رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
دين وفتوي

ثقافة ولوجيستيات.. لماذا السياحة في مصر مأزومة؟

السبت 17/سبتمبر/2022 - 01:29 م

تتعاقب الحكومات ويتوالى المسؤولون على منصب وزير السياحة والآثار، سواء كانت الوزارتان في جسم واحد مثلما هو الحال الآن، أو في الأوقات التي يجري الفصل فيها بينهما.

وتتكرر توصيات الحكومات بضرورة العمل على زيادة عوائد السياحة، وتنمية مواردها والاهتمام بمقوماتها وتذليل العقبات أمامها، والعمل على راحة السائح.

ناهيك عن الخطط والأفكار المبتكرة لاجتذاب السائح، والترويج لمصر ومعالمها وآثارها وجمال طبيعتها وعراقة تاريخها، تارة نرى إعلانات في كبريات الصحف والقنوات العالمية، وتارة نرى الوفود التعريفية التي تجوب المهرجانات الدولية.

ورغم تعاقب الجهود، ورغم إخلاص الكثيرين، إلا أن ثمة خطأ يبدو غير قابل للتشخيص على مدار سنين طويلة.

فمكانة مصر وثراؤها كقبلة سياحية لا يتناسبان إطلاقا مع عدد زوارها من السياح، ولا من مدخولها من النشاط السياحي، بالمقارنة بدول أخرى كتركيا وتونس، وهما مع كامل الاحترام لشعبيهما ولتاريخيهما ولمقومات البلدين، فإنهما لا يمكن أن تنافسا مصر بحال من الأحوال في آثارها وتعدد الأنشطة السياحية المتاحة في مدنها شمالا وجنوبا، وعلى شواطيء البحرين الأحمر والأبيض.

ولعلني كباحث وأستاذ جامعي، قضيت عمري في دراسة وتدريس تاريخ هذه البلاد في حقبة المصريين القدماء، أظن أنني أقف على جانب من جوانب الأزمة التي تحول بيننا وبين اعتصار الفائدة الهائلة الكامنة في بلدنا العظيم كمقصد سياحي.

والجانب الذي أعنيه هو ثقافة المصريين في التعامل مع السياح، والتي تنحدر جيلا بعد جيل للأسف، وتنزوي قدرات المصري فيها إلى حد مثير للرثاء.

نعاين جميعا أخبار ووقائع تعرض السائحين لمعاملات غير لائقة، ونتابع تدوينات وفيديوهات عدد من المدونين العالميين المعنيين بالسياحة والذين يتحدثون عن التضييق الذي يواجهه السائح في مصر.

إن تعليم الأطفال في المدارس كيفية التعامل مع السياح، وكيفية الابتسام في وجوههم، وكيفية استقبالهم ومضايفتهم، أمر حتمي لابد منه، وأقترح أن تنظم وزارة التعليم رحلات مدرسية ضمن مقرراتها التعليمية، للأماكن السياحية في البلاد، وتلقين الأطفال كيفية معاملة السائحين في موقع الحدث مباشرة.. وتشريب جيل كامل ثقافة احترام الآخر، وإدراك قيمة بلادنا وقيمة ما يمثله الزائر لها على مستوى اقتصادنا العام.

فهناك قصور في مستوى بعض موظفي الفنادق والقائمين على بعض الأماكن الأثرية والوجهات السياحية، وعدم تلقٍ حقيقي لثقافة التعامل مع السائح.

ولربما يجدر استصدار تشريعات لحماية السائح وإيلاء عدد من المميزات لجانبه حال دخوله البلاد زائرا كريما.

المسألة تتعلق بالإعلام وقدرته على نشر الوعي، والتعليم ودوره في ترسيخ ثقافة الاحترام والاحتفاء، والبرلمان ودوره في وضع سياق وسياج يحمي السياحة ككل.

للأسف اضطرت الأزمات الاقتصادية المتتالية التي عصفت بالبلاد منذ قرابة العقد من الزمان، عددا من العاملين في السياحة على الخروج بأكبر مكسب مادي من وراء السائح، دون النظر للمستقبل ولضرورة استدامة مجيئ هذا السائح مرة أخرى، ولضرورة أن ينقل خبرة طيبة لغيره من السياح المحتملين.

فصار الهم الأكبر هو البحث عن المكاسب الضيقة المباشرة من وراء السائح والسياحة، متمثلة في العائد المادي المباشر، ودون حتى العناية بصرف الخدمة اللائقة له مقابل هذه المعاملة.

وإذا كانت ثقافة العاملين هكذا، مضافا إليها قصور في شبكات النقل بين عدد من النقاط المحورية في السياحة في مصر، ومع عدم أريحية السائح في استخدام وسائل المواصلات العامة، تبدو الأزمة كما لو كانت شديدة العمق، ويبدو السائح فيها رهين محبسين.

فعلى سبيل المثال قبل عقدين تقريبا وأقل، كان هناك طيران دوري يربط الإسكندرية بالأقصر، ومن ثم بأسوان.

لعب هذا الطيران دورا في ربط مدينتين سياحيتين كبيرتين، وشكل جسرا جويا بين شمال مصر وجنوبها، استفاد منه المصريون قبل السياح.

وأتاح للسائح زيارة هذه المدينة الساحرة المنسوبة للإسكندر الأكبر، ثم الانتقال منها بكل سلاسة لمعابد الأقصر المذهلة.

هذا النمط من الربط بين المدن وبكل سهولة وبأسعار تنافسية، مكن السائح وقتها من استغلال كل دقيقة من وقته في مصر للمتعة والبهجة والتنزه.

وأسوق مثال الطيران هذا، وأربطه بثقافة المصريين في التعامل مع السياح، ضاربا مثلا أكبر بالمنظومة وما تحتاجه على جميع المستويات. بدءا بالإنساني وليس انتهاءَ باللوجيتسي.

إن رهاننا ينبغي أن ينطلق من مستويين، أحدهما حيني آني.. والآخر مستقبلي.. ربما نجني ثماره بعد عشر سنوات.

لكن لو لم نتجهز للمستقبل من الآن فمتى نتجهز؟

وللحديث دوما بقية..

أ.د عصام السعيد
أستاذ الآثار بجامعتي الإسكندرية والسلطان قابوس ودبلوماسي سابق

تابع مواقعنا