صبري الديب يكتب: قانون “اغتيال الصحافة والإعلام”

لا أدرى لماذا لا يريد النظام فى مصر استيعاب دروس الماضى، وإدراك أن الصحافة لا تمثل الوجه القبيح والمتأمر ضد الدولة، وأنها بكل ما تحتوية من تجاوزات، تمثل عين النظام والحكومة التى لا  ترى بها، وتكشف عن كل حميد وخبيث داخل المجتمع ـ ليس بهدف التأمر ـ ولكن بهدف الإصلاح والوصول إلى ما هو أفضل لصالح الشعب.

فقد طرحت الحكومة على البرلمان منذ أيام، قانون لـ”تنظيم عمل الصحافة والإعلام” سوف يتم تمريره وسلقه وفرضه جبرا خلال الأيام القليلة القادمة، يضرب الصحافة وكل وسائل الإعلام فى مقتل، ويفرض قيود على حريتها، ويحولها إلى مجرد نشرات حكومية لا تقدم ولا تؤخر، ويحجب أى صوت معارض، ويفرض على العاملين بالمؤسسات الصحفية وصايا من خلال مجالس إدارات من خارجها، ويجعل من الصحفيين مجرد موظفين مكبلين لا رأى لهم، ويعطى المجلس الأعلى للإعلام الحق فى مراقبة وإغلاق الصحف والمواقع وحتى صفحات مواقع التواصل الاجتماعى.

ولعل الغريب فى أمر الحكومة، أنها لم تكلف خاطرها مجرد عرض القانون على نقابة الصحفيين، الممثل الشرعى والطبيعى للصحفيين فى مصر، ضاربة بالدستور المصرى عرض الحائط، والذى نص فى المادة رقم “77” على “ضرورة أخذ رأي النقابات المهنية في مشروعات القوانين المتعلقة بها” وفضلت عرض القانون على البرلمان بصيغته المشبوهة، التى تقلص وفقا لنص “المادة 39” من عدد أعضاء مجلس الإدارة فى كل مؤسسة صحفية إلى 13 عضوا فقط “يتم تعيين نصفهم من خارج المؤسسة”.

وفى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ الصحافة القومية، يقلص القانون من تمثيل الصحفيين فى مجلس الإدارة إلى “صحفيين اثنين فقط” كما يقلص عدد أعضاء الجمعية العمومية لكل مؤسسة صحفية إلى 17 عضوا فقط “يتم تعيين 11 عضوا منهم من خارج المؤسسة” ويقصر عدد الصحفيين أيضا فى الجمعية على “صحفيين اثنين فقط” بعد أن كانت الجمعيات العمومية فى المؤسسات يصل عدد أعضائها إلى 35 عضوا بينهم 20 صحفيًا على الأقل.

 

كما منح القانون بموجب المادتين “15 و 35” الهيئة الوطنية للصحافة، سلطة الإدارة المباشرة والسيطرة على كل مجالس الإدارات والجمعيات العمومية، بحيث لا تمتلك أى منها سلطة اتخاذ أيه قرارات مهمة إلا بعد موافقة الهيئة، الذى منحها القانون أيضا الحق فى تحصيل 1% من إيرادات ـ وليس أرباح ـ المؤسسات، وجعل من رئيسها رئيسا لكل الجمعيات العمومية للمؤسسات.   

 

وفى تعد صارخ على حرية الرأى والتعبير التى كفلها الدستور، أعاد القانون فى مادته رقم “٢٩” عقوبة “الحبس الاحتياطي في قضايا النشر” بعد أن تم إلغاؤه منذ سنوات، كما منح فى مادته رقم “١٩” المجلس الاعلى للإعلام الحق فى مراقبة وحجب ووقف الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي التي يزيد عدد متابعيها عن خمسة آلاف شخص، وعزز ذلك بكلمات فضفاضة وغير دقيقة فى المادتين “4 و 5″ يمكن بموجبها حجب اى صحيفة أو موقع أو صفحة هلى مواقع التواصل الاجتماعى مثل”بث الكراهية، والتحريض، وتهديد الديمقراطية، والمواد الإباحية” وغيرها من الكلمات التى يمكن تفسيرها طبقا لهوى السلطة.

 

وفى تعد صارخ على قانون وسلطات نقابة الصحفيين، منح القانون للمجلس الأعلى للإعلام فى مادتة رقم “30” الحق فى توقيع عقوبات على الصحفيين، على الرغم من أن قانون نقابة الصحفيين يقصر عملية تأديب الصحفيين على النقابة فقط.

 

كما أوقف القانون طبقا لـ “المادة 5” مد العمل للصحفيين فوق سن الـ 60 عاما، كحق طبيعى لهم مثلما هو معمول مع فئات أخرى مثل القضاه، وجعل سلطة المد مطلقة فى يد الهيئة الوطنية للصحافة، وتخضع لمعاير مزاجية وأهواء شخصية، لمن أسماهم القانون “خيرات نادرة” متجاهلا “المد الوجوبى” لسن المعاش للصحفيين إلى 65 عاما، كما تجاهل القانون أيضا الحديث عن مكافأة نهاية الخدمة للصحفيين المعمول بها حاليا “شهر عن كل سنة” مثل كل الفئات، وتجاهل أيضا مجرد الإشارة إلى “الكادر المالى للصحفيين” مكتفيا بالحديث عن تطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، لفئه تعلم الحكومة جيداً انها تحولت خلال السنوات الآخيرة ـ عن عمد من كل الأنظمة السابقة ـ إلى أكثر الفئات المطحونة فى المجتمع المصرى.

 

القانون فى مجملة يعد بالفعل كارثة على الصحافة والصحفيين، ويطيح بكل المكتسبات والحريات التى ناضلت الجماعة الصحفية لانتزاعها قبل سنوات، وسيعود بنا لسنوات إلى الوراء، وسيضع مصر فى حرج أمام العالم الذى طوى منذ سنوات صفحات قصف الأقلام، وفرض الوصايا على الإعلام، وهو ما أتمنى أن تضعه الحكومة والبرلمان أمام أعينهم، قبل الموافقة على قانون “اغتيال الصحافة والإعلام”.

 

الوسوم
إغلاق