الإنسان بين الرضا والطمع

“لَا تَخَفْ إذا أصبح إنسانٌ ثَريّا وإذا ما زادَ بيته جاها، لأنه لا يأخُذُ شيئاً عندَ موتِه ولا يَنْزلُ مجدُه معه (إلى لحده)” (مزمور 17:48-18). نقرأ في أقوال رهبان الصحراء هذه القصة الهادفة: كان اثنان من النُسّاك يعيشان معاً لسنين عديدة ولم يعرفا أبداً معنى الشِجار. فقال أحدهما للآخر: “دعنا نتشاجر معاً كما يفعل بني البشر”، فأجابه الثاني: “كيف نفعل هذا؟” قال له: “بسيطة… سأضعُ قارورةً في منتصف الحجرة وأُعلن أنها ملكي! ثم تُجيب أنت: لا… إنها تخصّني أنا وحدي! وهكذا سنبدأ الصراع معاً”، وبالفعل وضع القارورة في المنتصف ثم قال أحدهما للآخر: “هذه قارورتي”، فأجابه الثاني: “إذا كانت ملكاً لك، خُذْها واذهب في سلام!” وكانت النتيجة أنهما لم يجدا أي مبرر للصراع بينهما”.

مما لا شك فيه أن الدرس واضحٌ جداً في هذه الأمثولة الطيبة، لأن أساس البغض والحقد والحروب مبني دائماً على حُب التملّك والأنانية، وينتج عنهما العنف والسرقة وتسود الإساءة للآخر، ولا يشبع الإنسان أبداً طالباً المزيد والمزيد من التملّك. ما الفائدة من المال والغِنَى اللذين نريد أن نحصل عليهما ونتكل على حُبهما فقط والتعلّق بهما، حتى لو ابتعدنا عن الله؟ وما هي السعادة التي ننالها إذا خالفنا ضميرنا في سبيل الحصول عليهما؟ مَنْ يريد أن يحصل على المال ليستر حياته دون أن يصير عبداً له، يحتاج إلى إيمانٍ مستقيم بمعونة الله وإرادة صلبة وقناعة داخلية، لأننا نعيش عصراً فيه وسائل مختلفة تدفعنا جميعاً إلى حُب التملّك لكل الأشياء وبشتى الطرق، حتى يصل الإنسان إلى البحث عن الغنى ثم الحصول عليه ومن الممكن أن يدمّر الآخرين حتى لا يفقده من بين يديه، ويضيعّ حياته دون الشعور بأنه صار عبداً لمِا يملك وينسى الله الذي خلقه ووضع كل شيء تحت تصرّفه بشرط ألا يحرم الآخرين.

ونجد الفيلسوف الإيطالي Giambattista Vico  يُحدد مراحل تدرّج الإنسان في حُب التملّك قائلاً: “إن الناس يشعرون أولاً بالاحتياج ثم يرغبون في المُفيد، وعندما يحصلون عليه يطلبون ما يريحهم، ثم يتلذذون بمتعة الأشياء، ثم يذوبون في الرفاهية، وأخيراُ يَجنّ جنونهم في أن يبددوا ما يملكون”. هذا الواقع نعيشه في حياتنا اليومية عندما نبدأ أولاً في الحصول على ما يضمن لنا المعيشة، ثم نخطو الخطوة الثانية في البحث عما هو مفيد، ومما لا شك أن هذا شيء رائع، ولكن من الممكن أن ينبع من الأنانية لحُب التملك، وبعد ذلك نهرع إلى ما يساعدنا على الراحة والسكينة وهذا ما يدفعنا إلى الكسل والخمول، ومن هنا نبدأ في الشعور بالتلذذ بالأشياء فقط، ثم نقع في عادة التبذير وإفساد الخيرات. للأسف، مَنْ يفعل هذا لا يفكّر مطلقاً في احتياج الغير الذي لا يملك قوته اليومي، ويصل في النهاية إلى مرحلة الجنون بتبديد الممتلكات دون معايير، لأن العلاقة مع الخيرات الأرضية بحاجة إلى اتزان نفسي وعاطفي وجسدي، وهذا يتطلب جهداً شاقاً، ونقرأ في سفر الجامعة: “إنسانٌ رَزَقه اللهُ غِنىً وأموالاً ومَجْداً فلم يَكُنْ لِنَفسه عَوَزٌ مِن كُلِّ ما يشتهي لكَنَّ الله لم يَدَعْه  يأكُلُ من ذلك، وإنما يأكلُهُ غريب” (2:6).

في يومٍ من الأيام طرحت إحدى المجلات الأجنبية هذا السؤال على قرّائها: “ما هو المال؟” ووعدت بجائزةٍ كبرى لأحسن إجابة عليه، وكانت هذه إجابة الفائز بالجائزة: “المال هو تذكرة دولية تمكّنك من الذهاب حيثما تشاء، إلا السماء؛ ويجعلك تحصل على كل شيء إلا السعادة”. مما لا شك فيه، إذا جعلنا حياتنا مبنيّة على اكتناز المال فقط؛ سنصير عبيداً له، وسيحرمنا من هناء الحياة وسعادتها الحقيقية، كما أنه يجعلنا نفقد الحياة الأخرى لأننا لا نضع ثقتنا في الله مُدبّر كل الأمور. ومع ذلك ما أكثر المتعبّدين للمال، حتى أن الغالبية منهم تبيع الدين بالدُنيا في سبيل الحصول عليه وجَمْعَه والمزيد منه، فلا يشبعون منه ولا يفكّرون في غيرهم، لكن الأثرياء الذين يقومون بمساعدة الآخرين وسد احتياجاتهم، يكنزون لهم كنوزاً في السماء. ويقول الكاتب المسرحي النرويجي Henrik IBSEN :”إن المال يمنحنا مظاهر الأشياء دون جوهرها: يمنحنا الطعام، لا الشهية؛ والدواء لا الصحة؛ والمعارف، لا الأصدقاء الأوفياء؛ والخَدَم المنتفعين لا المُخلصين؛ والمَرَح لا السعادة”. ونختم بالقول المأثور: “ليس الفقير، مَنْ يملك قليلاً؛ بل الفقير هو مَنْ يحتاج كثيراً”.

الوسوم
إغلاق