رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
دين وفتوي

لماذا لم تنفذ مصر ضربة عسكرية ضد إثيوبيا صباح السبت؟

الأحد 14/أغسطس/2022 - 03:38 م

مساء الجمعة تتوالى الاتصالات بي من الأصدقاء عبر تطبيقات التواصل التي يُشاع أنها آمنة وغير قابلة للاختراق، اتصالات من كل حدب وصوب، من هؤلاء الذين يعتقدون ويُهيأ لهم أنني عليم ببواطن الأمور (ولا أدري شواهدهم علام تنبني في توهم هذا "السَّيْط" في شخصي المتواضع)، أو أنني الآن- لسبب ما غامض- أعرف أكثر من الآخرين، وإلا لماذا أنا صامت معظم الوقت؟!.

لابد أنني ثعلب ستتكشف حقيقته يوما ما؛ خصوصا مع بعض الكلمات العابرة هنا وهناك التي أقولهاـ لا ألقي لها بالا- فتصدقها الأيام، وفقا لقوانين الصُّدَف، أو لبركات أولياء الله الصالحين الذين أحبهم، أو لأنني أحاول الاستمساك بالبقية الباقية من المنطق، في محاولة فهم الأمور، في زمن عز فيه المنطق؛ كأنه الكبريت الأحمر (رمز ومجاز الندرة).

رنين لا يكف؛ كما لو كنا على بُعد خطوات من نهاية العالم، ومفاد المكالمات والاستفسارات والنقاشات: هل تخوض مصر الحرب؟، هل تنفذ ضربة عسكرية ضد إثيوبيا مثلا؟.

وأضحك!

الجميع يتحدث عن الانعقاد الطارئ لمجلس النواب صباح السبت، لا بد أنها الحرب!.

وبينما أجيب؛ كنت كأنني أستكشف معهم الإجابة أنا الآخر، وكأني لا أفطن لوجودها مُرَتَّبَةً هكذا بداخلي، كأني أعددتها قبل زمن.

ذلك أنها- (الإجابة أقصد)- منثورة في الذهن، بامتداد محاولات على مدار سنين لفهم سلوك الدولة المصرية، وأبجدياتها الثابتة، وطريقة دوران ماكينتها، مهما تغير الحكام (من داخل المؤسسة العسكرية بالطبع منذ 1952 وحتى الآن).

ولما كانت إجابتي هي: الضحك المقرون بالنفي المطلق لاحتمال بحث مسألة كهذه صباح السبت في مجلس النواب، مع قليل من التنمر والسخرية من أصدقائي المتصلين، وقرينتهم المتهاوية، كان الجميع يسألني: ولماذا لن يفوض البرلمان صانع القرار المصري، غدا، في التعامل مع سد النهضة عسكريا، أو بالطريقة التي يرتأيها؛ حفظا لحقوق البلاد؟.

وارتكز نفيي على أن: صانع القرار المصري يفطن إلى أن خصوم مصر (وبعض الأصدقاء والأعداء) والدول المتقاطعة معها في ملفات الإقليم اللاهبة، تحلل التوجه المصري، وترصد الحالة المصرية، وتسعى لفك شفرة القاهرة، واستشراف نواياها المستقبلية؛ استنادا لجملة مؤشرات بعينها.

كالاحتياط من النقد الأجنبي، ومنسوب النيل، ومخزون الغلال والسلع الرئيسية، وصفقات التسليح، وتحركات الرئيس، وأخبار كبار قادة الجيش، وانعقادات مجلسي النواب والوزراء (على نحو غير اعتيادي)، وتحركات وزير الخارجية بين العواصم، ومضمون وسائل الإعلام الرسمية.. وما إلى ذلك من مؤشرات تستعرض جسم البلد على طاولة التشخيص، وتخمن توجهها القريب، علاوة على أمارات المُضِيّ قُدُما في هذا التوجه من عدمه.

وقد فطن صانع القرار المصري، قبل عقود، إلى مدلولية هذه الأرقام والمناسيب، وعلاقتها الطردية بنواياه وقدرته على تنفيذها؛ لذا بدا أنها خضعت منذ قرابة نصف قرن، لإدارة حازمة من الدولة المصرية، فيما تقول، وفيما تخفي.

ذلك أن الإيهام "بالتحريك"، أو الإيهام "بالسكون".. يقوم ضمن ما يقوم على الشكل الذي تريد القاهرة تصديره لهذه العوامل، ومن ثم، كيف سيفهمها الطرف الآخر، وكيف سيقدر نواياها من خلاله.

ولعل المناورة الأبرز في هذا الصدد؛ هي خطة الخداع الاستراتيجي، التي أدارها الرئيس السادات بكل مهارة، قبيل حرب أكتوبر 1973؛ لإيهام إسرائيل أن مصر لن تحارب قبل سنوات طويلة، هذا إن استطاعت أصلا، بينما كان الرجل يتأهب لـ دَكّ خط بارليف، وعبور القناة.. وقد فعل.

ويكتنفني هنا الحرج (افهم وتفهم دواعيه عزيزي القارئ) عن سوق شواهد من فترة حكم الرئيس السيسي، جرت فيها أحداث، أفهم منها شخصيا (ولا أدَّعي أن فهمي هو الحقيقة) أنها كانت إيهاما بالتحريك في بعض الملفات، وإيهاما بالسكون في ملفات أخرى.

ومن ثم، يا أصدقائي، لا أظن أن مصر حين تقول شيئا علانية بكل هذا الصخب (انعقاد طارئ للبرلمان بعد ساعات!)؛ ستكون مشغولة بالحرب أصلا، فليس هكذا تدار الضربات العسكرية المباغتة من الأساس.

وحين تنتوي مصر؛ لن يدرك أحد أنها انتوت، بل ربما بعد أن تُقْدِم مصر على مسلكٍ حاسم ذي طبيعة تراجيدية (أيا كانت صيغته)، سنتأول بأثر رجعي كل الشواهد، بأنها كانت تشير في هذا الاتجاه، إلا أننا لم نلحظ، وهي طريقة معهودة، يقوم من خلالها العقل البشري في إعادة تأويل الأحداث بعد اندلاعها؛ لتبدو المقدمات متجانسة مع النتائج، وكي لا نبدو أمام أنفسنا حمقى ومغفلين إلى هذا الحد.

بل ربما كان خبر الانعقاد الطارئ، الذي استغرق قرابة الساعة والنصف؛ لتتوالى من بعده الأخبار الموضحة، أن غرض الانعقاد هو "التعديل الوزاري"، كان مقصودا في حد ذاته، كبالون اختبار لقياس ردود أفعال على جبهات عدة.

وربما كان الموضوع بسيطًا جدًا، ولا أبعاد معقدة فيه على الإطلاق، ولم يكن سوى تغيير وزاري بالفعل، لكن التوقان النفسي المصري العام لإنهاء صداع سد النهضة؛ أضحى يتأول كل خبر جديد في هذا الملف، على أنه دوما: الخطوة قبل الأخيرة.. وأننا هنا نكون قد وصلنا لنهاية المطاف.

وهذه في حد ذاتها، ظاهرة، تستحق التوقف والتحليل.. من الداخل والخارج.

أقول كل هذا، بلا يقين في شيء، أو عكسه، إنما فقط نفكر معا بصوتٍ عالٍ، ونحاول فهم ما يجري حولنا، أيا كانت نسبة التوفيق في هذا الفهم من عدمه.

تابع مواقعنا