رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
دين وفتوي

رؤساء مكتبة الإسكندرية.. ومهمة أحمد زايد

الأربعاء 03/أغسطس/2022 - 09:41 م

لقد تابعت بارتياح شديد اختيار العالم الجليل الدكتور أحمد زايد مديرا لمكتبة الإسكندرية، خلفا للدكتور مصطفى الفقي.. ومبعث الارتياح، أننا إزاء قامة علمية لا يجوز غض الطرف عن منجزها ومساهمتها في مجال علم الاجتماع، بكل هذا الحضور البارز، والعطاء اللافت على مدار عقود.

فمكتبة الإسكندرية، بما تمثله كصرح علمي استثنائي يضرب بجذوره لألفي سنة خلت من التاريخ، كانت دوما منارة لا يتولى دفتها إلا أهل المسؤولية من الوجهاء علميا وشخصيا، وبما يليق بمكانتها ووضعها الخاص.

ولقد أسعدتني الحياة بالتعامل مع كل من الدكتور محسن زهران والدكتور إسماعيل سراج الدين والدكتور مصطفى الفقي، بما يمثله ثلاثتهم من أركان في عمر المكتبة منذ افتتاحها قبل عقدين تقريبا.

وأتاح لي الاطلاع على نظرتهم عن قرب، وأساليب عملهم، فهمًا أعمق بطبيعة المكتبة ودورها، جعل من تجربتي فيها مديرا لمركز النقوش والخطوط قبل سنوات، أمرًا باعثًا للفخر في نفسي، ونقطة أحسبها مضيئة في مسيرتي العلمية والدبلوماسية على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة.

فالمعماري العظيم والمخطط الحضاري الاستثنائي، الدكتور محسن زهران، أسهم الإسهام الأعظم في التطوير الحضاري لمحافظة الإسكندرية، وقد تم تعيينه كأول مدير للهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية منذ إنشائها في عام 1988، وحتى انتهاء دور الهيئة في عام 2001، وإلى أن أنشأ المكتبة نفسها.

وأتاحت لي الظروف التواصل معه مؤخرا، والاستماع لرجل، يعد بحق، واحدًا من الآباء المنشئين لمكتبة الإسكندرية بصيغتها الحالية، وله نظرته الثاقبة كمعماري، يراقب الطبيعة والبشر، ويرصد العلاقة بين الأشياء جميعا، ثم يعيدها التخطيط والخلق في تناغم مدهش، وللرجل رؤية عميقة حول المكتبة ودورها، لنا معها- في مقالات قادمة- وقفات ضرورية.

وقد عملت مع كل من الدكتور إسماعيل سراج الدين (المدير الأول للمكتبة)، الأب الروحي والرجل الذي يُنسب إليه بحق مجد مكتبة الإسكندرية، وقدرته على استثمار مكانتها، وجعلها مركزا عالميا متواصلا مع عواصم وحواضر العالم الحديث ومؤسساته الأهم.

لقد كانت له رؤيته الخاصة حول عالمية المكتبة، وكيفية تفعيل دورها ووضعها في مركز الثقافة والحضارة، كما كان دورها في العالم القديم، وكيف لا، وهو القادم لرئاسة المكتبة من موقعه السابق نائبا لرئيس البنك الدولي؛ بما يتيح له منصبه وخبراته وأسفاره، من جعل المؤسسة التي يترأسها، متعددة الشرايين والروافد.

وأما الدكتور مصطفى الفقي؛ فقد احتككت به في أثناء عملي في سفارتنا بموريتانيا، في إطار الحشد لتعيينه أمينا عاما للجامعة العربية، ورأيت عقله كيف يعمل ويخطط ويدير الأمور.

ولعل هذا الاحتكاك عن قرب بالأفاضل الثلاثة؛ يجعلني أُشفق على الدكتور أحمد زايد في مسؤوليته الثقيلة، التي لا شك عندي أنه سيتألق فيها تمام التألق، لكنها ستستنزف جهدا كبيرا منه؛ ليتمم البنيان الذي استغرق أعمار المدراء السابقين للمكتبة.

فإدارة مؤسسة عالمية وضخمة ومتشعبة كمكتبة الإسكندرية؛ ستدفع بهذا العالم الجليل، بذكائه المصري الفطري الحاد، إلى ضرورة حسم اختيارات كثيرة، إزاء الملفات العالقة داخل المكتبة ومجتمعها وإداراتها الداخلية.

وبكل قرار سيتخذه؛ عليه أن يدرك أنه يشكل ملامح مرحلة جديدة من عمر هذا الصرح، وهو ما يمثل تحديًّا هائلًا له، ولكيفية استقائه المعلومات، وكيفية تقديره للأمور، وفي تراثه- كعالم اجتماع- ما يشير إلى حصافته، وقدرته على النفاذ لدقائق الأمور. 

ولعلني إذ يتاح لي الهمس في أذنه من هذه النافذة، أن أنصحه باستنهاض أفكار ومشاريع جديدة من قبل باحثي المكتبة؛ لكي تعود المكتبة إلى عهدها السابق في الازدهار والإنتاج العلمي، وتحافظ على قيمة المكتبة كمركز علمي وحضاري في عالم اليوم.

وهنا يقع على عاتق الدكتور زايد، فحص كوادر المكتبة الخلَّاقة، والبحث والتنقيب والتقييم المنصف لهؤلاء المخلصين المنتشرين في جنبات وأرجاء المكتبة.

ومن واقع سابق خبرتي بالعمل في المكتبة؛ أقول مطمَئِنًّا: إن هذا الصرح العملاق ملآن بالخبرات والمخلصين، لكنهم دوما بحاجة لعين خبيرة ومخلصة، تفرزهم وتستعين بهم.

ألا وفقه الله وسدد خطاه. 

د. عصام السعيد
دبلوماسي سابق وأستاذ الآثار بجامعتي الإسكندرية والسلطان قابوس