توب ستوريرياضة

أحمد الطيب.. كروان التلميع

المعلقون على مباريات كرة القدم أشكال وألوان. لكل منهم مذاق تستسيغه ويحلو لك أو تلفظه على الفور. هناك أرشيفيين يعشقون المعلومات ويستخرجونها من بطون الكتب ومجاهل الإنترنت. هناك فنيين أشبه بالصنايعية يتحدثون طوال الوقت عن طرق اللعب وفنيّات المباراة. هناك الرصينون الهادئون. هناك المهللين المتقدون حماسة. وهناك أيضًا أحمد الطيّب.

قبل عامين، كنت أشاهد مباراة للزمالك في دوري أبطال إفريقيا أمام ليوبار الكونغولي. كان الطيّب يُعلق على أحداثها. وكان حازم إمام قائد الزمالك يشارك أساسيًا.

في إحدى الهجمات وبعدما ذكر الطيب اسم حازم إمام قفز فجأة للحديث عن عادل إمام أسطورة الدراما المصرية. قال الطيب إن إمام الصغير غاضب من إمام الكبير لأن الأخير “رفض مصافحة حازم خلال عزاء الفنان سامي العدل”. مر نحو 5 دقائق والطيب ما زال يسرد تفاصيل الواقعة. يُكرّر الكلام مرة تلو الأخرى معاتبًا الزعيم ومطيبًا خاطر قائد الفريق الأبيض.

توارت أحداث المباراة. أصبحت في خلفية المشهد الذي حضر فيه الممثل واللاعب. أسند الطيب إليهما البطولة لدقائق. متجاهلاً المباراة. ثم عاد إليها بعد أن فرغ من مهمته.

الأصل والفرع

الأصل في التعليق الكروي أن ينقل المعلّق أحداث المباراة ويتفاعل معها بشكل يجذب المشاهدين إليه. تظل أحداث المباراة هى الأصل، ولو كانت مملة، وما عداها فروع.

وتفاعُل المعلّق مع المباراة هو ما يمنحه تلك النكهة التي تجذب البعض إليه وتصرف البعض الآخر عنه. بصمة الصوت، إيقاع التعليق واتساقه مع أحداث المباراة صعودًا وهبوطًا، القدرة على ملء الفراغات خلال فترات التوقف لإصابة أو تبديل، المعلومات التي يقوم بتحضيرها قبل انطلاق المباراة، قاموسه الخاص ومصطلحاته؛ كل هذه الأمور تحسم موقف المشاهدين من  المُعلِّق.

بعض المعلقين يُفضل ألا يبتعد عن أحداث المباراة. يظل ملازمًا لها ولا يفارقها إلا على استحياء. البعض يُشرّق حينًا ويُغرّب حينًا لكنّه يعود لاحقًا إلى الأصل.

أحمد الطيب لا ينتمي لما سبق. لذا وضعناه في تصنيف مستقل منذ البداية. تبقى المباراة وأحداثها وتقلباتها جزءًا صغيرًا من المشهد طالما جلس الطيب خلف المايكروفون وأطل على الجمهور؛ لكن لماذا يبتعد الطيب عن المباراة وأحداثها من الأساس؟

هناك مفتونين بالتاريخ مثل عصام الشوالي المعلّق التونسي الشهير. وهناك من لا تفارق الأرقام والإحصاءات ذهنه مثل علي محمد علي. وهناك من يبتعد عن المباراة ليتحدث عن أزمات شخصية، وعميد هؤلاء محمود بكر رحمه الله بحديثه الشهير المكرر عن محطة مصر والإصلاحات والزلط والرمل.

الطيب المُلقب بـ”كروان التعليق” يختلف عن هؤلاء وغيرهم الملقب. ما يشغل باله هو قائمة طويلة من الأسماء يجب ذكرها خلال التعليق على أحداث المباراة. قائمة تضم مسؤولين تنفيذيين ونجوم سابقين وصحفيين ومحللين رياضيين وحكام ومعلقين.

ما يقوم به الطيب هو تطويع المباراة منذ انطلاقها حتى نهايتها لهدف واحد هو ذكر هذه الأسماء. ذكرها بما لا تقتضيه المباراة وأحداثها في الأغلب لكن بما يريده الطيب من كلٍ شخصية منها. وما يرنو إليه على المدى القريب أو البعيد.

يستدعي الطيب هذه الأسماء ويقذف بها إلى الواجهة. تتحول أي مباراة يُعلّق عليها إلى وصلات مديح قصيرة سريعة متتالية غير مترابطة.

وإذا كان الهدف من التعليق هو ذكر هؤلاء النجوم وتلميعهم في الأغلب؛ فإن الجهد الأكبر لن يبذله الطيب في نقل أحداث المباراة والتفاعل معها لكن التحدي هنا سيكون كيفية الانتقال من أحداث المباراة إلى هؤلاء الذين اختارهم المعلق أبطالًا للحدث. في مثال حازم إمام وعادل إمام المذكور سابقًا لم يكن هناك رابط سوى الاسم لكن هذا الأمر لا يتكرر إلا نادرًا.

يلجأ الطيب للبحث عن “كوبري” إن صح التوصيف يصل بين أحداث المباراة وبين الشخص الذي يريد ذكره. كل ما يدور في المباراة يكون بمثابة المقدمة أمّا الذورة فتبدأ حين يصل إلى اسم الشخص المراد مدحه وهنا نقف طويلاً ويسترسل المعلّق، حين يبدأ الطيب إحدى وصلات المديح للاعب داخل أرض الملعب فانتظر قليلاً لأن الشخص المستهدف غالبًا سيظهر في النهاية.

في مباراة مصر وغانا في الجولة الأخيرة من التصفيات المؤهلة للمونديال، تلك التي كان الطيب يذكر فيها من 6 إلي 8 أشخاص في الدقيقة الواحدة، تحدث المعلق كثيرًا عن إنجاز المنتخب بتأهله لكأس العالم بعد غياب منذ عام 1990. وجه الشكر للمسؤولين عن الإنجاز. شكر اللاعبين والجهاز الفني بكامل أفراده ووجه الشكر أيضًا إلى أعضاء اتحاد الكرة. إلى هنا يبدو الأمر منطقيًا ومستساغًا لكنّ الطيب أضاف اسمًا آخر وكرره أكثر من 3 مرات ووجه له الشكر مرارًا وأثنى عليه. هذا الشخص هو جمال علام الرئيس السابق لاتحاد الكرة الذي استقال من منصبه قبل عام ونصف.

قد يكون ذكر علّام منطقيًا لإنه المسؤول عن اختيار هيكتور كوبر لتولي قيادة  المنتخب؛ لكن لمَ أصر الطيب على تكرار الاسم؟ ولماذا أصر ألا يمر اسم أبو ريده إلا ويليه جمال علام؟

ربما أراد الطيب شكر علام فحسب، وربما، وهذا هو الأرجح، يكون المعلّق غاضبًا من أبو ريده لأنه لم يدعمه بالشكل الكافي حين كان الطيب رئيسًا لمنطقة السويس لكرة القدم، قبل أن يتقدم باستقالته في إبريل الماضي ويُعلق قائلاً: “إنما للصبر حدود”.

في المباراة نفسها، حين أشاد الطيب بمستوى سام مرسي لاعب ويجان الإنجليزي الذي شارك مع المنتخب أمام غانا. توقعت ألا يمر الأمر مرور الكرام. بالتأكيد هناك شخص آخر يحاول الطيب الوصول إليه ومدحه والثناء عليه عبر هذا “الكوبري”.

لم يتحدث الطيب عن مسيرة سام مرسي في إنجلترا. لم يذكر أن ويجان يشارك في منافسات ) league 1الدرجة الثالثة بإنجلترا) لم يتحدث عن أن اللاعب المصري يحمل شارة قيادة فريقه، وعن اللاعبين المصريين الذين سبق لهم ارتداء قميص ويجان مثل عمرو زكي وأحمد حسام “ميدو”. وصل الطيب سريعًا إلى مبتغاه. توجّه بالشكر إلى أحد الصحفيين المهتمين بمتابعة المحترفين في أوروبا لإنه ساعد الجهاز الفني على اكتشاف هذا اللاعب.

يهوى الطيب الانتقال من الملعب للمقصورة. هناك حيث يجلس رؤساء الأندية من ذوي النفوذ والمال. حين يعلّق على مباريات بأحد الدوريات الخليجية يُسهب في الحديث عن الأمراء الذين “ينفقون بسخاء على اللاعبين ولا يبخلون بشيء”. ستراه ينظم قصيدة مدح للأمير الفلاني أو سيستشهد بأبيات قديمة، وهو بارع في ذلك، لينال رضا الأمير.

فعل ذلك أيضًا أكثر من مرة حين كان يعلّق على مباريات بالدوري المصري. ذات مرة بعد هدف سجله الزمالك في شباك أحد المنافسين وبعدما توجهت الكاميرا للمقصورة الرئيسية لرصد انفعالات مرتضى منصور رئيس النادي، هتف الطيب قائلاً: “يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. مرتضى منصور طلع هو الدوا”.

ومثل تلك اللفتات “الطيبة” يكون صداها كبير في دولٍ بعينها. قد تكون المكافأة سخيّة كدعوة للديوان الأميري يتفاخر بها الطيب طويلًا. أو أن يُسمح له بالتعليق في أكثر من محطة فضائية في الوقت نفسه ويمنع غيره من ذلك.

التوحد

يهوى الطيب السجع. يُحب الشعر ويجيد الإلقاء أيضًا. بمرور الوقت ومع تكراره مجموعة قليلة من الجمل التي باتت إكليشيهات محفوظة للجميع، كان الطيب في حاجة لإحداث بعض التعديل على طريقة تفاعله مع الأهداف والهجمات الخطيرة أو حتى مع وصلات المديح المكررة.

جُمل مثل “توت توت توت.. جمهور الزمالك أكيد مبسوط”.. “ومش كده ولا إيه”. وكذلك الجمل ذات الصبغة الإسلامية مثل “حي على الفلاح.. وعملها محمد صلاح” وبيت الشعر الذي يردده كثيرًا كلما سجد أحد اللاعبين “الأرض لا تنسى جباه الساجدين.. والليل لا ينسى أنين العابدين”.. كل هذا كان في حاجة لتعديل أو إضافات جديدة تمنح قاموس الطيب قدرًا من الثراء والتنوع بدلاً من الشعور بالملل نتيجة التكرار.

وبالفعل، من يتابع المعلّق العربي خلال الفترة الأخيرة يجد بعض التعديلات والإضافات على قاموسه التعليقي. في مباراة مصر وغانا على سبيل المثال وردت ألفاظ مثل “قصف الجبهات” و”الحرقان” على لسان المعلق المخضرم.

هذه الألفاظ، تعكس بدقة التغيّر الذي طرأ على شخصية الطيب، كمُعلق، خلال الفترة الأخيرة، وبالتحديد منذ دخل عالم التواصل الاجتماعي وأنشأ حسابًا على فيسبوك.

توحّد الطيب مع الفئات الأكثر تعصبًا من جمهور الكرة على مواقع التواصل. منشوراته على فيسبوك تعكس أن الرجل الذي يُعلق منذ سنوات طويلة ارتضى أن يكون واحدًا منهم يفكر بعقلهم ويتحدث بلسانهم. وهذا التشجيع انتقل بمفرادته وقاموسه مع الطيب إلى الشاشة.

ولذا صار معتادًا أن ترى الطيب يُكثر من المكايدة الكروية والهمز واللمز والإسقاطات خلال تعليقه على المباريات في الفترة الأخيرة. وأصبح من الطبيعي أن نراه طرفًا في خصومات متكررة مع لاعبين ونجوم لا يتورع الطيب أن يقصف جبهتهم على حد تعبيره خلال تعليقه على المباريات.

وهكذا تكون حصيلة المباريات التي يُعلق عليها الطيب خليط من وصلات المدح والتفخيم تتخللها عباراتُ المكايدةِ الكروية والإسقاط على الخصوم والمنافسين وبينهما حديث قليل متناثر عن أحداث المباراة وتفاصيلها تلك تتوارى دائمًا إلى خلفية المشهد مع المعلّق المصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *