توب ستوريمقالات

كيف تدير كلية سياسة واقتصاد انقلاباً فى قطر وتتحكم فى مصير مباراة الترجى؟!

من قال إن الحرب بالسلاح والقنابل فقط؟

يُعرف جوزيف ناي الأستاذ بجامعة هارفرد إن القوة الناعمة (Soft power) هي القدرة على الجذب والضم دون الاكراه أو استخدام القوة كوسيلة للاقناع، وفي الآونة الأخيرة، تعني أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره.

للمفارقة ما قاله ناي ينطبق عملياً على المكان الذى درست فيه كلامه نظرياً.. هذا المنهج ضمن فصل دراسى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وتذكرت هذا الكلام بعد البيان الذى ألقاه الشيخ سلطان بن سحيم أحد أفراد الأسرة الحاكمة فى قطر وابن أول وزير خارجية لها والذى لحسن الحظ نال شهادة ماجستيره من الدكتورين على الدين هلال وصفى الدين خربوش اثنين من ألمع أساتذة العلوم السياسة فى مصر وأبرز مدرسى كلية سياسة واقتصاد.

فقط الاثنين هؤلاء تتلمذ على يدهما ما لا يقل عن مئات الأشخاص من أبناء السفراء والوزراء والطلبة من جميع دول العالم الذين صاروا بعد فترة سفراء ووزراء وأصحاب مناصب ونفوذ فى بلادهم وسط حب وامتنان لأساتذتهم وللكلية وبالطبع البلد الذى احتوت دراستهم.

العقل والمنطق يقول لماذا لا تستغل مصر وتستثمر تلك الشخصيات.. أتذكر أنه فى أجواء خريفية مثل هذه الأيام لكن قبل 14 عاماً من الآن، كان المشهد مثير للانتباه كطالب يخطو بقدميه أولى أيام الجامعة جاء من أقاصى الجمهورية فجأة يرى أمن مهيب فى كل مكان مع رفع درجات الاستعداد لتكتشف إن وزير التعليم العالى وقتها الدكتور مفيد شهاب قرر أن يطمأن بنفسه على سير الدراسة فى أولى أيام الجامعات فقرر الحضور لكلية سياسة واقتصاد وأن يلتقى بالطلبة من مدرج الكلية الرئيسى.

أن تشاهد وزيراً فى أول محاضرة لك هذا حدث بالطبع كان فارقاً ولم أره من قبل، لم يمح آثاره دهشته سوى صدمة أكبر عندما قررت أن أتعرف على من حولى من الزملاء استدرت للشمال أولاً سألت من يجاورنى عن بلده فى محاولة لكسر جمود البدايات وكسب أصدقاء جدد، فأخبرنى أنه من افغانستان.. نعم؟!

سألته بضحك: “افغانستان اللى هي كابول وتنظيم القاعدة ديه”.. أجابنى بصرامة: “نعم”.. تجهمت وقولت حسناً هو أبيض البشرة صحيح وعيناه زرقتان ويبدو هئيتى الصعيدية جعلته يسخر مني لكن لا بأس لن أتعامل معه مرة أخرى.. هذه المرة استدرت يميناً وتبركت بأهل اليمين رأيت شاباً أسمر فى ملامحي حمدت الله وقولت وجدت ضألتى: “بلديات اهوه”.. باغته: “انت منين؟”.. قال لى من: “اريتريا”.. ولأنى كنت مضطلع بالجغرافيا ولدي هواية حفظ عواصم الدول، فقلت له: “اللى هي عاصمتها أسمرا وانفصلت عن أثيوبيا؟!”.. أجابنى: “أيوه”.

يعتقد البعض إن عبارة اللواء عصمت مراد مدير الكلية الحربية السابق: «طلاب الكلية يعرفون أنهم الوزراء، والمحافظون، والسفراء، ورؤساء الجمهورية، والمديرون»، تنحصر فقط على أبناء هذه الحربية لكن فى الحقيقة هناك من ينافسهم على هذه المناصب.. فضمت الدفعة ودفعات سابقة ولاحقة من سياسة واقتصاد عدد كبير من أبناء السفراء والوزراء العرب ومن الدول الأجنبية الأخرى الذين أصبحوا مع الوقت سفراء ووزراء لبلادهم هناك، والطلبة المصريين صاروا مع الوقت، باحثين وأساتذة وسفراء وصحفيين وإعلاميين ومسئولى ائتمان ونقد يضعون خطط تحرير سعر الصرف لحكومات وروشتة إنقاذ لدول مثل محمود محيى الدين بجانب موظفين كبار فى هيئات ووزراء وبنوك ومجلس نواب بل وحراس مرمى مثل الزميل شريف إكرامى أحد أبناء دفعتى الذى كنا نراه فقط فى أيام الامتحانات على أمل تركيزه فى الكرة، بخلاف الفن والفنانين أيضاً كالراحل ممدوح عبد العليم.

لا يتعامل أساتذه الكلية مع طلابها وفق للمعايير المصرية، لم أضبط أستاذاً منهم مثلاً يطلب منا شراء كتاباً لا، بل بالعكس كنا نحارب من أجل وجود منهج علمي ودراسى ثابت فكان الرد دائماً: “لا يوجد منهج ثابت.. أنت تدرس سياسة أحد أفرع العلوم الإنسانية.. اقرأ كثيراً وأذهب للمكتب”، فى الفرقة الأولى من الكلية درس لنا الدكتور حازم حسنى مادة الحاسب الآلى وصعقنا حين قال تستطيعوا أن تأتوا بالملزمة والكتاب فى الامتحان معكم.. الاختبار بالنظام الأمريكى الإجابة الخطأ تمحو الصحيحة”.

لا أنسى أنه فى عز تجبر الحزب الوطني، تحديداً فى 2005 كنا ندرس مادة النظم السياسية لمدرسها الدكتور هلال، وكنت وقتها ممثلاً لائتلاف المعارضة التى تشكلت لمواجهة الحزب الحاكم فى انتخابات البرلمان الشهيرة التى حصل الإخوان وقتها على 88 مقعداً، دخل هلال المحاضرة وسألنا عن أصواتنا لمن ذهبت فى البرلمان بالنسبة لأبناء القاهرة حتى لطلاب الأقاليم ممن سافروا فى الجولات.. انسحبت من لسانى وبادرته على الفور لائتلاف المعارضة، لم يقمعنى أو يعارضنى أو ينكل بي، أجابنى جواب مناظر سياسى لغريم له وقال: “إحنا معانا أغلبية الثلثين مرتاح”.. احترمت فيه احترامه لرأيى ولموقفه  السياسى الواضح، ومعاملتى باعتبارى ند وخصم سياسى الآن وفى المستقبل.

لو أن هناك مكاناً واحداً لم يتصحر بعد أو تناله يد التجريف فى مصر، مع عوامل التعرية المختلفة السياسة والاجتماعية منها، فهي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لا تزال قابضة على ما تبقى من قوة مصر الناعمة.. نأمل من الله أن يستغل هذا أحداً قبل فوات الأوان.

محمود المملوك

صحفى ومعد برامج.. متخصص فى الشأن القضائى والأمنى ويكتب فى الملفات السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *