الصلاة.. حوار القلب مع الله

يُعلِّمنا السيد المسيح قائلاً: “وإذا صلّيْتُم فلا تُكَرِّروا الكلامَ عَبَثاً مثل الوثنين، فهُم يَظُنُّونَ أنَّهُم إذا أكثروا الكلامَ يُستجابُ لهُم. فلا تتشَبَّهوا بهِم، لأن أباكُم يَعَلُم ما تحتاجونَ إليه قبل أن تسألوه” (متى 6: 7-8). كم من المرات التي نردد فيها هذه العبارة: “ليس لديّ وقت للصلاة”، والمبرر هو أن نعفي أنفسنا من التفرّغ لله، ونعطيه قليلاً من وقتنا كل يوم، وننسى أنه يَجوُد علينا بالحياة كلها لحظة بلحظة، في حين أننا نُهدر الساعات في أشياءٍ أخرى لا طائل منها.

يتخيّل البعض أن الله يعاقبنا لتركنا الصلاة، ولكن الواقع أننا نعاقب أنفسنا إن لم نصلي، لأننا بدون الصلاة نُدمّر ذاتنا ونقودها للفراغ والفشل واللا حياة. فالصلاة هي أداة لخيرنا الأعظم، لأنها حديث وحوار الإنسان مع الله أبيه. أي شرف نناله من حديثنا مع الله أبينا! وأي نِعَم وبركات تُمطرها الصلاة على حياتنا! فالله ليس بحاجةٍ إلى صلاتنا المحدودة التي نقدّمها له كل يوم؛ ولكننا بحاجةٍ إليها، ولن نستطيع أن نحيا بدونها إذا رغبنا في توطيد العلاقة مع الله.

إنَّ العَالِم النابغة أمبير الذي قدّم للإنسانية أعظم خدمة باكتشافه التيار الكهربائي والتلغراف؛ لخّص نجاحه في خطابٍ كتبه لابنه الطالب في جامعة باريس قائلاً له: “بُنَيّ الحبيب! أعكف على الدرس بعينٍ واحدة، ولْتَكُن الأخرى مُحَدّقة دوماً في الله الحاضر أمامك، فهو وحده يوليك الذكاء الحقيقي. وأنصت إلى أساتذتك العُلماء بأُذُنٍ واحدة لتكون الأخرى على استعدادٍ دائم لسماع صوت الله الذي يتكلّم في داخلك، وإن كتبتَ، لا تكتب إلا بيدٍ، لتمسك بالأخرى يد الله على نحو ما يفعل الطفل الذي يتشبث بيدِ والده، فإن لم تفعل ما أوصيك به عثرت وتحطّمتَ”. يا لها من نصيحة بسيطة وواضحة حتى نُعطي وقتاً كافياً للتقرّب من الله بالحديث معه والاستماع إليه والثقة فيه، وكل هذا سيكون مصدر نجاحنا وسعادتنا. مما لا شك فيه أن حضور الله في حياتنا هو نعمة عظيمة، كما أن العمل والدراسة تحت أنظاره لن يصيبهما أي عائق، لأن الله هو الذي يساعدنا على تجنّب المخاطر عندما نقترب منه بالصلاة والعبادة.

ويقول الفيلسوف أفلاطون: “إن أفضل ما نعمله لجعل حياتنا مُشرِقة وعظيمة، هي أن نحياها تحت أنظار الله”. فمَن لا يصلّي، يُخطئ في حق ذاته لأنه يرفض كل ما هو ضروري وأساسي لحياته حتى أنها تُصبح بلا معنى؛ كما أنه يُخطئ في حق الآخرين، لأنه سيصبح مُقَصّراً في علاقته بهم، فالصلاة هي السر العظيم لنتحلّى بوجهٍ مُشرق أمام الآخرين. وإذا تركنا الله يعمل فينا بنعمته عندما نصلي له؛ يتألق نور الصلاة على وجوهنا، ولكن إذا تركنا الصلاة أو تلاشت من حياتنا، تنقبض النفس ويظلم نورها. كم من الأعداد الغفيرة لهؤلاء الذين لا يصلّون إلا إذا كانوا بحاجةٍ من الله؟ فإذا ذهبت الحاجة، ماتت الصلاة في داخلهم وحياتهم، ولم يدركوا أن الصلاة هي بمثابة حديث ودّي بين الله وأبنائه. مَن منّا يتخيّل ابناً لا يتحدث مع أبيه الذي يُضحّي من أجله ويوفّر له كل شيء بحاجةٍ إليه؟ أو أننا نقبَل من الابن أن يتناول الحديث مع والده عندما يكون بحاجةٍ إليه فقط؟ مما لا شك فيه سيرفض الجميع هذا التصرّف المُشين، لأنه يُعبّر عن علاقة مصالح شخصية فقط. يجب أن نمحو من مخيلتنا أن الله جامع للضرائب، وخاصة ضريبة الصلاة، فالله ليس محاسباً، بل مُعطي بسخاء، وليس مُحصّلاً، ولكن مانح الهبات. إذاً علاقتنا به مبنيّة على المجانية وليست على الحسابات الصارمة، فالله ينتظر منّا أن نكتشف نِعم الصلاة في حياتنا.

وما أجمل كلمات السياسي الأسباني Donoso Cortés : “الذين يصلّون يَعمَلون في سبيل العالم أكثر من الذين يحاربون. وإذا كان العالَم  يتحوّل من سيء إلى أسوأ، فالسبب أنه يوجد معارك أكثر مما توجد صلوات”. نحن لا نُفَرّح قلب الله عندما نؤدي صلواتنا كأنها واجب مفروض علينا، حتى أننا نرفعها له دون روح ولا حياة ولا طعم، ويصل الحال بنا أننا نصلّي وعلى وجوهنا الكآبة والحزن والغضب، منتظرين اللحظة التي فيها ننتهي من هذا الواجب وكأنه دَيْن. ولكن الله يُسَر بهؤلاء الذين يعتبرون الصلاة كالهواء والماء في حياتهم، كأنها حوارٌ بين الوالدين وأبنائهما. ونختم بالعبارة الرائعة: “هنا فرق شاسع بين مَن يُصلّي ليستريح بها؛ ومَن يصلي ليستريح منها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق