ما حدث فى كفر الدوار؟!

  • يناير 1995 – محافظة أسيوط – أول أسبوع من بداية التيرم الثانى – مدرسة السلام الخاصة للغات

– سايب التكريم و طالع الجنينة ليه!.. فيه إيه يا تامر؟.

– عايز اتصور معاكى يا مِيس.

– مش هينفع يا ابنى أنا رجلى وجعانى ولابسة شبشب ومش عاملة حسابى!.

– معلش عشان خاطرى يا مِيس.. أنا معايا عمو المصور ده جبتوا معايا من جوه عشان يصورنا.

– يا بنى ما هو……

– يالا يا عمو بسرعة.

(تشيك.. فلاش خافت.. صورة)

الكاتب تامر عبده مع ميس كلير

مِيس “كلير”.. مدرسة الرياضيات فى مدرستى فى إبتدائى.. بالرغم إنى كنت فى مدرسة خاصة للراهبات (مدرسة السلام) وأنا مسلم وهى مسيحية الإ إن مِيس “كلير ليها معايا موقف مقدرش انساه.. كنت بحب الكتابة.. العيل الفلحوص اللى عامل فيها عبقرينو ودودة قراية و كتابة.. أصحابى فى الفصل هرونى تريقة على موضوع الكتابة ده.. فى حصص الألعاب مكنتش بنزل الحوش وكنت بقعد فى الفصل.. ساعات أكتب أو قرأ أو حتى أعيط بينى وبين نفسى لما التريقة تزيد.. تزيد حدة التريقة، وتزيد معاها لحظات العزلة.. شافتنى فى مرة بعيط.. مسكت قصة عبيطة كده كنت كاتبها وقالت لى دى حلوة قوى.. قلت لها أصحابى قروها و بيقولوا وحشة.. قالت: (هما مش فاهمين، دى قصة حلوة سيبك منهم و إكتب على طول وكل ما تكتب حاجة هاتهالى أشوفها وأقراها).. مع بداية التيرم الثانى فوجئت بفراش المدير بينده عليا من الفصل فى الحصة الأخيرة.. رحت للمدير و رُكبى بتخبط فى بعضها.. دخلت مكتبه لقيت مصور و كذا واحد معرفهمش ولقيت المدير قال لى: (إنت كسبت فى مسابقة إبتدائى بتاعت القصص و أخدت المركز التالت على مستوى مدارس السلام للراهبات وهما بعتولك الشهادة بتاعتك أهو).. أيوه بس أنا ماقدمتش.. آه ما هى مِيس “كلير” قدمت لك..  يالا خد شهادتك و هتتصور وإنت بتستلمها.. خدت الشهادة وسلمت على الناس الموجودين مع المدير و إتصورنا كام صورة باهتة بس ماحستش غير وأنا باخد المصور -(عرفت بعد كده إن إسمه عم “رومانى” و ساكن جنبى)-  وبسحبه عشان أدور على مِيس “كلير” لحد ما لقيتها و إتصورت معاها، وبالنسبالى كانت دى الجايزة الحقيقية.. عظمة الست دى من عظمة فكرة إنك تلاقى مدرس يهمه أمر التلميذ بتاعه للدرجة دى.. مدرس إختلاف دينه مع واحد من طلابه ماكنش حاجز إنه يهتم يخفف عنه و يديه ثقته فى نفسه و يقدم له و من وراه فى مسابقة تخلى ثقته فى نفسه تزيد كمان و كمان ومايهتمش إنه يبان فى الصورة عشان يخليهالوا مفاجأة بدون ما يذله.. أعتقد مفيش تقدير أفضل من كده يستحق يفضل عالق فى الذاكرة مهما مرت سنين.. أنا مش عارف مِيس “كلير” عايشة ولا اتوفت.. بس اللى عارفه إنها ست جدعة ومابقاش فيه زيها.. ربنا يبارك فى ولادها اللى أكيد اتربوا كويس على إيد ست زى دى.

 

 

* الأم “تريزا ” بتقول: (هناك الكثير من الجوع في العالم، ليس للخبز، بل للحب والتقدير).

 

  • فيه سؤال اتكتب فى جريدة “واشنطن بوست” سنة 1991 وكان موجه للقراء وعلى أساسه تم إستقبال إجابات الناس على مدار أسبوع كامل.. السؤال كان بيتكلم عن أهم حاجة بيكون الواحد مننا محتاجها من اللى قدامه.. بعد الفرز تم إختيار إجابة الزوج الأمريكى من أصل مكسيكى “فرانك” للنشر، واللى حكى فيها عن رأيه فى الحاجة الوحيدة المهمة بين أى أتنين فى أى علاقة (صداقة، حب، قرابة) من خلال موقف حصل مع مراته من 3 شهور!.. الزوجة “ميلجا ” قالت بعصبية وهى قاعدة فى المطبخ مع جوزها “فرانك”:  (ماذا تريد أن تفعل! قلها ثانية من فضلك لا أظننى سمعتك).. “فرانك” أخد قطمة تانية من حباية الخوخ الساقعة اللى كانت فى إيده وكرر الجملة تانى كإنه بيقول حاجة عادية: (بل سمعتينى جيدًا يا حبيبتى، ورغم ذلك سأكرره: أريد أن أُقيم جنازتى الآن فى حياتى وليس بعد موتى، فلماذا يستمتع الجميع بحضورها إلا أنا!).. “ميلجا” اللى كانت عارفة إن جوزها حالته النفسية سيئة بعد ما عرف إنه مصاب بالسرطان من أسبوع حاولت تخفف عنه وقالت له: (لكن أنت الآن أقوى أنت قلت ذلك !، كمان أن الحقن الجديدة إنها تساعد فى الـ…..).. قاطعها ومسك إيدها وبص فى عينها وقال بتوسل: (لنقم الجنازة يا “ميلجا”، ودعينا نقمها كما ينبغى ويمكننا أن نخفيها فى صورة حفل عيد زواجنا، أرجوكى دعينا نفعل هذا).. الطلب كان مجنون ومش منطقى وجزء من جنانه إن إقامة حفلة زى دى وبالشروط بتاعت “فرانك” اللى كان عايز يعزم كل أصدقائهم وجيرانهم وقرايبهم هيكلفهم جدًا وهياكل جزء ضخم من الفلوس اللى بيحوشوها للعلاج اللى كبس عليهم جديد ورحلته لسه طويلة ده!.. “ميلجا” شخصية قيادية قوية، العواطف مش بتحتل المكانة الأولى فى حياتها.. رغم كده مسكت إيده واتفاجأ بيها قالت: (حسنًا، إن كنت تريد إقامة هذا فسنقيمه).. تانى يوم وبدون تأخير بعتت 150 دعوة لكل الناس معارفهم لدرجة إنها أجرت حديقة نادى “شراين كلوب” عشان تساع العدد ده.. الكل حضر.. “فرانك” وقف فى وسط المسرح ومسك الميكرفون وغنى كذا مرة بشكل إحترافى.. كان حاسس إنه فى دايرة الضوء وعمل حالة من البهجة وسط الكل وقال كلمة قصيرة للناس إنه أسعد البشر حظًا فى العالم.. بعدها رقص مع كل الموجودين رقصة  “الفالس” الشهيرة.. مفيش حد مارقصش معاه!.. رجالة وستات.. لحد ما جه دور الدكتور بتاعه فى الرقص معاه وهما بيرقصوا و فى وسط الضحك والفرفشة “فرانك  سأل الدكتور بهمس: (كم بقى من عمرى ؟).. الدكتور رد فى ودنه: (يصعب التكهن بهذا لكن ليس أكثر من 6 شهور).. “فرانك” هز راسه للدكتور بلامبالاة وقال: (ولو حتى اليوم، لا يهم).. واصل رقصه مع كل الموجودين وهو لسه بيوزع ضحك وهزار على الكل.. فى ختام رسالته لـ”واشنطن بوست ” بيقول “فرانك”: (قد أكون أنتقلت إلى السماء قبل نشر هذه الرسالة وقد يطول عمرى قليلًا لعدة أشهر؛ سواء أنتهت حياتى أو أمتدت لن أنسى تقدير “ميلجا” لى، بقليل من تقديرها وتحقيق أمنيتى طال عمرى للأبد).

 

* الكاتب الرومانى “شيشرون”: (بِحُسْن التقدير نجعل الاخرين من ممتلكاتنا الخاصة).

 

  • فى كتاب (رجال لم يعرفوا المستحيل) للكاتب الدكتور “أحمد سلامة إبراهيم” إتكلم عن الأديب البرازيلى “باولو كويلهو” وإزاى إنه كان بيحب الكتابة من سن 8 سنين.. بس للأسف الموهبة إتقابلت من اللى حواليه خصوصًا من المدرسين بتوعه اللى المفروض يكونوا أول حضن مفتوح له؛ بالتريقة ورمى قصصه فى الزبالة.. ده من ناحية.. من ناحية تانية كانوا أهله قايمين بالواجب وزيادة وحاولوا يمنعوه هما كمان من مواصلة الكتابة.. رفض .. اعتبروه ممسوس على إعتبار إن أكيد الواد راكبه جن مادام لسه مصمم رغم اللى بنعمله فيه إنه يكمل!.. برضه فضل مكمل.. خرّجوه من مدرسة الجيزويت فى مدينة “ريو دى جانيرو” ودخلوه مستشفى الأمراض العقلية كـ نوع من العقاب!.. شوية وخرج.. يتأدب بقى؟.. لأ.. كمل كتابة.. دخّلوه تانى .. شوية وخرج .. يتأدب؟.. لأ.. كمل كتابة.. دخّلوه تالت!.. طبيب شاب فى المستشفى شاف جزء من الورق اللى كاتبه “باولو”.. شاف فى الورق أفكار حلوة لقصص المفروض يكون مكانها فى كتب مش مجرد شخبطة على ورق لواحد مرمى فى مستشفى المجانين!.. إستدعى أهله وقال لهم إبنكم موهوب مش مجنون وده مش مكانه.. أهله فضلوا مصممين على رأيهم وإن الدكتور ملوش دعوة وإنك مش هتعلمنا إيه اللى ينفع إبننا ةوإيه اللى ماينفعوش.. إشتكوا لـ مدير المستشفى.. المدير عاقب الدكتور بإنه بعده عن متابعة حالة “باولو”.. الدكتور الشاب خد الموضوع تحدى شخصى وهدد إنه يتكلم عن الموضوع فى كل مكان ويخليها قضية رأى عام لو ماتمش اللى فى دماغه و”باولو” يخرج من المستشفى.. بعد معافرة وحرب لمدة أسابيع من الدكتور ضد أهل “باولو” أخيراً قدر يقنع أسرته بمواصلته للكتابة.. خرج “باولو” من المستشفى وفضل جواه تقدير الدكتور الشاب له وقت ما باعه ورفضه الكل.. خرج وكمل اللى بيعمله بمنتهى التصميم وإنه إذا كان فيه واحد مايعرفنيش حارب عشانى وقدرنى بالشكل ده يبقى المفروض أنا كمان أكمل.. النهاردة؟.. “باولو كويلهو” ليه كتب إتطبع منها 27 مليون نسخة على مستوى العالم وترجمت أعماله لـ 56 لغة وإتباعت فى 130 دولة.. والبداية؟.. من التقدير.

 

* الأديب “فكتور هوجو” بيقول: (الإبتعاد مؤلم، لكنه أفضل من قرب بلا تقدير).

 

  • اللى بيتابع وبيقرا هيكون سمع السنة اللى فاتت عن مجموعة من الشباب فى كفر الدوار عملوا فريق سموه (فريق صوت كفر الدوار) الشبابي في البحيرة.. الشباب دول عملوا حملة تطوعية تحت عنوان “إسعاد مسن” قالوا إنها لرد الدين للآباء والأمهات من خلال فعاليات ترفيهية تحاول قدر الإمكان ترجع الضحكة على وشهم ونظرتهم المتفائلة شوية للحياة.. عملوا إيه؟.. قرروا ياخدوا معاهم مجموعة من الناس الكبار فى السن المسنين الموجودين فى البيوت وعايشين لوحدهم أو وسط أسرهم بس محدش بيهتم بيهم وفسحوهم وقضوا معاهم يوم!.. أعلنوا عن الحملة دى من خلال الفيس بوك وبالفعل أنضم لها 100 مسن راجل وست.. “هيثم عبدالعزيز” منسق الحملة بيقول: (الغرض من الحملة اللى عملناها إننا كنا عايزين نقول شكرًا ليهم على كل اللى قدموه فى حياتهم وإننا نرسم إبتسامة حقيقية على وشوشهم ولو لمدة يوم لأننا الحقيقة مقصرين معاهم كلنا).. الشباب أخدوا الـ 100 مسن وراحوا بيهم إسكندرية زاروا القلعة ومتحف الأحياء المائية وقعدوا على الكورنيش وأكلوا آيس كريم وراحوا جنينة الحيوانات وزاروا متاحف وحديقة أنطنيادوس ولعبوا ماتشات كورة شارك فيها كل المسنين.. الحاج “محمود حسين عبدالعال” واحد من المشاركين بيقول فى تصريحات صحفية بعد نهاية اليوم: (والله العظيم شهادة حق كان أسعد يوم في حياتي، رجعوني شاب تلاتين سنة، وكنا في قمة السعادة والإنبساط ومافكرناش لا في المرض ولا فى هموم الدنيا).. “جدو عطية” واحد برضه من المشاركين قال بعد نهاية اليوم: (ربنا يبارك لكل أعضاء الفريق المنظم للرحلة زى ما قدرونا وحسسونا إن الحياة لسه ليها معنى، إحنا رجعنا عندنا حماس نعمل حاجات كتيرة(.

 

  • لحظة غياب التقدير هى بداية لحظة الإنسحاب اللى مفيش بعدها تأنيب ضمير.. فى نفس الوقت وجود التقدير بيكّسب كتير ومش بيخسّر زى ما هو شائع.. يا بيكتب شهادة ميلاد لـ شخص يا بيكتب شهادة وفاته.. مش بيتنسى وبيفضل محفوظ فى أبعد ركن فى الذاكرة.. شوية تقدير قادرين يخّلوك تكسب بنى آدم للأبد، وشوية من قِلته قادرين يخسروكم بعض حتى لو كنتم أخوات.. الناس بتكمل وتستحمل وتنجح وتعافر وبيتكتب لها عُمر جديد بسبب التقدير، وبيقرروا يمشوا ويموتوا ويرموا الطوبة بسبب قِلته.

 

الوسوم
إغلاق