى كل يوم يروح تحت شباك أوضة "ويتني" بالليل وهي تطلع له البلكونة يبصوا على بعض بس!.. لا يغنيلها زي الأفلام ولا يتكلم معاها ولا يطلع لها بسلم.. يبصوا لبعض فقط لا غير.. مرة في مرة في مرة؛ أبوها شافه.. طلب الشرطة وجاب شهود واستخدم علاقاته واتهم "جوزيف" إنه حرامي وحاول يسرق بيته.. الواد إتطس حبس 3 شهور.. سمعته انضربت مفك محترم.. خرج.. وكانت الحِجة عند أبوها أقوى (إزاي هجوزك واحد رد سجون!).. بمجرد خروجه جاله استدعاء من الجيش للمشاركة في حرب فيتنام.. راح.. بقى كل يوم من أيام تجنيده اللي وصلت لحوالي 3 سنين يبعت جواب لـ "ويتني" من هناك!.. كل يوم جواب!.. بسبب ظروف الحرب كانت الجوابات ساعات بتتأخر لكن بتوصل في النهاية.. قبل نهاية خدمته اتصاب وحصل بتر لقدميه الاتنين من فوق الركبة.. بقى عاجز عجز كلي.. وهو واقف قدام الرئيس الأمريكي وقتها بيتسلم درع ونوط الشجاعة ولما طلع على المسرح بـالكرسي المتحرك ومسك المايك قال: أنا أُهدي هذه الجائزة لحبيبتي "ويتني" وأرجو من والدها أن يوافق على زواجنا).. تحت الضغط والإلحاح من كل ناحية أخيرًا وافق الأب.. وبقوا الاتنين عايشين مع بعض كزوجين سعداء.. وعشان أبو "ويتني" يتطمن كتبت ورقة لأبوها إنها مش هتاخد أي دولار من ثروته لا في حياته ولا بعد موته وإنها اكتفت من الدنيا بـ "جوزيف".. تمر الأيام أكتر وأكتر والشيب يبدأ يملا راسهم هما الاتنين.. مافيش أطفال.. بس ماحدش فيهم حس إنه ناقصه حاجة.. يكبروا أكتر وأكتر لحد ما الشيخوخة تبدأ تهاجمهم في شراسة.. يقرروا يدخلوا هما الاتنين دار المسنين مع بعض.. الممرضة "فيرجينيا" بتكمل حكايتها وبتقول إن تفاصيلهم كانت عظيمة.. منظرهم كان تحفة وهي بتزقه بالكرسي بتاعه رايحين لغرفة الأكل.. منظرهم كان تحفة وهما بيأكلوا بعض بالراحة وبإيديهم وبحب.. وهما ماسكين ألبوم الصور والذكريات بتاعتهم وبيتفرجوا على صورهم سوا.. الممرضة "فيرجينيا" خدت أجازة لمدة أسبوع ولما رجعت عرفت إن "جوزيف" فعلًا مات بأزمة قلبية مفاجأة.. قلبها اتخلع على حال  "ويتني".. دخلت عليها الأوضة بتاعتها ولقت عينيها متشعبطة في السقف.. مسكت إيديها وطبطبت عليها وباستها.. "ويتني" خدت وقت طويل عشان تخرج من الحالة اللي هي فيها ويمكن من رحمة ربنا بيها إن جالها زهايمر بعدها فورًا عشان تنسى إن "جوزيف" مات وبقت تحكي عنه بحماسة لكل اللي يشوفها كأنه عايش وتقول لهم ده راح مشوار وجاي حالًا وهعرفكم عليه ولما حد يسألها عن سر استمرار جوازهم لمدة 50 سنة تقريبًا كانت تسكت شوية وتقول: (اختفت كلمة "الظروف" من قاموس حياتنا الزوجية فاستمرت؛ لم يمنعه المال ولا السجن ولا الحرب أن يفي بوعده لي).

• الأديب شارلز ديكينز" قال: (الوعد إذا كُسر لا يصدر صوتًا؛ بل الكثير والكثير من الألم).. كل الوعود مهمة وواجبة النفاذ حتى لو كانت صغيرة.. كل الوعود مهمة بس مش كل اللي بيوعدوا بيكونوا قد شرف الوعد.

عاجل