رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
دين وفتوي

نعمة النسيان

الجمعة 12/أغسطس/2022 - 03:39 م

• مش كتير يعرفوا إن فيه مرض اسمه "hyperthymesia" أو "فرط التذكر".. المرض ده واخد حيز كبير من الدراسات العلمية، ومن اهتمام الناس اللي بيدوروا على أي معلومة خاصة بيه، رغم إنك هتستغرب؛ لما تعرف إن مفيش غير 20 شخص بس هما اللي المصابين بيه في العالم كله!.

طبعا وارد إن النسبة تكون مش دقيقة؛ لأن الرقم ده مبني على بيانات مستشفيات، لناس كشفوا بالفعل، وبالتالي اتعرف إن عندهم المرض بشكل رسمي، لكن ممكن برضو إن ناس كتير يكون عندهم المرض، بس ما يعرفوش.. أو مش واخدين بالهم.. أو شاكين.. بس بلاش كلمة "شاكين" دي؛ لأن المصاب بـ”hyperthymesia"، هيكون متأكد إنه عنده؛ لو حس بشوية حاجات.

الفكرة مش بس في مجرد "التذكر"، لكن في "تذكر كل حاجة"، وفيه فرق بين الاتنين.. إنك تفتكر كل حاجة؛ ده شيء قاسي، ومريض "hyperthymesia" بتكون معاناته إنه فاكر كل تفصيلة من وقت ميلاده.. كل تفصيلة بنعنى كل تفصيلة.. المدرس الفلاني زعَّقلي.. زميلي هزر معايا هزار دمه تقيل وضايقني.. البنت اللي بحبها ردت عليا رد سخيف.. لما روحت البيت مالقيتش الأكل اللي طلبته من ماما تعمله.. النور قطع وما قدرتش أتفرج على المسلسل بتاعي.

أهي دي مثلًا 5 أمثلة لحاجات حصلت في يوم واحد، وضايقت طالب في مدرسة مصاب بالمرض.. ولو حصل في اليوم اللي بعده 5 حاجات تانية، الطالب هيفضل فاكر الـ 10 كلهم، كإنهم لسه حاصلين.. ولو اليوم اللي بعده حصل 5 كمان يبقى هيفتكر الـ 15، وهكذا.. تقدير تتخيل بسهولة لما الطالب ده يكبر ويحتك بالحياة العملية والناس؛ كمية المواقف اللي هيفضل يفتكرها كل يوم قد إيه!.. كمية من العذاب النفسي غير المعقولة!.
 

• الفنانة الجميلة الراحلة "وداد حمدي"، واحدة من أنجح الكوميديانات في تاريخ السينما المصرية.. رغم إن "وداد" كانت- من خلال أدوارها- بتنشر البهجة والضحك على وشوش المشاهدين، لكن فيه موقف متداول، وكان سبِّبْ جرح كبير في شخصيتها، وهي بنفسها حَكِت عنه في أكتر من برنامج.

الفنان الكبير "فريد شوقي"، كان له أخ توأم، اسمه "أحمد".. "وداد" كان بينها وبين "أحمد" قصة حب عظيمة، وكانوا متفقين إنهم يتخطبوا، ويكملوا حياتهم سوا، لدرجة إنهم راحوا اشتروا الدِّبَل قبل ما حد يعرف!.

المفاجأة إن "أحمد" ما كانش معرَّف حد من أسرته خالص بالموضوع ده، وكأنه كان منتظر اللحظة المناسبة، أو إنه مثلًا يفاجئهم.. محدش عارف السبب في تأخر إعلانه عن القصة.

لكن المفاجأة الأكبر، كانت لما أخيرا راح اتكلم مع أسرته وبلغهم بقراره؛ فوجئ بهجوم عنيف من كل عيلته؛ لدرجة إن فيه حد فيهم قال له: (أنت ازاي هتتجوز خدامة السينما!).

الشيء المؤلم إن الرد وصل لـ"وداد"، اللي قالت في لقاء تليفزيوني، وهي بتحكي الموقف: (هما ازاي يحكموا عليا من خلال دور، هما فاهمين كويس إنه تمثيل مش أكتر، وحبسوني جوا دور الخدامة، وكمان أدانوني بيه!).

وانتهت علاقة "وداد" بـ"أحمد"؛ لأنها شافت إنه قصَّر في التمسك بيها.

وقبل قصة “أحمد”؛ كانت "وداد" محققة نجاح مُلفت في السينما، وتقريبا مش بيمر يوم، غير وهي عندها تصوير.. لكن بعد نهاية القصة- اللي فضلت تفتكر تفاصيلها كل يوم، بمعنى كل يوم- كانت بترفض كل الأفلام اللي بتيجي؛ بسبب نوبة الاكتئاب اللي بتتجدد عندها؛ كل ما بتفتكر!.

المنتجين وعالم السينما ممكن يتقبلوا مِنِّك ده، يوم، أو اتنين، أو حتى شهر، لكن إنك تفضلي ترفضي بشكل متواصل لمدة 3 شهور؛ ده كده استغناء عن الشغلانة نفسها، وبالتالي برضو هيتحول لطناش منهم ليها!.. ويقولوا: طب مش باعتين شغل ليكي تاني.

محاولات الناس اللي حوالين "وداد"، كلها فشلت إنهم يخرجوها من حالتها؛ لدرجة إنهم في يوم صحيوا مالقوهاش، وفوجئوا إنها سافرت إسكندرية عند قرايبهم.. قعدت قد إيه؟.. 3 شهور.. والحقيقة إنها كانت مدة كافية- من وجهة نظرها- عشان تدرَّب نفسها على الوضع.. وتنسى.. وقالت عن السفرية دي: (كانت فترة مهمة عشان أتدَّرب على النسيان).

تفكيرها هداها إن عجلة الحياة لازم تستمر، خصوصا إن الطرف التاني شاف حياته عادي جدًا!.

"وداد" بتقول: إنها بقت متأكدة إن عدوها الأول، مش حبيبها السابق، ولا أسرته؛ لكن "الذاكرة" بتاعتها.. والجزء ده، لازم ينطفي؛ عشان أنا أقدر أكمل.. وقالت لنفسها، تعالي نراجع اللي حصل خطوة خطوة، نشوف إحنا قصرنا في إيه، أو إيه غلطتنا.. كلام صريح من النفس للنفس، ما فيهوش تذويق ولا مجاملة، انتهت منه إن ما ينفعش تكون هي الطرف اللي دُنيِتُه تتدمر عشان فَشَل قصة!.

ونجحت وكسبت الرهان، وخرجت من الفترة دي، أقوى من الأول، وكانت النتيجة، انغماس في الشغل أكتر، وأدوار أكتر، وتقديم ضِحك صافي للجمهور، اللي محدش منهم كان يتخيل إن صاحبته كان جواها الألم ده كله.. والبداية؟.. هزيمة الذاكرة، وفرض النسيان.


• محدش فينا حياته خالية من مواقف أو ناس، شكلّوا في فترة من الفترات، جزء من هزيمة نفسية، زعزعت استقرارنا، وكسرت جوانا شيء.. فيه مننا اللي بيقف عند نفس اللحظة، ويحط إيده على خده، ويندب لفترة طويلة، ويمكن لباقي عمره كله، وفيه اللي بيخلّي الحزن ياخد اليومين بتوعه، لكن بدون إفراط، وبيقرر يتجاوز؛ لأنه مؤمن إن الحياة لازم تمشي، وإنها مش هتمشي إلا بشوية نشوفية، وتفويت، ورَمْي ورا الضهر.

الكسرة اللي حصلت معاك؛ هي صفحة من صفحات كتاب العُمر، والنسيان؛ هو قلب الصفحة دي، عشان تروح لباقي الصفحات.. ولو ما قلبتش الصفحة؟.. هتفضل عند نفس الكسرة.

كام زَعَل صابك على فرصة ضاعت منك؟، وكام حيطة لِبِست فيها بعد سعي كتير في موضوع معين؟، وكام خسارة لفلان؟ ولا صدمة في عِلان حصلت؟.. كتير، وكنت فاكر إن الحياة خلصت على كده، عند اللحظة دي.. ودلوقتي؟.. اتنسوا كإنهم ما ظهروش، ولا كانوا.

الكاتبة "أحلام مستغانمي"، قالت: (بقدر إيمانك؛ يسهل خروجك من مِحَن القلب، وفوزك بنعمة النسيان، لأن الإيمان؛ يضعك في مكانة فوقية، يصغر أمامها ظلم البشر).

الحمد لله إن تذكرنا لحاجات مؤلمة مرت علينا، مش مرض، أو تذكر غير قابل للنسيان.. الحمد لله على نعمة النسيان، وإن كلنا بنقدر ننسى.

تابع مواقعنا