مقالات

محمد توماس يكتب: “لسه الأغاني ممكنة”

القضية النوبية هي قضية مجتمعية في المقام الأول أساسها هجرة إجبارية لأهلنا من أرضهم، اتختمت بالهجرة الأخيرة والنهائية جغرافياً لبناء المشروع القومي وقتها “السد العالي”، واللي فعلياً دمر القومية المصرية.
فقوام أي بلد في العالم هي المجتمعات اللي عايشة على أرضها واللي بتشكل في اختلافها وتميزها قوميتها واللي بتستمد منها قوتها ضدد أي مستعمر داخلي أو خارجي “درسنا كدة في المدارس “.
في مصر الموضوع مختلف بتجربة النظام الاشتراكي أيام عبد الناصر وبعده النظام الرأسمالي في الحكومات المتتالية، دة لو افترضنا أصلاً أننا طبقنا النظام الاشتراكي أو الرأسمالي واللي أصلاً حذف تدريجياً الهوية ومن بعده القومية، فبقى مفيش لا طعم ولا روح ولا لون، ويومياً وعلى مستوى عام مبقاش في حاجة بتميزنا كبلد عالرغم إنه لسه القوام للبناء في مجتمع موجود، ويمكن دة ملاحظ جداً في المجتمعات العريقة واللي منها المجتمع النوبي.
وهنا ليس ذنب النوبيين أن أعطتهم الإنسانية تمييزاً بعوامل مثل اللغة والتراث والثقافة وهم دائما مايحافظون عليها باختلاف تركيبتهم على مر العصور حيث بقت النوبة بلغتها وثقافتها، فقضية تمييز النوبيين ليس بأيدى أحد، ولكن بيد التاريخ والحضارة والتراث الانسانى، النوبة هي حضارة ممتدة وليست مجرد فئة مغتربة وغريبة عن مصر ليست كما يصفها الإعلام من أنها مجرد بيوت ملونة وأرجيد وحقل تجارب عرض، فالنوبة جزء أصيل من تاريخ مصر ولو مقدرناش نرجع لبعيد وقت بناء الحضارة المصرية والتاريخ اللي محتاج شرح وافي فيكفي أننا نقول إن الملك فاروق كان حاكماً لمصر والسودان وبلاد النوبة!، فالنوبة جغرافياً وتاريخياً هي جزء من مصرية وهوية البلد، مهما كان التيار عكس الكلام دة، مهما كانت المسميات مش واضحة والطمس متعمد.
مع مشروع مصر القومي في السد العالي تم هجرة الفوج الأخير من النوبيين واللي تمركزوا بعدها في كوم أمبو بأسوان، على أمل ووعد وتعويض مبني على أساس الوقت وأنه بمجرد الانتهاء وتشغيل السد هيتم رجوع النوبيين على ضفاف البحيرة واللي كونها السد خلفه ودمر معاه معظم الاراضي النوبية، والاراضي هنا مش مجرد أرض بالمعني السطحي لأن الأرض كان فيها بيوت ومعالم وموروث ثقافي ومجتمعي وبسابق إنذار غير مدروس انتهى وانتهت معاه الوعد بالعودة، ومن وقتها الحياه اختلفت وتبدلت تماماً.
حسرة وإنكسار وذل وعنصرية لمجتمع نوبي حتى الأن بيعاني ويكون مقابلها بكل بساطة “هو إنتوا مصريين !!”.. تضحية من أجل بناء مشروع قومي كان مقابله طمس مجتمع كامل، وبقى أي نداء بحق العودة بمثابة تخوين وبيتم محاربته على أساس محاربة الإرهاب.
وقت إعادة ترسيم الحدود المصرية السودانية تمت قسمة بلاد النوبة بين مصر والسودان مع وجود النسبة الأكبر جغرافياً في السودان، ومع التأكيد مراراً مصريّة النوبة بأسوان وعلى أن القضية فقط حق العودة لنفس الارض ولنفس المكان نلاقي حد بكل بجاحة يقولك انتوا عايزين تعملوا دولة داخل دولة، إسلوب رخيص للهروب من المسئولية، وبدل المواجهة بيتم المحاربة فكرياً وثقافياً زي ما بيحصل مع سيناء دلوقتي وإظهارهم على أنهم خونة وتجار سلاح ورغم دة كله لسه حق العودة حلم بيتجدد مع زيارة للنوبة على مستوى كل الأجيال حتى لو طرق تنفيذ ده مختلفة بس الكل بيحلم بالعودة لـ جنّة الله في الارض، لسه الأعراف والموروث الثقافي موجود وبيكبر مع كل خطوة لإحياء النوبة بداخلنا، لسه جوانا المجهود الذاتي لإرثاء اللغة والتاريخ رغم تعند الحكومة الغير مفهوم، و”على قد فهمكم لسه الأغاني ممكنة”.. ونستكمل فى الأجزاء الباقية.

محمود المملوك

صحفى ومعد برامج.. متخصص فى الشأن القضائى والأمنى ويكتب فى الملفات السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *