ينزعج من كلمة “خواجة”.. قصة أقدم أرميني حفظ أسرار الإسكندرية

في أحد أعرق شوارع الإسكندرية التاريخية، وفي محيط واحدة من أهم المسارح ودور الأوبرا في مصر وهى أوبرا الإسكندرية “مسرح سيد درويش”، يقع محل أحذية يملكه شخصًا من بين أقدم الأرمن المصريين، فهُناك في مُنتصف شارع فؤاد، يقف عجوزٌ أمام فاترينة محله الشبه فارغة، ينظر على المارة وعينه بها عشرات الأسئلة.

نوبار إدوارد، مصري أرميني وُلد بالإسكندرية في أربيعينات القرن الماضي لأب وأم وُلدوا أيضًا في مصر، وله من الأخوة إثنين، لم يُكمل تعليمه فخرج من المدرسة بعد المرحلة الإعدادية وبدأ العمل مع والده.

بعيون تملؤها الحزن يروي نوبار حكايته لـ”القاهرة 24″، فيقول أنه كان يريد العمل في سوق الأحذية ولكن والده أراد إدخاله عالم الطباعة، فظل في هذا المجال لسنوات عديدة، حتى عاد إلى محل والده من جديد، ليستكمل العمل في المحل القديم العريق في شارع فؤاد التاريخي.

وأضاف نوبار أنه قدم تضحية قاسية في حياته، إذ سافر أخوته الأثنين إلى كندا وبقي هو مع والده المُسن كي لا يبقى بمفرده، حتى مات الأب والأم وأصبح نوبار وحيدًا، ليس له من الأصدقاء سوى قلة لا تذكر بعد أن مات أصدقاءه وفارقه أحباءه، لم يتزوج نوبار فالحياة دائمًا ما كانت تحرمه من كل شئ يريده، بدءًا من العمال فيما يحب ثم من السفر ثم إجباره على حياة واحدة ثم البقاء وحيدًا في تلك الحياة.

ويرفض نوبار التعليق على الإسكندرية أو وصف التغييرات بها، يمكنك أن ترى الدموع تتساقط زخات من قلبه، إذ يرى أنه لم يعد بإسطاعته رصد أي تغيير يحدث في الإسكندرية، فكل 5 دقائق يتغير شيئًا ما في الإسكندرية.

أسترجع العجوز ذو الشعر الأبيض واللكنة “الخواجاتي” والنظارة الكبيرة، ذكريات طفولته وشبابه في الإسكندرية، حيث كان بمدرسة المنار المشتركة بالإسكندرية، وكان يتردد مع أصدقائه وصديقاته إلى الأندية ويعدون مسرحيات وإسكتشات وحفلات، حيث كانت النوادي مركزًا رياضيًا وفنيًا متكاملًا.

وأضاف أن عدد الأرمن آنذاك كان حوالي 30 ألف بالإسكندرية و120 ألف في مصر، بينما وصل العدد الأن إلى 500 أرميني بالإسكندرية و4000 في مصر تقريبًا.

ولأنه من المدرسة القديمة في كل شئ فالعجوز المصري الأرميني، يرفض التخلي عن تراثه أبدًا، فلازال محله ملئ بكراتين الأحذية النسائية المصرية الصنع، فالعجوز يرفض الأحذية المستورة، رافعًا شعار: “الصناعة المصرية أضمن واللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش”، مشيرًا إلى أنهم كانوا يصنعون الأحذية بورشتهم الخاصة ولكن تم إغلاق الورشة الخاصة بهم، وأصبح غالبية العاملين بورشتهم القديمة، أصحاب مصانع وورش وبدأوا في توريد الأحزية لمحل نوبار.

يضع نوبار يده خلف ظهره دومًا، وكثيرًا ما يتجنب النظر في عينك حينما تسأله عن الإسكندرية، يتجنب الكشف عن أسرارها، فهو أرميني صلب يخشى البكاء أمام الناس، كل ما يخشاه نوبار أن يموت دون أن يعلم أحد، على حد قوله لـ “القاهرة 24″، يمل من حياته الأخيرة إذ يتفح محله من الصباح وحتى الثانية ظهرًا ثم يذهب لمنزله ويعود لمحله في تمام السادسة مساءًا، لعله يتناول وجبة الغذاء أو يستلقي على سريره يداعب ذكرياته وأمنياته.

رجل أجتمع جيرانه على أنه من أعلام شارع فؤاد، فقد يكون الأقدم بين كل الموجودين في الشارع الأن، محله يقف شامخًا وسط حشود من المحلات بديكورات وإضاءات ولافتات عصرية، ولكنه يكتفي بلمبة واحدة داخل فاترينة بها أزواج أحذية معدودين على أصابع اليدين، أجمعوا جيرانه على عدم إختلاطه بأحد فـ”الخواجة” على حد وصفهم له، يقدم العوم لمن يطلبه فقط، وهذا ما أكد عليه نوبار الذي أخبرنا أنه ينزعج من كلمة “خواجة” لأنه وُلد مصر وسيموت مصري.

الوسوم
إغلاق