مقالات

دكتور جمال مصطفى سعيد يكتب: حادث القرنية.. ورأى مختلف

غاشتاط الناس غضبا عندما رأوا صورة فوتوشوب قيل عنها إنها لمتوف نزع الأطباء عينه وأنسابت الدماء على وجهه وذلك للحصول على قرنيتة لزرعها لمريض أعمى والموضوع ليس بهذه السطحية.

تخيل ياعزيزى أن لديك كاميرا غالية الثمن وفائقة الجودة ووضعت أمام عدستها قشرة بصل رقيقة للغاية لكنها بالطبع معتمة، ستنقلب الكاميرا إلى صندوق صامت لا فائدة ولاقيمة له.

هكذا هى الحال عندما تصاب القرنية بعتامة يصبح عندها المريض أعمى رغم أن جهاز الإبصار عنده فى كامل كفائته ولياقته وفقط يحتاج إلى من يزيل عنه هذه العتامة الرقيقة فى القرنية وإستبدالها بأخرى شفافة فيتحول من أعمى إلى مبصر فى عملية تتم بمخدر موضعى ولا تستغرق أكثر من نصف ساعة.

تخيل سيادتكم مرة ثانية إنكم هذا المريض المسكين، وتخيل أيضا أنه من رحمة الله وكرمه يوجد متوف حديثا من الممكن أن تؤخذ منه هذه الطبقة الرقيقة دون المساس بعينه أو تحريكها من مكانها ..بشرط أن يتم ذلك قبل تحللها خلال ساعات واختفائها إلى الأبد.

هذه الطبقة الرقيقة لاتؤثرعلى عين المتوف فلو إفترضنا جدلا أنه سيعود للحياه مرة أخرى فسوف لا يتأثر بصره بما حدث وسيرى تماما كما كان قبل أخذ هذه الطبقة الرقيقة والسطحية من القرنية. والقرنية لا دم فيها لأن لها نظام تغذية خاص بها وبالتالى فإن الصورة التى إنتشرت على الفيسبوك وتسببت فى كل هذه الضجة صورة مصطنعة لإثارة الرأى العام وقد وقعنا جميعا فى هذا الفخ.

والسؤال هنا: هل يحتاج ازالة الطبقة السطحية من قرنية المتوف حديثا والتى لا يزيد سمكها عن جزء من الملليمتر إذنا من المتوف أو أهله؟  الأجابة المنطقية التى تغلب عليها العاطفة هى نعم ..لكن الأجابة العلمية فى منطق الأطباء هو لا …لماذا؟

لأن المتوف لم يتأثر أو يتضرر بإزالة هذه الطبقة الرقيقة ولأن القرنية ليست عضوا بل نسيجا وبالتالى فهى لاتخضع لقانون زراعة الأعضاء الذى يحترم الأطباء بنوده.

والحقيقة أنه يجب توجيه الشكر للأطباء وليس التحقيق معهم لأنهم يؤدون خدمة مجانية لا يتقاضوا عنها أجرا فى عملية بسيطة يتحول فيها الأعمى إلى مبصر بنعمة من الله، يضاف إلى ذلك أن هذه العملية لا تجرى إلا فى مستشفى حكومى وحيد هو القصر العينى وتجرى لمرضى فقراء لا يمتلكوا أموالا لعمل هذا الأجراء – ولن أسميه عملية- على حسابهم الخاص، مع العلم أن المستشفيات الخاصة تستورد القرنيات من الخارج بآلاف الدولارات ومعها أيضا أمراضا خطيرة مثل الأيدز والألتهابات الفيروسية الخطيرة والالتهاب الكبدى الفيروسى سى ، فالدول المصدرة لها أهداف خفية تتسلل بها عبر هذه القرنية.

محمود هاني

صحفى مصرى متخصص فى الشئون السياسية والقضائية