الأحد 16 يونيو 2024
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات

أحمد جمال عيد يكتب: وفاء بحر

أحمد جمال عيد
ثقافة
أحمد جمال عيد
الثلاثاء 12/أبريل/2022 - 07:59 ص

الدكتور أحمد جمال عيد، رئيس قسم الجرافيك في كلية الفنون الجميلة جامعة الأقصر، وهو إلى جانب كونه فنانا تشكيليا فإنه كاتب وصدر له مجموعة من الكتب منها: الأدوات البصرية لأدب الطفل المصور وتأثيرها على ثقافة الطفل العربي،الفائز جائزة الشارقة في مجال النقد الأدبي لعام 2015م، الصورة التشكيلية في المشهد التشكيلي العربي – دراسة نقدية، وكتاب: أسس التصميم الجرافيكي – للمبتدئين، وهذه قصة قصيرة له بعنوان وفاء بحر.

وفاء بحر

   نام الكون وهدأ كل شيء إلا صوت ذكرياتي وحديثي مع نفسي، فقد كانت الذِكريات الجميلة تتوافد على رأسي. حتى استدعيت بعين خيالي صورة بحر الكلب الخاص بي عندما كنت غُلامًا في المرحلة الثانوية.

   بحر! الكلب الأسود في أصفر صاحب الخمس سنوات من نوع الـ  جيرمن شيبرد  والذي كان مُدربًا على الطاعة وتنفيذ الأوامر بشكل لا يُصدّقه عقل، فهو مُدرَّب في إحدى مراكز التدريب الخاصة على أيدي مدرِّب كِلاب مُحترف. 

   لا أُبالغ القول حينما أقول أن هذا البحر كان يَفهمني من نظرة عيني ولا ينتظر مني أي إشارة حتى يُنفّذ ما أرجوه منه. على أية حال، راحت الذكريات الحُلوة تطفو على سطح ذهني، واعتدلت في مقعدي لأحكي لأولادي عن مُغامرات الكلب  بحر  وكيف لكلب في مِثل عُمره أن يمتلك كل صِفات الوفاء والحُب والطاعة. حتى جاء طلب ابني الأكبر قائلًا لي: لماذا لا نقتني كلبًا يا أبي، ما دام الكلب جميل إلى هذا الحد؟ 

وفيما هو ينتظر مني الجواب كنت أفكر في الأمر من زوايا مُتعددة أهمها: أين سأضع الكلب وكيف سأعتني به؟ 

وأثناء ذلك داهمني بقوله: لا تقلق يا أبي، أتوقع فيما تُفكر، وسأعتني أنا بالكلب. فقلت له بحماس: لا بأس، سأفكر في الأمر بشكل جاد، ولا أخفيكم سِرًا كنت مُتحمسًا للفِكرة مثل الطِفل الصغير، ربما لأنني أعلم جيدًا أن تربية الحيوانات وخاصة الكلاب لها مُتعتها، خاصة مع من ذاقوا مرارة الخذلان من البشر ولم يُلاقوا بشرًا أوفياء بنفس درجة وفاء  بحر. على أية حال، ذهبت إلى الفِراش وظللت أفكر في الأمر حتى استغرقت في نومٍ عميق.

   طلع الفجر وزقزقت عصافير الجيران فاستيقظت مُنشرحًا، وخرجت إلى غرفة الجلوس ارتشف قهوتي الصباحية مُتصفحًا حائط  الفايسبوك  من هاتفي المحمول وإذ أُشاهد إعلان عن بيع جرو صغير عمره خمسة أشهر ! يا لها من صُدفة عجيبة، ولكن لِم لا. سارعت بالاتصال بصاحب الإعلان واتفقنا على موعد لإتمام عملية الشِراء. وفجأة وبدون أي ترتيبات مُسبقة أصبح  ماكس  هو أحدث عضو في العائلة. 

   كان كلبًا شقيًا يعشق اللعب والقفز والجري، لديه طاقه كبيرة، حتى جاء يومًا مُمطرًا مملوءًا بالعواصف المُحملة بالتُراب، وتذكّرت  ماكس  الذي أودعته في سطح منزلي، فهَرولت مُسرعًا إلى أعلى حتى أحميه من هذا الطقس المُتقلب، وأثناء ذلك ضغطت على يديه دون قصد مني، وفجأة وجدته يصرخ ويعوي من الألم، وأخذ يناديني بصوت حزين، وأنا لم أفهم النداء، حتى أمسكني بفكيه من قدمي، الأمر الذي جعلني أتعجب جدًا وأخاف من هذا التصرف! حتى سحبت قدمي بشكل مفاجيء، مما ترك بها أثر خدش بسيط نتيجة احتكاك أسنانه بقدمي.

   وقفت بُرهة مصدومًا مُتخشبًا من الذعر والدَهشة، انظر له بعينين مُتسعتين: ماذا حل بك أيها الوغد؟

   هدأت العاصفة وانقطعت الأمطار ولم ينقطع غضبي منه عن تصرفه الغير مفهوم، فظهرت عليّ ملامح الحُزن والضجر بعدما طَهرّت الخَدش بالماء والصابون. ولكن، المُدهش هو ردة فِعل الكلب عندما استشعر حزني وضجري، وجدت دموعًا تنسدل من عينيه، وملامحه الشقية المَرحة تبدّلت إلى ملامح كلب عجوز مهموم جالس على الأرض باسط ذراعيه إلى الأمام في وضع تسليم واعتذار.  

فيما بعد، وبعد أكثر من شهر وقع ماكس على يديه أثناء اللهو واللعب، فما كان مني إلا الذهاب به إلى الطبيب وعمل الفحوصات اللازمة حتى كتب له الطبيب البيطري مرهمًا لدِهان اليد اليمنى لمدة أسبوعين. كُنت أقوم بتمريضه وتدليك يده المُصابة كل يوم وهو ينظر إليّ بنظرات مملوءة بكلمات الشكر والامتنان والمحبة. وبعد أن تعافى أصبح في كل مرة يراني بها يجري عليّ في فرح وسعادة ويمد لي يده التي كنت أدلكها له ليصافحني بها، ولسان حاله يقول أنا مُمتن لك على هذا المعروف.

وبعد مرور ثلاث سنوات مات ماكس مسمومًا بيد لا تعرف معنى الإنسانية، مات غدرًا على يد أحد سُكان الحي الذي! 

ما بين  بحر وماكس كانت ولم تزل العديد من قصص الوفاء والاعتذار والامتنان.  

 

تابع مواقعنا