رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
دين وفتوي

وهم الزئبق الأحمر وجمال عبد الناصر

الثلاثاء 17/مايو/2022 - 12:25 ص

من بين أهم وأكبر الأكاذيب التي تلقى رواجًا بين المصريين على مختلف طبقاتهم الاجتماعية والعلمية منذ أكثر من عشرات السنين وحتى الآن الاعتقاد في أن مومياوات قدماء المصريين خاصة المومياوات الملكية تشتمل على تلك المادة باهظة الثمن والتي تجعل من الشيخ شبابا، وتسخر الجن وتجلب الأموال، وتستخدم في السحر، والمعروفة  بـ الزئبق الأحمر.

 

زجاجة تباع على أنها زئبق أحمر

 

كيف بدأت قصة الزئبق الأحمر؟ 

 

في عام 1938 م اكتشف الأثري المصري زكي سعد مقبرة، كانت كاملة لم تمس منذ أن تم إغلاقها، واسم صاحب المقبرة هو القائد "آمون تف نخت". وهو قائد الجيوش في عصر الأسرة السابعة والعشرين، قام "زكي سعد" بفحص التابوت والمومياء وفي أثناء عملية فحصه وجد شيئًا أسفل المومياء غير مألوف وغير معتاد، فلقد وجد في أحد زوايا التابوت سائلا لزجا ذا لون بني يميل إلى الاحمرار فتساءل بدهشة حقيقية عن هذه المادة؟

 

وهذه الزجاجة موجودة الآن في متحف الأقصر، وعليها ختم رئاسة الجمهورية، ومتحف الأقصر تعرض للسرقة عدة مرات من أجل الحصول على تلك الزجاجة، كلها باءت بالفشل، وبسبب تلك الزجاجة انتشرت عبارة الزئبق الأحمر.

 

بداية الأكذوبة 

 

بدأت هذه الأكذوبة تنتشر بين المصريين منذ عام 1968 م بسبب صحفي إنجليزي يدعى "جوين روبرتس" نشر تقريرا  يذكر فيه، اكتشفت مادة يتم استخدامها بدل اليورانيوم، ويمكن صنع قنبلة ذرية بسرعة عالية وبطريقة أفضل من المعتادة بتلك المادة الجديدة التي هي أفضل من مادة اليورانيوم.

 

جمال عبدالناصر يتدخل لغلق الموضوع 

 

أحدث التقرير الصحفي ضجة في أوروبا، فطلب الروس من الرئيس جمال عبد الناصر أن يسمح لهم بتحليل تلك المادة الموجودة في متحف الأقصر، والتي أطلقوا عليها "الزئبق الأحمر" وبالفعل أجروا تحليلا لهذه المادة.

وكانت الصدمة وخيبة الأمل إذ إنهم اكتشفوا أن هذه المادة خليط المواد التي استخدمت في عملية التحنيط، والتي اختلطت بفعل درجة الحرارة العالية التي نتجت من غلق التابوت بإحكام امتزجت بالماء والدم الذي سال من جثة المتوفى، أي أنهم وجدوا أن هذه الزجاجة تحتوي علي مزيج من (ملح النطرون- نشارة الخشب - رانتج صمغى - دهون عطرية- لفائف كتانية - الماء والدم الذي سال من الجثة) فكونت المادة التي لا قيمة لها على الإطلاق وأطلق عليها الزئبق الأحمر. 

 

واقعة نصب حدثت بسبب الزئبق الأحمر 

ظهر مشعوذ تائب تسبب في النصب على أحد الأمراء العرب، وذلك بطلبه ملايين الدولارات من الأخير مقابل الزئبق الأحمر، وعاد الأمير إلى بلده ليكتشف أن مادة كيميائية وتم إبلاغ السفارة في القاهرة وتم القبض عليه وجميع أعضاء العصابة كلها والقضية حتى أصبحت حديثًا للرأي العام وقتها.

انتشار الخرافة وتدخل جمال عبد الناصر

 

على الرغم من اكتشاف حقيقة الأمر بشكل واضح وأثبتت جميع الأبحاث التي قام بها علماء الكيمياء أنه لا يوجد مركب علمي يسمى باسم الزئبق الأحمر، وإنما يوجد الزئبق الفضي اللون الذي يستخرج من الطبيعة ويُسْتَخْدَم في صناعة بعض أجزاء المفاتيح الكهربائية، وأن كل ما يشاع بين الناس بالزئبق الأحمر هو جهل وخاطئ وما هو إلا خدعة استغلها النصابون للإيقاع بضحاياهم لجمع المال أو لأغراض السحر.

 

الزئبق الأحمر 2
صورة للزئبق الطبيعي

 

انفجرت الإشاعات في الأقصر وجميع أنحاء مصر، بأنه تم اكتشاف الزئبق الفرعوني وأن الدولة سوف تسخر الجن وأن مصر ستكون أغنى دولة في العالم، والعديد من الخرافات المنتشرة التي نعاني منها حتى الآن.

 

ومع تزايد الخرافات والإشاعات وصل الأمر إلى أن جعل الرئيس عبد الناصر أصدر قرارًا بإغلاق الموضوع وإعادة الزجاجة إلى متحف الأقصر ووضع ختم رئاسة الجمهورية على الزجاجة لمنع سرقتها وتقليدها.

 

الدكتور زاهي حواس وزير الآثار الأسبق، أكد في أكثر من مرة، حقيقة الزئبق الأحمر، مؤكدًا أنه أوهام وأكذوبة ليس لها أساس من الصحة إطلاقًا، وبعض المصريين يعتقدون أنه حال العثور على مومياء فبداخلها مادة سائلة إذا تمكن من الحصول عليها يستطيع أن يسخر الجن ويحقق الثراء، ووصل الأمر إلى أن بعض المثقفين استعانوا بسحرة مغاربة من أجل تنفيذ هذه الخزعبلات.

وأضاف دكتور زاهي حواس أن الجهل وصل لدرجة أن بعض السحرة يطلبون دم طفل من أجل استخراج الزئبق الأحمر من إحدى المقابر.

ومع ثقافة انتشار المعلومات المغلوطة بين المصريين انتشرت خرافة الزئبق الأحمر، وقدرته على تسخير الجن وفعل المعجزات وشفاء الأمراض، الزئبق الأحمر غذاء أساسي للجن يمنحه القوة والشباب وقدرات مبالغ فيها من السحر، وغيرها من التخاريف وأن هذا الزئبق موجود في المومياوات، ومن وقتها والأمر لم يتوقف لحظة والنصب والاحتيال والسرقة مستمر بسبب وهم هذا الزئبق الأحمر.

وهذه الخرافة من ضمن سلسة من الخرافات التي لا أساس لها من الصحة وتشيع بين المصريين مثل خرافة لعنة الفراعنة والتي كان آخرها عيون أبو الهول التي أغمضها، ولعل هذا المقال يوضح حقيقة هذه الأكذوبة وأنها لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالمصريين القدماء.