لا تشرب السحلب

  • كنا 7 أصدقاء من إبتدائى ولحد الثانوية العامة.. جمعتنا الصداقة وفرقتنا الكليات بس حتى لما كل واحد فينا راح كلية مختلفة فضلت بينا نفس العادة كل يوم خميس.. ماتش الكورة الخماسى فى ملعب الجامعة ورا جراج كلية طب.. آه صحيح كان وارد يقع مننا أسبوع أو أكتر والتأجيل يبقى هو سيد الموقف بسبب تضارب مواعيد المحاضرات بين فلان وفلان وآه صحيح برضه كان وارد واحد فينا مايجيش بسبب ظروف شخصية بس كان الأغلب إن العدد يكون مكتمل.. فى واحدة من المرات اللى كان إجمالى الحاضرين 7 وأثناء الماتش؛ صاحبنا “أحمد عاشور” الطالب فى سنة ثالثة كلية الطب شاط الكورة جامد شوية.. عدت سور الملعب ووقعت بعيد فى الجراج وسط العربيات المركونة هناك.. خرج عشان يجيبها.. لقى دكتور رخم فى الكلية بتاعته واقف وحاطط الكورة تحت باطه وعينه بتطق شرار ومستنى يشوف مين اللى هييجى ياخدها.. كان واضح إن الكورة نزلت على راسه أو خبطت فيه بشكل أو بآخر.. “عاشور” بمنتهى الأدب قال له: (أنا آسف يا دكتور).. الدكتور شخط: (مش قولنا مليون مرة ممنوع اللعب فى الوقت ده؟).. رد: (ما هما بيقفلوا الملعب بعد المغرب! هنعمل إيه يعنى!).. الدكتور مد إيده وقال بلهجة آمرة: (أنت هتقاوحنى! هات الكارنيه بتاعك).. سأله: (ليه يا دكتور! الموضوع بسيط وأنا أعتذرت لحضرتك).. كرر بصوت أعلى: (هات كارنيهك).. “عاشور” رجع الملعب عشان ياخد الكارنيه من شنطته وحكالنا اللى حصل على السريع.. كلنا قلناله فكك منه وماتدويلوش الكارنيه وماتروحلوش وكده كده هو مش هيفتكرك.. صمم وقال: (هروح وأديهوله هو ملوش عندى حاجة وأنا معلمتش حاجة غلط، تلاقوه بس بيخوفنى).. راح وإداه الكارنيه فالدكتور سحبه منه بسرعة.. “عاشور” قال له: (أنا جبت الكارنيه احتراماً لحضرتك والله بس ممكن أعرف هتعمل إيه؟).. قال له: ( هعمل إيه دى هتعرفها بعدين، قسماً بالله هتشوف أيام أسود من شعر راسك).. “عاشور” ورغم إن تقديراته كانت فى السنين التلاتة الأولانية فى طب ممتازة بس بعد الموقف ده وبناءاً على توصيات الدكتور المبجل أستاذ الجامعة؛ للأسف كان بيعدى بالعافية.. أثر ده على تقديراته الإجمالية فى الكلية وقبلها على حالته النفسيه وشوية بـ شوية حلم (المعيد) بقى بعيد.. يفهم “عاشور” الليلة واللى فيها وبعد مشاورات مع أبوه وأمه وإلحاح منهم بسبب الحالة اللى شايفين إبنهم عليها؛ يوصل الأب والأم  لقرار يشقلب حياتهم وحياة إبنهم.. القرار؟.. “عاشور” يسافر بره يكمل دراسة طب!.. طب والثمن؟.. غربة عن الأب والأم اللى مش مخلفين غيره وشعور بالذنب عند “عاشور” نفسه بسبب إن ثمن القرار ده هو بيع الكام فدان اللى عندهم فى مركز “البدارى” محافظة أسيوط عشان يقدروا يسدوا حنفية الفلوس اللى هتتفتح.. محاولات “عاشور” عشان يثنى أبوه وأمه عن الخطوة باءت بالفشل، وبالعكس ده هما اللى أقنعوه إن تحقيق حلمه فيه بالتبعية تحقيق حلمهم.. الترتيبات والإجراءات ومخاطبات الجامعات بره ماخدتش وقت والأمور مشيت بسرعة.. توافق جامعة فى إنجلترا على قبوله ويتحدد ميعاد السفر.. يقرر “عاشور” قبل السفر بأسبوع يروح يسلم على زمايله فى كلية طب اللى سهرانيين نبطشية فى مستشفى القصر العينى الساعه 1 الفجر لأن دى الفرصة الوحيدة عشان يشوفهم متجمعين.. أثناء قعدته مع أصحابه فى أوضة النبطشية بيكسر حاجز الضحك والهزار والصوت العالى؛ ممرض بيدخل بسرعة يبلغهم إن فيه حالة خطيرة وصلت!.. يقوم الدكاترة ومعاهم “عاشور” ويكتشفوا إن شاب أصغر منهم فى السن عامل حادثة وواصل متخرشم بين الحياة والموت!.. بتتقلب المستشفى لأن طبيعة المحافظة الهادية نفسها مش متعودة على إستقبال النوع ده من الحوادث.. بمراجعة سريعة للورق بتاع الحالة -(بطاقته ورخصة العربية)- بيكتشف “عاشور” إن إبن الدكتور اللى ضيع مستقبله هو المصاب.. وقتها أصر “عاشور” إن هو اللى يسهر جنبه -( رغم إختلاف تخصصه الطبى)- لحد ما يعدى مرحلة الخطر!.. اللى يشوف توتر “عاشور” وحركاته وتوجيهه لـ زمايله؛ يقول إن اللى راقد ده حد من باقى أهله مش إبن الراجل اللى آذاه.. ربنا لطف بـ الولد وإتكتب له عُمر جديد.. لما “عاشور” حكالنا الموقف بعدها وإحنا بنوصله للمطار؛ فيه حد من أصحابنا قال له : (وقدرت! يا قلبك يا آخى).. “عاشور” قال: ( كل واحد بيعمل بأصله، أبوه ماحسش بيا بس الولد مالوش ذنب، ووالله كفاية نظرة أبوه ليا لما وصل ولقانى اتقيت ربنا فى إبنه، مفيش حاجة عند ربنا بتضيع).. واحد تانى قال له: (يا عم محدش قال لك سيبه يموت بس كنت خليت حد غيرك يشوف الحالة يعنى، يخرب بيت أُم المثالية بتاعتك دى!).. الكلام ماكنش له أى لزمة مع “عاشور” اللى كان شايف إنه عمل الواجب واللى عليه وإن الموضوع أبسط من ما إحنا شايفن خصوصاً برضه إن الموقف عدى خلاص.. الكلام ده من حوالى 9 سنين.. والنهاردة؟.. صديقى الدكتور المصرى “أحمد يونس عاشور” واحد من أهم دكاترة التجميل فى لندن رغم صغر سنه!.

 

 

  • ميزة العمل الصحفى إنه بيخليك تقابل ناس ماكنتش تتخيل إنك تتعامل معاهم أو تسمحلك ظروف وظيفة تانية إنك تشوفهم.. كمان الناس لما بيعرفوا إنك صحفى ده بيطلق العنان لـ لسانهم وقلوبهم عشان يرموا فى حجرك وودانك تركة كلام محبوس مفيش فرصة تانية عشان يخرج.. منهم اللى بيعمل ده رغبة فى مساعدة أو كإستشارة يعمل إيه فى كذا أو حتى لمجرد الفضفضة.. أخويا متعود يدفع إيجار المكتب بتاعه بنفسه كل شهر لـ صاحبة البرج اللى فيه مكتبه؛ لكن فى شهر مايو 2017 مقدرش يعمل ده بسبب سفره المفاجىء.. رحت أدفع أنا الإيجار بداله.. المهمة اللى كان المفروض ماتاخدش أكتر من دقيقة -( سلّم الفلوس وإستلم الوصل)- امتدت لأكتر من نصف ساعة!.. الحقيقة إن اللى ساعد فى كده طبيعة صاحبة البيت السيدة “إحسان” نفسها وإحساسك إن إنت بتتعامل مع واحدة فى سن جدتك بكل ما فيها من ود وطيبة وحُسن إستقبال.. سيدة عندها 74 سنة.. جوزها توفى من زمان وإبنهم الوحيد إتجوز وسافر كندا.. السيدة “إحسان” ورغم السن لكن بتحب الإختراعات!.. أيوا إنت قريتها صح.. الست هوايتها من وقت ما كانت مدرسة فيزياء بتحب الإختراعات.. كان بيضايقها إنها كل كام يوم تقرأ خبر وفاة إتنين عرسان متجوزين جديد بسبب الإختناق وتسريب سخان الغاز!.. (معلومة صحفية: عدد حوادث الإختناق من سخان الغاز فى مصر من 2014 لـ 2017 وصلت لـ 341 حالة).. قالت لنفسها أيوا يعنى هو الموضوع ده ملوش حل!.. قفلت على نفسها وفى خلال سنتين صممت جسم إسطوانى معدنى فى حجم كف الإيد مثبت فى واحد من جانبيه مؤشر.. بيعمل إيه؟.. المنظم ده بيمنع وبيقلل من فرص تسرب الغاز من السخان بنسبة 90% زى ما بتقول.. الإجراء الطبيعى بتاع أى حد عنده مخ إنه يعرض الإختراع بتاعه على أى شركة عشان ينفذوه.. حلو جدًا وهى فعلاً فكرت فى كده.. بس الخطوة اللى قبل كده إنها تروح تسجله فى براءة الإختراع عشان محدش يلطش الفكرة.. سافرت عشان تسجل الفكرة بتاعتها فى براءة الإختراع فى القاهرة.. إختراعها إترفض بدون حتى ما يتم الإطلاع عليه!.. والسبب؟.. الشاب اللى كان مسئول عن مقابلتها قال لها: (معلش يا أمى بس حضرتك سنك كبير وإحنا بنسجل براءات إختراع لحد سن معين بس).. قالتله: (سن معين إزاى يعنى يا إبنى! يعنى اللى زيي ياخدها من قصيرها ويروح يموت؟).. مفيش رد تانى من الشاب اللى إعتذر بحجة الأوامر وإن مفيش فى إيده حاجة تانى يعملها.. قالت لى: (طول الطريق فى القطر من القاهرة لإسكندرية وأنا ببكى ومش مصدقة اللى حصل ده).. مكنتش لاقى كلام أقوله فى الموقف السخيف ده واكتفيت إنى بهز راسى وأنا بسمعها.. سكتت شوية وقالت لى: (ممكن توعدنى لو جت فرصة تبقى تكتب عن الموضوع ده؟، أنا عن نفسى خلاص رميت طوبته بس أنا بتكلم عشان غيرى مايتكسرش زى ما حصل معايا).. قلت لها: ( أكيد ده هيحصل، بوعدك).. حاولت أخفف من ضيقها اللى كان باين فى حروفها وهى بتتكلم وقلت: (أنا مش عايز حضرتك تزعلى نفسك، لأن اللى حصل ده جهل موظف أو سوء إدارة لكن ماينفيش إن إنتى الخير والبركة).. قالت بإبتسامة مكسورة وهى فاهمة إن اللى أنا بقوله تطييب خاطر مش أكتر: (لأ.. أنا لا خير ولا بركة.. أنا “رايش”.. تعرف “الرايش”؟).

 

  • المهندس الشاب المصرى “بيشوى إبراهيم” من كفر الشيخ.. من 9 سنين تقريبًا سجل براءة إختراع مرفق معاها مجسم لطيارة بتطير بالطاقة الشمسية مسافات طويلة..الفكرة مش جديدة وفيه محاولات عملتها شركات طيران كبيرة قبل كده بس جت فيها لمرحلة معينة ووقفت!.. لكن اللى عمله “بيشوى” هو نقلة جديدة ومبتكرة للفكرة مقدرش يعملها الخواجات.. إختراع متكامل؛ تنبسط لما تعرف إنه طلع من دماغ شاب مصرى بسيط فى قرية بسيطة فى كفر الشيخ.. “بيشوى” ما أكتفاش بتسجيل الفكرة والإختراع وقتها لكن قرر يروح لوزير الطيران وقتها “أحمد شفيق”.. بعد معافرة وسلسلة تأجيلات ومطوحة ملهاش مثيل قدر بالعافية يقابل مدير مكتبه اللى قعد يسمع “بيشوى” وهو بيشرح بإستفاضة وحماس.. ربع ساعة عدت كإنها يوم كامل على مدير مكتب الوزير لكنها كانت ثوانى على “بيشوى” اللى بعد ما خلص كلامه فوجىء بـ بصة الراجل الفاضية وهو بيقول: ( ها! وبعدين؟).. “بيشوى” قال: ( وبعدين إيه يا فندم! هو أنا بحكى حدوتة!، إيه رأى حضرتك فى الفكرة؟).. الراجل رد فى نفاذ صبر: ( أيوا يعنى بإختصار وفى كلمة ونصف إنت عايز إيه؟).. رده كان صادم على “بيشوى” اللى كان فاكر إن كلامه مفهوم بس إكتشف إن مجهوده ووقته راحوا هدر.. بالعافية وبطلوع الروح إستجمع صوته تانى وقال له فكرته بإختصار شديد.. الراجل قام من ورا مكتبه ولف من ورا “بيشوى” اللى حاول يقوم لكن الراجل طبطب على كتفه بحنان أبوى إنه يخليه قاعد وراح قعد فى الكرسى اللى قدامه.. بعد كام ثانية صمت قال بصدق حقيقى: (يا إبنى هو إحنا عارفين نمشى العربيات على الأرض لما هـنمشى طيارات بالطاقة الشمسية!).. “بيشوى” سأل: ( يعنى إيه؟).. الراجل رد: (يعنى صلى على النبى إحنا فى مصر؛ تشرب سحلب؟).. “بيشوى” خرج من الوزارة ورجليه مش شايلاه.. بعد شوية إكتئاب وإحباط لُطاف وحبسة فى الأوضة عدت الأسبوعين بالصدفة سمع إن فيه شركة عالمية إسمها (سولار إمبلس) شغالة على أبحاث فى نفس فكرته.. بعت لهم فكرته بالإيميل.. طلبوه وإنضم لهم.. فى مارس 2015 اللى فات “بيشوى إبراهيم” كان واحد من اللى أشرفوا على إنطلاق أول طيارة تعمل بالطاقة الشمسية من أبو ظبى!.. جنسيته؟.. مصرى.. عرفوا فكرته وقدروها وخلّوه واحد من اللى إسمهم إتكتب بحروف من نور، وبدون ما يشرب سحلب!.

 

  • إنت كـ مصر وبحسب إحصائية (مركز الإتحاد والإحصاء التابع للأمم المتحدة) واللى تم نشرها بتاريخ 1 أغسطس 2013؛ عندك :

1 – ( 86.000 ) ألف عالم مصرى موجودين خارج مصر.

2 – مصر فى المركز الأول فى عدد العلماء على مستوى العالم.

3 – بره مصر عندك 42 عالم مصري في وظيفة رئيس جامعة.

4 – وزير البحث علمي في كندا مصري الجنسية.

5 – ثلاثة مصريين أعضاء في مجلس الطاقة الإنماني، اللى بيتكون من 16 عضو.

6 – 3 آلاف عالم مصري (طبيب) في أمريكا من كافة التخصصات.

7-  1883 عالمًا مصريًا في تخصصات نووية نادرة.

وطبعاً الأعداد اللى فاتت دى أكيد زادت مع الوضع فى الإعتبار مرور أكتر من 5 سنين عليها!.

 

  • فى عملية صب العملات المعدنية أو حتى سن السكاكين فيه أجزاء إسمها “الرايش” أو الـ (Swarf).. “الرايش” هو البواقى المعدنية عديمة القيمة اللى بتتكون نتيجة الصب أو السّن وغالباً بتترمى لأن الهدف فى النهاية هو العملة نفسها أو السكينة.. طب و”الرايش”؟.. ملوش لزمة أنا هعمل بيه إيه!.. اللى بيحصل فى مصر هو العكس.. بنتعامل مع الدهب الحقيقى على إنه “رايش” واللى المفروض “رايش” بنعامله كأن هو الأصل.. كام فرصة حقيقية واخدها حد مايستحقش؟.. كام واحد موهوم إتفرض على الناس؟.. وكام واحد موهوب إتكسر حلمه بسبب إنه إتحط فى خانة “الرايش”؟.. كتير وماتعدش.. قيس ده بقى على كل حاجة حتى العلاقات الإنسانية.. الفرص الحقيقية واخدها اللى مايستاهلش، واللى يتاقل بالدهب مركون على جنب!.. عندنا فى الصعيد فيه مثل شعبى بيقول: ( يبقى إبنى تحت باطى وألف أدور عليه!).. مثل فيه صيغة إستنكارية إن ورغم سهولة الحلول اللى بتريح لكن بندور على الأصعب.. دايماً بنقرب وندّى قيمة للى مايسواش، واللى يستحق ملوش مكان.. لا كرامة لـ نبى فى وطنه، ولا كرامة لـ محب فى قلب محبوبه كما يجب أن يكون.. خانة “الرايش” بتاعت البلد وبتاعت كل واحد فينا فيها ناس تستحق تكون فى مكان أفضل ويتبص لهم بنظرة مختلفة يستحقوها، وبالمثل فيه ناس تانية واخدة أكبر من حجمها محتاجين يتحطوا فى المكان والمكانة اللى على قدهم.

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق