“البعض يرحل ليبقى”

 

  • الكاتب المسرحى “محمود جمال” مؤلف مسرحية ( 1980 وأنت طالع) بيقول إنه فى يوم كان ماشى فى طريقه للمسرح.. شاف كلب ميت مركون جنب الرصيف.. طبعاً وبسبب المنظر مشي بعيد على الجهة المقابلة عشان يتحاشى النظر ليه.. تانى يوم لقاه لسه فى مكانه بس بدأت ريحته تطلع وللأسف راح زعله وبدأ يتضايق من ريحته اللى بدأت تطلع وتقلب ريحة الطريق.. الناس كمان اللى كانت بتعدى كانت بتبقى ماشيه قرفانه أو متضايقة.. يوم واتنين وثلاثة والكلب الميت لسه موجود محدش شاله.. الريحة الوحشة بتزيد كل يوم.. جثة الكلب نايمة فى الشارع مستنيه اللى ييجى يشيلها.. عدى اسبوع كامل!.. الكلب الميت بدأت ريحته تروح وبدأ جلده ورأسه يهبطوا على الأرض.. بقى جلد بس.. تستغرب إن محدش فكر خلال المدة دى كلها يشيل الكلب.. لا حد معدى عادى ولا عامل نظافة ولا أى حاجة.. عدى حوالى 3 أسابيع بقى جلد الكلب وراسه جزء من الرصيف.. كأنك راسم كلب على الرصيف!.. لحد ما عدى فى يوم لقى تقريباً ناس طيبين حطوا رمل فوقه عشان يداروا منظره.. بعد وقت الرمل طار مع الهوا والرصيف مبقاش عليه الكلب!.. بس لو دققت وركزت أوى هتلاقيه.. هو موجود بس بقى رصيف والناس بتمشى عليه عادى فى الشارع! .. أ. “محمود جمال” بيقول: (اللى اتعلمته كتير أوى واللى فهمته كتير اوى برضه .. عمرى ماهقدر أنسى موت الكلب ده .. لأنى كمان خفت جداً أبقى مجرد كلب مات على الرصيف).

 

  • إبن عمي “محمد كردوس” كان مسؤول إدارة إنتاج إعلان من إعلانات رمضان فى 2014.. استعانوا بـ مدير تصوير مشهور من التشيك إسمه (MarekBláha) عنده 57 سنة.. الراجل سُمعته وشغله كانوا مبهرين وهما أساساً سبب ترشيحهم له.. “محمد” سأله فى مرة وهما فى التصوير عن قصته.. اكتشف إن “”Marek أساساً قبطان بحرى من وهو عنده 25 سنة و لـ حد ما بقى عنده 50 سنة!.. ولما سأله أومال إيه موضوع التصوير ده! جه إمتى وإزاى! .. قال له إنه طول الـ 25 سنة دى اللى قضاهم فى البحر وعشان كانوا بيفضلوا فى البحر بالشهور فى رحلات طويلة مملة كانت التسلية الوحيدة ليهم هى الفُرجة على الأفلام.. بيكون معاهم مجموعة أفلام ضخمة بس مع الوقت وطول مدة السفر كانت الأفلام بتتشاف كذا مرة لحد ما تبقى مملة فقرر يشوفها بشكل مختلف!.. بدأ يشغل الفيلم ويقفل الصوت بتاعه تماماً ويتفرج على الفيلم كادرات بس!.. مشاهد صامتة بتتحرك.. يراقب حركة الكاميرا.. الممثلين.. الإضاءة اللى فى المشهد.. حب الموضوع وحس إنه ممكن يعمل حاجة فى المجال ده.. مجرد ما بيوصل بعد نهاية آخر رحلة بيقرر يسيب مهنته ويبدأ فى تعلم أُسس التصوير.. قرار صعب مش أى حد يقدر ياخده بسهولة خصوصاً وهو فى سن الـ 50!.. اتعلم ، جرب ، نجح.. طب والنهاردة؟.. القبطان سابقاً ومدير التصوير حالياً (MarekBláha) واحد من أهم مديري التصوير فى العالم فى خلال بس 9 سنين هما اللى عمل فيهم إسمه فى المجال! .. كان ممكن يستمر قبطان ياخد فلوس كويسة و يلف الدنيا كذا مرة وهو فعلاً عمل كده لمدة 25 سنة بس مكانش هيسيب علامه.. حّب إنه يسيب علامة الناس تفتكره بيها حتى لو كانت كادر فى فيلم!.

 

  • وإحنا فى ثانوية عامة صديقى “شادى” والده تعب وراح يكشف وأخد “شادى” معاه.. كشفو لقى عنده كانسر فى مرحلة متأخرة وحسب التوقعات هيموت بعد فترة صغيرة .. الأب طلب من إبنه إنه مايجيبش سيرة لـ أى حد فى الأسرة بالموضوع ده وقال له: (أنا همشى فى سكة العلاج للآخر وعايزك أنت بس اللى تكون معايا فيه ومش هنجيب سيرة لأى حد من أخواتك لا من قريب ولا من بعيد).. الأب مكنش مجرد أب عادى نمطى وطيب بالعكس كان عنيف مع ولاده ومفيش ود مع أهله خالص.. لما عرف إن أيامه فى الحياة معدودة اتقلب 180 درجة!.. طلّع فلوس من اللى معاه وساعد اثنين من شباب الأسرة يتمموا جوازاتهم التي كانت معلقة بسبب مبالغ بسيطة.. شغّل ولاد اخوه كلهم.. بقى يهتم بتفاصيل حياة مراته وولاده ( مناسبات، ظروف، دراسة ).. مع كل الاهتمام ده كان بالتوازى بدأ فى العلاج وتأثيره ظهر على هزال جسمه وباقى الأسرة عرفت بمرضه تدريجياً.. عاش سنة تقريباً وبعدها توفى.. بس اللى عمله فى السنة دى = باقى الـ 69 سنة اللى عاشهم ومخلّيه عايش لحد دلوقتى و معلّم فى عقل كل اللى حواليه.

 

  • “محمود الفار” كان أشهر حرامى شقق فى مصر فى التسعينات.. مش أشهر حرامى بس لأ وكمان كان أمهر و أغبى فى نفس الوقت!.. كان بيدخل الشقق بطريقة عبقرية وبدون ما يسيب أى أثر.. مفيش شقة بتقف قدامه.. وصل من جرأته إنه سرق شقة مساعد وزير الداخلية نفسه فى 1995! .. غباوته كانت فى النرجسية بتاعته إنه كان بيصمم يسيب رسمة فار بالقلم الرصاص على الحيطة فى أى شقة يسرقها!.. المباحث كانت بتكون عارفة إن “محمود الفار” هو اللى سرق .. فسهل كان يسرق وسهل كان بيتجاب! .. فى حلقة من حلقات برنامج (خلف الأسوار) لـ الإعلامية “راوية راشد” فى أواخر التسعينات عملت معاه حوار فى مكتب رئيس المباحث وبتسأله: (إيه موضوع الفار اللى بترسمه على الحيط ده؟!) .. قال لها بمنتهى الثقة: (الشغلانة لمت يا مدام وكل من هب ودب بقى هجاّم، الله! مش لازم أسيب بصمة!).. ساعتها رئيس المباحث اللى كان حاضر الحوار ضحك بسخرية وراح سكعه قلم على رقبته وقال له: ( بصمة إيه!.. ليه فاكر نفسك zorro بروح أمك!).

 

  • كتير بيكون عندى هاجس هو أنت ممكن لما تموت تسيب أثر مهم والناس تفتكرك ولا هتبقى زى الملايين اللى بيعيشوا ويعدوا على الدنيا زوار وخلاص؟.. كده كده إحنا بنموت وكده كده الناس بتنسى.. ده الأهل نفسهم بينسوا اللى من دمهم بعد فترة .. من هنا بتتولد الرغبة إن الواحد نفسه يعمل حاجة تخلّيه حتى وهو ميت متباهى بيها.. عشان كده وعشان ده يتحقق دوّر على الحاجة اللى بتحبها واعملها لأن هى دى غالباً اللى هتخلى الناس تفتكرك.. ده الحرامى عملها وكان له بصمة! طب وإحنا!.. بلاش تستنى تمرض عشان تدور.. بلاش تكون مجرد كلب ميت مرمى على الرصيف ماكنش فارق مع الناس لا فى حياته ولا حتى فى موته.. اللى بيكتب مبيبطلش.. اللى عنده هواية يقفش فيها بإيديه وسنانه حتى لو هو بس اللى فضل مؤمن بيه بيها.. اللى بيشتغل حاجة مش حاببها لازم يتصرف ويلاقي وقت يحشر مع وقته اللى اتكربس ولو حتى ساعة فى اليوم اللى بيحبه.. إتجوز بس بدون ما تيجى على نفسك.. وفر لـ شريكك وقت يلاقى نفسه عشان هو كمان يعمل المثل.. متخليش دوامة الدنيا فى الدراسة والشغل يسحبوك من الحاجة اللى بتحبها واللى حاسس إنها هتسيب علامة فى غيرك.. البعض يرحل ليبقى.. ربنا يجعلنا من الناس اللى خلقه يترحموا عليهم ويقولوا: (ماتوا بس لسه باقيين).

الوسوم
إغلاق