سياسةمقالات

التعاون الأمني بين مصر وتركيا.. أردوغان وسيناء (رؤية تحليلية)

 

*صلاح لبيب

شهدت مصر فى الشهرين الأخرين حوادث إرهابية هي الأعنف في السنوات الأربعة الماضية في المواجهات المستمرة مع الجماعات الجهادية التي تواجهها الأجهزة الأمنية المصرية، علي أكثر من صعيد سواء فى سيناء، أو فى الحدود الغربية، أو في جنوب مصر، حيث ظهرت بؤر إرهابية حديثة هناك.

وكان حادث مسجد الروضة بسيناء هو الأعنف في هذه المواجهة حيث هو الحادث الإرهابي الأول الذي يستهدف مسجدا فى مصر كما أنه أدي لاستشهاد العدد الأكبر من المدنيين فى تاريخ البلاد علي أيدي الجماعات الإرهابية ويكفي أن نشير إلي أن عدد الشهداء فى مسجد الروضة أكبر من عدد الشهداء الذي قتلوا فى مصر منذ يناير الماضي وحتي اليوم “310 شهيد مقارنة بـ 291 شهيد قبل الحادث في 261 عملية إرهابية”.

 كانت هذه الضراوة دافعا لضرورة البحث بجدية حول الجيل الثاني لقيادات الجماعات الجهادية في مصر من “حسم مرورا بالجماعات المرتبطة بالقاعدة وحتي داعش” ولكن الأكثر خطرا هو الجيل الجديد من الجهاديين الأجانب القادمين لمصر من مناطق تمركز تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام بعد هزيمته وخاصة قيادات التنظيم التي خرجت من الرقة.

 ففي أكتوبر الماضي جري عقد اتفاق بين التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وقوات سوريا الديموقراطية من جانب وتنظيم داعش من جانب آخر بوساطة “مسؤولين محليين” علي خروج عناصر التنظيم وعائلاتهم من الرقة “عاصمة خلافتهم” بحافلات إلي مناطق أخري سواء داخل سوريا أو السماح لهم بالهرب خارجها إلي تركيا ثم العودة لبلادهم الأصلية.

هذا الاتفاق كشفت تفاصيله وكالات أنباء كبري ووسائل إعلامية كـ”بي بي سي”، وأيضا المرصد السوري لحقوق الإنسان وغيرها كما اعترفت به قوات سوريا الديموقراطية والتحالف الدولي لمواجهة “داعش” الذي تقوده الولايات المتحدة لاحقا، وإن كانت واشنطن قد ذكرت أنها لم تكن ترغب بخروج مسلحي داعش “الأجانب”.

 وينتمي مسلحوا “داعش” الأجانب الذين خرجوا ضمن الاتفاق لعدة جنسيات منها “تونس ومصر والشيشان وفرنسا وليبيا”، وغيرها من دول أسيوية وأوروبية وإفريقية.

 وكشف مهربون علي الحدود السورية التركية والذي يشرفون علي تهريب السوريين والأجانب إلي تركيا عبر  أسلاك الأسيجة وتسلق الجدران والجري من خلال الأنفاق المؤدية إلي تركيا فى تحقيق نشرته قناة “بي بي سي بعنوان “مهمات الرقة السرية” عن أنهم ساعدوا الكثير من الراغبين فى الهروب من سوريا وفي الأيام التي تلت الاتفاق بين داعش والقوات الكردية فى أكتوبر الماضي وذكروا أن هناك زيادة كبيرة فى عدد الراغبين فى الهروب أغلبهم من الأجانب.

 تركيا تعزي مصر وتنكس إعلامها وتلمح لمعلومات هامة بحوزتها

 بعد الحادث الإرهابي الذي استهدف مسجد الروضة بسيناء ظهر موقف مفاجيء للحكومة التركية التي لم تكتفي بالتنديد بالحادث في بيان بل جاء التنديد من أعلي هرم السلطة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسبقه بالتنديد رئيس الوزراء بن علي يدليريم ثم أعلنت تركيا الحداد ليوم واحد ونكست الأعلام فى الداخل وفي بعثاتها الدبلوماسية فى الخارج فى تضامن مع مصر.

ولكن وعلي غير المتوقع أعلن أردوغان فى خطاب للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية أن عناصر داعش الذين غادروا الرقة أرسلوا إلي سيناء مضيفا “قادة داعش وكلت لهم مهام جديدة بسيناء سنعرف هذه المهام خلال الفترة القادمة”.

 وجاء حديث أردوغان حول أن بلاده “ستعرف المهام التي ستقوم بها عناصر داعش بسيناء ” لتشير إلي أن تركيا لديها معلومات قيمة حول خطط تنظيم داعش في المناطق التي أعاد التنظيم انتشاره فيها من واقع اعتقال السلطات التركية علي عدد من القيادات المهمة لدي التنظيم والتي لديها معلومات فى غاية الأهمية والخطورة.

 ومن هذه القيادات البارزة بداعش أبو مصعب حذيفة، الذي كان واحدا من أشهر قياديي التنظيم في الرقة، بوصفه رئيسا لجهاز المخابرات التابع للدولة الإسلامية والذي اعتقله الجيش التركي خلال محاولته الهرب عبر الحدود السورية التركية بعد اتفاق أكتوبر بين تنظيم داعش ووحدات الحماية الكردية فى الرقة.

كما أن الأجهزة الأمنية التركية لديها معلومات واسعة من خلال قواتها علي الحدود التركية السورية وعلاقاتها بالمهربين علي هذه الحدود وعن طريقهم لديها سجلات كبيرة عن عناصر التنظيمات الجهادية التي سعت للهرب إلي تركيا بعد “اتفاق الرقة” وقد قامت الحكومة التركية بالقبض علي بعض هذه العناصر فيما تغافلت عن هروب العشرات منهم خوفا من تشكيلهم خطر عليها وتسعي لاستغلال هذه المعلومات فى مقايضاتها مع الدول الغربية والعربية فى القضايا التي تهمها.

ولا ننسي أن أنقرة كانت المعبر الرئيسي لدخول العناصر الأجنبية للتنظيمات الجهادية السورية بعد اشتعال الثورة فيها حيث كانت الحدود التركية السورية شبه مفتوحة لدخول هذه العناصر ولكن لدي الحكومة التركية خريطة واسعة عن الذين اخترقوا الحدود السورية وانضموا للتنظيمات الجهادية هناك.

سياسات عدائية تركية

اتخذت تركيا سياسات عدائية تجاه القاهرة منذ عام 2013 حيث تجاوزت الخط الفاصل بين احتواء معارضين سياسيين وتوفير ملاذات آمنة لقيادات ومراجع فكرية لتنظيمات إرهابية فى مصر حيث سمحت أنقرة لمتهمين بقيادة اللجان النوعية المسلحة لجماعة الاخوان ومؤسسي تنظيم حسم المتورط فى تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالتحرك بحرية فى تركيا والمشاركة فى دعم وقيادة التنظيمات الموجودة بالقاهرة ومن أبرز قيادات اللجان النوعية المسلحة علاء علي السماحي ويحي موسي. 

وقد سعت القاهرة للضغط علي تركيا لوقف تقديمها الملاذات الآمنة للمتورطين فى قضايا الإرهاب بالقاهرة إلا أن أنقرة غضت الطرف عن قيادات هذه المجموعات وهو ما جعل القاهرة تعمل علي عدة محاور أملا فى أن تخضع أنقرة للشرعية الدولية فى عدم دعم أو توفير الملاذات للتنظيمات الإرهابية.

تحرك مصري باتجاه اليونان وقبرص

شعرت تركيا بتهديد من التقارب المصري اليوناني القبرصي الذي نتج عنه 5 قمم كان آخرها الشهر الماضي وتأتي في مقدمة القضايا التي تهتم بها الدول الثلاث ثروة الغاز فى شرق المتوسط إضافة إلي قضايا أمنية أخري وجري تدشين هذه التعاون الثلاثي فى عام 2014.

وأدت مناوراة بحرية قامت بها مصر واليونان بين أكتوبر ونوفمبر قرب سواحل جزيرة روديس إلي استفزاز أنقرة بصورة كبيرة دفعها إلي تقديم احتجاج للخارجية اليونانية زاعمة انه يخالف القانون الدولي وأصدرت الخارجية التركية بيانا دعت فيه القاهرة – دون أن تسمها مكتفية بوصفها “الجهات الثالثة في المناوراة – إلي عدم مشاركة اليونان فيما اعتبرته انتهاكات بالقرب من سواحلها.

ودفعت القمم الثلاثية المصرية اليونانية القبرصية والمناوراة البحرية المشتركة بين البلدين إلي تراجع تركي فى سياساته تجاه اليونان وأعلن الرئيس التركي عن سعيه زيارة اليونان فى السابع من ديسمبر الجاري فى أول زيارة لرئيس تركي لليونان منذ عام 1952.

وهنا يبدو ان أوراق الضغط التي عملت عليها القاهرة علي مدي سنوات قد بدأت تؤتي ثمارها فالتعاون الكبير بين مصر وموسكو فى عدد من القضايا المشتركة ومنها القضية السورية والليبية وكذلك التقارب مع اليونان مع ما يمثله من ضغط علي أنقرة فى البحر المتوسط والصراع فى بحر إيجة والقضايا المرتبطة بحقوق الغاز فى شرق المتوسط إضافة إلي قضايا أخري قد تدفع تركيا إلي التعاون مع القاهرة وتخفيف حدة التوتر بين البلدين.

وتأتي أولوية القاهرة فى العلاقات مع تركيا فى هذه المرحلة أمنية حيث يوجد لدي أنقرة معلومات أمنية ثمينة حول قيادات تنظيم داعش والتي فرت من الرقة إلي الداخل التركي ومنه سافرت إلي بلدانها الأصلية أو إلي وجهات يعتبرها التنظيم ملاذات آمنة.

وكشفت قيادات من تنظيم الدولة الإسلامية عن هروب عناصر من التنظيم إلي أوروبا بعد صفقة الرقة لتنفيذ عمليات إرهابية هناك كما سافرت عناصر من التنظيم من تركيا إلي السودان عبر الطائرات ومن الخرطوم اتخذت الطريق البري إلي ليبيا.

وفي ليبيا تستخدم عناصر تنظيم الدولة السواحل الليبية للفرار إلي أوروبا أو الدخول إلي الأراضي المصرية عبر الحدود المشتركة للانضام إلي تنظيم ولاية سيناء.

وأظهرت شهادات لناجين من حادث مسجد الروضة الإرهابي عن سماعهم أصوات غير مصرية من العناصر التي هاجمت المسجد، وفي ضوء معلومات سابقة عن نجاح القوي الأمنية المصرية فى القضاء علي قيادات الصف الأول فى تنظيم ولاية سيناء، فيبدو أن التنظيم أصبح يسيطر عليه العناصر الأجنبية القادمة من مراكز قيادة الدولة الإسلامية فى سوريا والعراق وتظهر الدموية فى استباحة دماء المئات من المصريين فى سيناء، إلي أن التنظيم المرتبط بداعش أصبحت قيادته من العناصر غير المصرية والتي نقلت ممارساتها من استهداف المساجد من سوريا والعراق إلي القاهرة.

ووسط تلكؤ تركيا فى إمداد حلفائها فى “الناتو” بمعلومات عن قادة داعش الفارين من أنقرةلابتزازهم بقضية أكراد سوريا يبدو أن القاهرة فى حاجة لممارسة ضغوط عبر أدواتها وسياساتها التي راكمتها علي مدي سنوات من أجل مشاركة أنقرة للقاهرة للمعلومات الثمينة التي لديها عن الفارين من الرقة فى سوريا إلي السودان أو تونس عبر المطارات التركية.

محمود هاني

صحفى مصرى متخصص فى الشئون السياسية والقضائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *