• بحث عن
  • فريدة.. قصيدة للشاعر صفوت موسى عن (الألمِ والموتِ والفقدِ)

    إلى التى رحلتْ ولم تذهبْ بعيداً

    لا وقوفَ فى إنتظاركِ

    بل سيرأً حتمياً متواصلاً

    حتى نلتقى قطرتانِ من ماءٍ

    فى غيمةِ سماءٍ أو شلالٍ متدفقْ

    اللحظةُ خيطٌ لا ينقطعُ

    طرفهُ يندفعُ ناحيةَ الموتِ

    والأخرُ يشدُ الولادةَ لتطاردهُ

    ليسَ أسوأُ من الموتِ

    سوى ألمٍ بلا أمل

    الجزءُ الأول

    عن الألم

    1

    صمودٌ على خطوطِ الألم!!!

    يحتلُ منطقةً فتحفرَ خنادقَها حولَ المناطقِ الأخرى

    يضربُ مفاصلاً فتتحصنُ بالمتبقى منها

    يزحفُ على خطِ الدفاعِ الأخيرِ فتبدعَ صيغاً للتعايشِ

    تأسرُها الأسرةُ والأعطيةُ والوسائدُ

    فتحررَ وعياً كامناً يسبحُ فى الكونِ

     وتطلقُ عيوناً ثاقبةً على الجدرانِ والأسقفِ

    ترسمُ بخيالِها شمسَ الظهيرةِ ووجوهَ الأحبةِ

     وشوارعاً سقطتْ من الذاكرةِ

     وقططاً مستجيرةً كانت لا تنامُ بإسترخاءٍ

    إلا فى جوارِها وعلى وسائِدها

    2

    لحظتهُ الرهيبةُ

    الملتفونَ حولها لا يحتملونَ شحوبَ وجهِها

    وذبولَ جسدِها المتسارعِ

    فيلقوا بكراتِ القلقِ والخوفِ عبرَ الهواتفِ

    علَّهم يستريحونَ وهم يسمعونَ أصواتاً تطمئنهم وتواسيهم

    والهاربونَ كلما يبتعدونَ طاردتهم أهاتٌ مكتومةٌ

    لم تعرفُ البشريةُ لهُ وصفاً دقيقاً لا إختلافَ عليه

    فصعدتْ حواجزٌ شاهقةٌ بينَ المتألمينَ ومن حولَهم  

    أخبرتْ عن كلابٍ تنهشُ فى مفاصلِها

    وسكاكينٍ تضربُ فى أحشائِها

    وكثيرونَ لا يجزعونَ من سكاكينِ القصابينَ

    ويقتنونَ الكلابَ كأوفى الأصدقاءِ

    لم أحاولْ أن أتخيلَ ألامَها أو أدخلَ عالمها؟؟؟

    رغم أنها كانت تدخلُ فى ألامى بلا حاجةٍ إلى وصفٍ

     أوقنُ أن المتألمينَ لا يحفلونَ بغيرِ الألمِ

    لا يندمونَ حينَ يبترونَ أجسادهم لوقفِ زحفها

    ولا يحفلونَ بالملتفينَ حولهم للمواساةِ والشفقةِ

     يتعلقونَ بالأملِ مع كلِ تجريبٍ جديدٍ

    وغالباً ما يبقى الشكُ قائماً

    أن تستمرَ لحظاتهُ الرهيبةٌ

    3

    ألام

    تستعرضُ الألامُ ملامحَها فى الأهاتِ والرجفةِ

    فى عضِ الأسنانِ للأسنانِ والقبضِ المستميتِ على الأشياءِ

    إلا ألامُها تستعرضُ ملامحَها فى الصمتِ المتشحِ بخشوعٍ قدسى

    ورغبةِ العارفينَ فى الفناءِ

    لم أفهمْ ألامَ العشبِ حين تمضغهُ أنيابُ الأفيالِ

    ألامَ الماءِ حين تجمدهُ البرودةُ أو يغلى تحتَ غطاءٍ

    ألامَ الثمراتِ المقطوفةِ عنوةً قبلَ النضجِ

    ألامَ الورودِ حينَ تقصُ سيقانُها مجاناً

     دونَ أن تعانى ذبولاً أو عفناً

    لو كنتُ أفهمُ ألأمَ الأشياءِ لفهمتَ ألامَ أمى

    لكننى أدركُ أنها ذهبتْ إلى باطنِ الأرضِ

     لتعودَ فى عشبٍ سماوىٍّ يحملُ ترياقاً لألامِ الوجود

    4

    مسألةُ وقت!!!

    هكذا قالت التقاريرُ ببرودٍ

     كبرودِ الأطباءِ الذينَ يتحدثونَ عن حالاتٍ لا تخصهم

    قولوا إحملها إلى باطنِ الشمسِ إلى خارجِ المداراتِ

    ولا تقولوا لا أمل

    إنها  لا تعرفُ الجزعَ وتدربُ نفسها على حبِ الموتِ

    فهل تتركونَ الأورامَ التى قتلتها تمشى فى جنازتها

    وتمارس هوايتها فى الإنتشارِ الحرِ بلا رادعٍ

     بين أكبادِ وأحشاءِ الأطفالِ والأمهاتِ

    سأحملها إلى عوالمٍ بديلةٍ لا تعرفُ اليأس

    تقفُ على أطرافِ أصابعِها

    حينَ ترى أماً تتألمُ على مشارفِ الموت

    5

    نصائحٌ بلا كلماتٍ!!!

    هذا جسدُك حين يدركُ إكتمالهُ وسحرهُ الخارق

    إشعلهُ فى ذرواتِ عشقٍ متلاحقٍ

    ولا تنتظرُ مرضاً أو ألمَاً محتملاً لا يحتملُ

    قلت أبشرى بالنشوةِ الكاملةِ

    فأعظم النشواتِ ما يأتى بعد أقسى الألامِ

    نظرتُ إلى الجسدِ المسجى الضامرِ

    الذى أنجبَ ورعى وبنى وعلمَ

    وقلتُ إستنزفناكِ جرَّفناكِ

    أكلنا ثمركِ قبلَ النضجِ وبعدهُ

    وحينَ لم يتبقى منكِ سوى وعىٍ وصوت خفيضٍ

    يغلفُ الاهاتِ بقناعِ الشجنِ الصافى

    إستهلكناهُ فى إستجداءِ الدعاءِ والبركةِ

     لننعمَ بالطمأنينةِ والسكينةِ

    6

    هل تتركها الألامُ هناكَ؟؟؟

     تكتمُ الألامَ المتزايدةَ حتى لا تزعجَ الأبناءَ والأحفادَ

     تتجرعُ الدواءَ وتتدعىَّ الشفاءَ حتى لا تحبطَ الأطباءَ المقربينَ

    تفرحُ حينَ ترى فى عيونِهم الزهوَ ونشوةَ النجاحِ

    وفى وجوهِ الأبناءِ الراحةَ والأملَ

    من رحمِ الألامِ تأتى الأهاتُ وكلماتُ الرحمةِ والشفقةِ

     ونبدعُ المسكناتِ وقاتلاتِ الألم

     نسيتْ حقيبتها المكتظةَ  قبل الخروج

    وقد لا يخلو الأمرُ من بعضِ الألام ِهناكَ

    وحتما ستحتاجُ إليها حين يداهمنى المغصُ الكلوى

    و يخلعُ أحدُ الأبناءِ ضرساً

     أو تعانى إحدى الحفيداتِ ألامَ المخاض

    7

    غيبوبةٌ

    هل ينتحرُ الألمُ حينَ يطمعُ فى إحتلالِ كاملَ الوعىِ

    أم يعربدُ فى وعىٍ أخرٍ باطنٍ وبعيدٍ

    تصلُ الصرخات فيهِ حدَ الصمتِ وتفوقُ إحتمالِ الأذانِ

    هى خيارُ المتألمين الأخيرِ إشفاقاً على المقربينَ

    من هولِ الصرخاتِ المتصاعدةِ

    قبل أن تدخلها بلحظاتٍ

    طلبتْ تغيير رقدتها فى مختلفِ الإتجاهاتِ

    أملةً فى وضعٍ تخفُ فيهِ أو تختفى الألامُ

    وتبقى الصرخاتُ دليلاً على التشبثِ بالحياةِ

    قلتُ إطلقيها مدويةً ولا تقلقى فقلوبنا غلفٌ

    ومنشغلون بعشاءِنا القادم

    دخلتها بمحضِ إرادتها

    فخفت أن تسلمها للموتِ وأنا بعيد

     إنتظرت رجوعى وقطعتها بنظرةٍ حانيةٍ أخيرةٍ

    إخترقت ضلوعى كرصاصةِ الرحمةِ

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى

    إغلاق