مأساة طارق شوقي

بأدائه الأنيق ولغته المنمّقة وطابعه العلمى، بدا الدكتور طارق شوقى كمستشرق أوروبى سيقع فى فخاخ البيروقراطية الحكومية فور توليه مسؤولية وزارة التعليم، وستفترسه الأختام والمخاطبات والدمغات وفلكلوريات المناصب العامة.

 

ثم سرعان ما انزلق الرجل ذو التفكير المنهجى إلى الاشتباك مع الرأى العام والإعلام والمهتمين بشؤون التعليم، بمزاج مستنفر ولغة جريحة تتصور مؤامرة ما ضد شخصه ومشروعه ومساره.

 

بل تورط فى عدد من التصريحات والكتابات على حسابه على موقع «فيسبوك»، آخرها حديثه عن إعادة التفكير فى «مجانية التعليم»، وهو طرحٌ فى توقيته وفلسفته مأزوم بأى معيار من المعايير.

 

فالرجل الذى أدار (أو أدير له) ملف المدارس اليابانية ثم التابلتس، على نحو مهتز، يتحدث مع رأى عام مزاجه أقرب لليسار عن طرح يجنح إلى أقصى اليمين، ويتصور أن شعبًا مأزومًا فى ظروفه الاقتصادية يمكنه أن يفكر مرتين قبل أن تحدثه عن إمكانية إلغاء مجانية التعليم. وهى أحاديث جاءت تالية لتصريحاته عن (استعداد الناس للدفع لأى مكان ما عدا الحكومة) و(تذكرة حفل عمرو دياب التى تصل لـ20 ألف جنيه)، فيما يعكس -على الأرجح- سوء تكييف للأمر الواقع وقصور فهم لطبيعة الشعب المصرى، ولسوابقه مع الحكومات.

 

أزمة طارق شوقى المتفاقمة مع الرأى العام الذى يزداد حنقاً عليه من بعد ما كان الرجل معقد آمال الكثيرين (من معارضى النظام قبل مؤيديه)، تُسلط الضوء على عدد من النقاط التى ينبغى التوقف لديها. أولها: أن السيرة الذاتية المبهرة ليست عادة قرين أو مبرر نجاح فى المنصب العام. وأن السؤال الذى تلى يناير 2011 عن السبيل الأمثل لاختيار الوزراء (هل التكنوقراط أم المُسيّسون؟)، أضحى سؤالاً منتهى الصلاحية بعد إخفاق الصنفين فى المناصب العامة على مدار السنوات الماضية. وهو أمر ربما له أسبابه الوجيهة فى بلد تعيد بناء نفسها من جديد. ولا أجنح هنا إلى دعم الاختيار من الدائرة المعتادة المدربة على المناصب العامة والمفطورة على تخثر الجلد وبرود الأعصاب والتعامل مع الرأى العام (بكل ما فى هذا التعامل من مكر) بصورة تبدو متزنة ومعقولة، بمقدار ما أرى أن الأمر يدعو إلى إعادة التفكير فى المضخات التى تلجأ إليها الدولة لاختيار المسؤولين.

 

وثانى ما تلفتنا إليه أزمة الدكتور شوقى هى أن المزاج العام اللاهب والمتربص سينفجر فى وزير ومحافظ بحق وبغير حق، وبنسب وتناسب ليسا هما الأمثل مع حجم الخطأ أو سوء التقدير، نظرا لأن سقف النقد أضحى محصورا فى هذه الفئة. وهو سقف دون احتياج الغضب إلى من هم أكبر من هؤلاء. ولا أسوغ هنا الانتقاص أو الإساءة لكبار مسؤولى الدولة (فى الصف الأول) بمقدار ما أشير إلى الحصة الإضافية من السخط التى سيحاسب عليها هذه الفئة من المسؤولين بالنيابة عن آخرين وعن ملفات أخرى!. وثالث ما تلفتنا إليه معارك شوقى هو هذا التغير الذى يطرأ على الأشخاص لدى توليهم المناصب العامة، بحيث تبدو الانتقادات (شخصية) والاعتراضات (مؤامرة) والاستفسارات (لجاجة) والأسئلة (فخاخ) والتغطية الصحفية (متحاملة). فطارق شوقى العالم الجليل، بدا كما لو كان قد اختلطت عليه المسائل بأطيافها، فلم يعد يميز ما هو تساؤلات مشروعة عن سياسات وخطوات، وبين ما هو نقد لشخصه وذاته. وهو خلط نفسى يتعرض له المسؤول عادة، ولا يساعده على تجاوزه إلا فهم سياسى دقيق للوضع العام للمنصب. ورابع ما أرى أن شوقى يلفتنا له، هو مزاجنا الغضوب سريع الاشتعال وأعصابنا المنفلتة، بداع وبغير داع، لدرجة أننا وطارق شوقى وآخرين نحتاج جميعا لمهدئات أعصاب.

نقلا عن المصري اليوم

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق