توب ستوريمقالات

أحمد فؤاد الدين يكتب: عما هو أكبر من انحناءة الخطيب

أحمد فؤاد الدين

لم تكن انحناءة محمود الخطيب لمستشار محمد بن سلمان مجرد تعبير عما يؤول إليه أكبر نادي فى المنطقة العربية وفي مصر، بل كانت مجرد مؤشر آخر عن نية السعودية المبيتة للسيطرة على الوطن العربي عبر كل الوسائل المتاحة، ربما أخطرها هو محاولاتها للسيطرة على القوى الناعمة في المنطقة العربية بداية من كرة القدم والفن لا لأي سبب غير دور ما تخطط له المملكة يبدو أنه سيحتاج تضافر كل الجهود الممكنة من أجل تمريره.

القوى الناعمة

تفسر القوى الناعمة في علم السياسة أنها نهج مقنع للعلاقات الدولية ينطوي عادة على استخدام النفوذ الثقافي والاقتصادي من أجل فرض سياسيات محددة تخدم الدولة في مناطق خارج سيطرتها السياسية.
وتسهم القوى الناعمة في رسم صورة ذهنية جيدة عن الدول أو المؤسسات يمكن الاستفادة منها عند تمرير قرارات أو مشروعات لا تلقى قبول عريض لكن تمر في النهاية.

وفي الوطن العربي تتنوع أشكال القوى الناعمة، وظلت مصر لسنوات طويلة صاحبه أكبر تأثير من هذا النوع لكونها مركز عربي لكل النشاطات الثقافية والفنية وحتى الاقتصادية في بعض الفترات، بدء العمل على تطوير تأثير القوى الناعمة المصرية منذ عهد جمال عبد الناصر، الذي رأي أن السيطرة العسكرية ربما لن تكون أقصر الطرق أو أسهلها لفرض معتقداته على الوطن العربي، بل ودول إفريقيا، فشرع في تنفيذ مشاريع كان الهدف الأساسي منها أن تبقي الصورة الذهنية عن مصر مثالية في عيون العرب والأفارقة، فكانت إذاعة صوت العرب المصرية واحدة من أهم أدوات التأثير الجماهيري في الوطن العربي كله، حتى أن الخلافات المصرية العراقية كان مرهون حلها بتوقف إذاعة صوت العرب عن تخوين القادة العراقيين، فيما تكفلت هيئة الإذاعة نفسها ببث إرسالها بأكثر من ٥٠ لغة، كان أهمها على الإطلاق البث السواحيلي للغة التي يفهمها معظم مواطني وسط وجنوب إفريقيا، حتى وصل عدد مستمعي هذه الإذاعة إلى أكثر من ٥٠ مليون مستمع، وعندما بدأن هيئة الإذاعة البريطانية بثها بالسواحيلي للمرة الأولي واجهت منافسة شرسة للغاية من الإذاعة المصرية التي كبدت الإنجليز خسائر ضخمة، حتى أصبحت اليوم الخدمة الإفريقية للهيئة هى واحدة من أهم الخدمات التي تقدمها الشبكة الإنجليزية العريقة واستبدلت البث المصري بعد سنوات من العمل ولتراجع اهتمام الساسة المصريين بإفريقيا بداية من أنور السادات وحتى اليوم.

وبالمثل استخدمت الأساليب الاقتصادية لتعزيز القوى الناعمة المصرية فقامت شركة المقاولون العرب بإنشاءات ضخمة في مجالات الطرق والبناء في إفريقيا لتعزيز الصورة الذهنية الجيدة عن المصريين في تلك البلاد، وهو المجهود الذي توقف واستبدل اليوم بالصين التي تعمل على تعزيز صورتها الذهنية في الدول الفقيرة، وخاصة التي لا تعمل فيها الولايات المتحدة ولا يهتم بها الغرب بشكل كبير، فأصبحت معظم مشاريع البنية التحتية حكر على الصين التي استعملت هذا النفوذ في تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، وأيضًا كتمهيد لدخولها للسياسة الدولية إن أجلًآ أو عاجلًا.

وكما ساهمت الإذاعة في تعزيز القوي الناعمة المصرية ساهم الفن والدراما والرياضة في ذلك أيضًا، وهى المجالات التي بدأت تشهد منافسة غير مفهومة من المملكة العربية السعودية والتى بدأت فور تولي محمد بن سلمان ولي عهد المملكة الحكم الفعلي بعد أن ترك والده كواجهة فقط لسياسات تواجه استغراب أكثر ما تواجه الانتقاد، وربما لن يتحول الاستغراب إلى انتقاد إلا بعد فوات الأوان.

محمد بن سلمان

قد تكون حزمة القرارات السياسية والاقتصادية التي أعلنت عنها المملكة هي مجرد بداية للشكل الذي يراد للمملكة أن تكون عليه، تحرر اقتصادي جزئي، تنويع في النشاطات الاقتصادية، تحرر ثقافي جزئي مصحوب ببعض الاستحقاقات البدائية للنساء في المملكة.

لكن الأكيد أن هذه القرارات ليست إلا بداية لما هو قادم، والذي لا يبشر دائما بالخير، فيبدو أن المملكة ومن يديرها قد قرر أن يفرض سيطرة على العالم العربي في كل جوانبه، بداية من شن الحروب (اليمن)، المقاطعة والحصار (قطر)، التدخل السياسي في دول الجوار (لبنان)، الترهيب واستخدام القوى الاقتصادية (مصر، البحرين) وهي مجموعة من الوسائل التي لم يشهدها الوطن العربي تخرج مرة واحدة من أي دولة، خاصة المملكة التي كانت سياستها الخارجية بالأساس تدور في فلك معاداة إيران بخلفية دينية، لكن ورغم جرأة ما نراه فإن القادم أكبر وربما أسوأ، فلذلك بدأت المملكة في العمل على تعزيز فرص تمرير قرارات مماثلة أو أكثر تعقيدًا من السيطرة على القوى الناعمة في الوطن العربي وتحويلها لتعمل لمصلحتها.

الرياضة

منذ عامين تقريبًا والمملكة السعودية تخطط لأن يتحول الدوري السعودي لأهم دوري في الوطن العربي، وهو طموح مشروع، فالحقيقة أن هناك فقط دوريين يمكن أن يناولوا هذه الصفة، الدوري السعودي بما فيه من مال وتنافسية وجماهيرية، والدوري المصري الذي يعاني بكل الطرق الممكنة.
لكن يواجه الطموح السعودي أزمة كبيرة، فثلث الوطن العربي تقريبًا من مصر (١٠٠٠ مليون مواطن) يتابع من يتابع فيهم الدوري المصري دون أى اهتمام بالدوريات العربية الأخري بالإضافة للدوريات الأوروبية، فكان الحل الأول في تحويل اهتمام المصريين بالدوري السعودي عبر سلسلة من الاعارات التي نقل فيها عشرات اللاعبين المصريين ممن لهم جماهيرية كبيرة للدوري السعودي وفي أندية مختلفة ولأسباب سياسية قبل أن تكون رياضية، فتم دفع مبالغ كبيرة للفرق المصرية التي تعاني من قرار عدم حضور الجماهير لمبارياتها بالتالي تأثر دخلها بشكل ما، وأصبحت المواقع ووسائل الإعلام المختلفة مجبرة على متابعة أخبار اللاعبين المصريين، فصارت نشرة الدوري السعودي جزء لا يتجزأ من المحتوى اليومي المقدم في خطوة كبيرة لتحويل اهتمام الجمهور المصري للدوري السعودي.

خطوات أكبر وأكثر راديكالية

لم تتوقف الخطوات السعودية عند إعارة اللاعبين المصريين للأندية السعودية، فمازالت أندية الأهلي والزمالك في مصر لا تتمتع فقط بشعبية جارفة في مصر، لكن هي فقط التي تمتلك شعبية حقيقية في الدول العربية بالإضافة للجالية المصرية الكبيرة الموزعة في الوطن العربي، فأصبح لزامًا على السعودية أن تجد طريقة لاستبدال هذه الشعبية أو ربطها بالمملكة وهو الخيار الذي تحركت فيه المملكة في صورة تركي آل شيخ مستشار محمد بن سلمان والمسئول الأول عن الرياضة في المملكة.

تركي آل شيخ

صاحب الستة وثلاثين عامًا وخريج كلية الملك فهد الأمنية، يعمل مستشارًا لمحمد بن سلمان ويكتب الشعر والأغاني بالعربية الفصحى، اللهجة السعودية وللغرابة باللهجة المصرية أيضًا، تكمن أهمية تركي في أنه الواجه التي تتحكم بها المملكة في الرياضة بشكل عام في السعودية وحاليًا في مصر أيضًا، ويقال أنه يتحكم اليوم في كل القرارات الخاصة بشبكة إم بي سي السعودية التي سجن صاحبها الوليد إبراهيمي لفترة قصيرة في اهتهامات بالفساد يبدو أنها أنتهت بتخليه عن واحدة من أكبر الشبكات التلفزيونية في الوطن العربي.
بدأ صعود تركي في المشهد المصري الرياضي بعد فوز محمود الخطيب بانتخابات النادي الأهلي، التي شهدت صرف المرشحين الرئيسين فيها لملايين الجنيهات للفوز بمقعد الرئاسة للنادي الأعلى شعبية في مصر وربما الوطن العربي، ورغم القدرات المالية غير المحدودة لمحمود طاهر الرئيس السابق للنادي الأهلي والمرشح الخاسر ، فإن علامات الاستفهام بدأت تظهر سريًعا عندما وجد الجميع أن قدرات الخطيب المالية لم تكن أقل من نظيره، وعلت لافتات التأييد والإعلان عن حملته أهم ميادين مصر وسخرت كل السبل الممكنة لفوز رجل يحظى بشعبية جماهيرية كبيرة بالأساس كونه واحد من أهم لاعبي النادي الأهلي ومصر.

فور أعلان فوز الخطيب بدأ تركي في الظهور في مصر، وفؤجي الإعلام بتقديم الرجل السعودي لهم وإعلان الخطيب منحه الرئاسة الشرفية للنادي الأهلي وهو أمر لا يحدث كثيرًا ولم يناله تقريبًا أي مصري من قبل، وبعد الإعلان عن رئاسته الشرفية للنادي الأهلي أصبح تركي اسم مفروض على الإعلام في كل ما يتناوله عن النادي الأهلي، فكل صفقة يبرمها النادي يظهر معها اسم الشاب السعودي، وعندما لم يظهر اسمه عند تعاقد النادي الأهلي مع مهاجم نادي إنبي الشاب صلاح محسن، أعلن تركي غضبه من إدارة النادي الأهلي وقال أنه من تحمل التكلفة الكاملة للصفقة ثم تمت دعوته للحضور إلي مصر مرة أخري أثناء لقاء جمع بين فريق النادي الأهلي وفريق نخبة من لاعبي السعودية في اعتزال لاعب سعودي، وهنا ظهرت اللقطة الشهيرة لانحناء الخطيب تجاه تركي أثناء متابعتهم للمباراة، التي حملت أكبر من قدرها في الإعلام.

يمكن بسهولة أن يتم إعاز تدخل تركي في شأن النادي الأهلي بحبه المجرد لأكبر نادي في العالم العربي، لكن لأن الطموح السعودي أكبر من أن يكون حذر أو مرتب فإن تركي نفسه يدعم نادي الزمالك المنافس الرئيسي للأهلي بل وفي نفس اليوم الذي أعلن عن تحمله تكلفة صفقة اللاعب الجديد للنادي الأهلي أعلن مرتضي منصور رئيس نادي الزمالك أن تركي نفسه تحمل كامل تكلفة صفقة انتقال اللاعب التونسي حمدي النقاز لصفوف الفريق الأبيض!

واقع ما يفعله تركي آل شيخ أكبر من مجرد دعم نادي أو ناديين جماهيريين في مصر، فالأمر وصل بالشاب السعودي لانتقاد أعضاء النادي الأهلي وهو أمر لم يشهده النادي الأحمر طوال تاريخه، فحتى رئيس النادي لم يجرؤ أبدًا على انتقاد أي من أعضاء مجلس الإدارة، فيما خرج تركي لينتقد بعض أعضاء مجلس الإدارة لأنهم غير راضيين عن تدخله في النادي ولا يمنحوه على حد قوله المديح الكافي عن المجهود الذي يبذله.

ما يحدث أكبر بكثير من إنحناءة محمود الخطيب لشاب سعودي ساقته الظروف ليكون واجهه لشاب آخر أكثر طموحًا، ما نراه اليوم هو عمليًا سلب ممنهجه لمفاتيح القوى الناعمة المصرية التي بنيت على مدار عقود طويلة وكفلت للدولة المصرية القدرة على التدخل ولعب دور كبير في تشكيل سياسات الوطن العربي والمحافظة على استقراره لعقود أطول، الآن يتم ترك كل ما أنجز لشاب سعودي يتوارى خلف صورة والده لم يتعلم خارج المملكة كأخوته، يسجن أقاربه، ويجبر معارضيه على التنازل عن ثرواتهم، ويجبر حتى حلفائه على قرارات لا تفيد أي طرف ويشن حملات مقاطعة أو حصار على جيرانه ويخرج للإعلام الأمريكي ليعلن عن خططه للمستقبل بالانجليزية قبل حتى أن يعرف عنها شعبه أي شيء.

عندما سأل أحد الصحفيين مدرب منتخب روسيا عن قرعة كأس العالم التي أوقعت بلاده مع منتخبي مصر والسعودية رد “لا أعرف منتخب السعودية، لكني أعرف محمد صلاح لاعب المنتخب المصري”.

محمد المحلاوي

صحفى مصري يهتم بالشأن الداخلي والأحداث السياسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *