“صراصير” في عقول “الفتوجية”

لا أجد سبب لحالة الدروشة والهطل والفتوي بدون علم، التي اصابت قطاعات عريضة من المجتمعات العربية، وجعلتها تتطوع لتفسير  كل ظاهرة طبيعية أو غير طبيعية تطرأ أو تلوح في الأفق، وفقا لاهوائهم، دون انتظار لكلمة العلم والعلماء، مثلما حدث مؤخرا في ظاهرة الصراصير التي انتشرت بأعداد كبيرة في الحرم المكي الشريف منذ أيام.

 

فدون انتظار لتفسير المتخصصين، ارجع عدد من “الفتوجية” الأمر إلى غضب من الله على حكم ال سعود، بعد سماحهم بإقامة حفلات فنية على أراض المملكة، في حين أن مثل تلك الحفلات تقام في كل الدول العربية منذ سنوات، ولم يبتلى الله اي منها بصراصير الليل مثل التي هبطت على الحرم المكي.

 

كما ارجع بعض “الفتوجية” الظاهرة إلى إهمال ال سعود في خدمات والنظافة الحرم، مما ترتب عليه ظهور جيوش الصراصير بتلك الأعداء الرهيبة، وهو ما لم يحدث بشهادة كل زوار الحرم المكي الشريف.

 

في حين افتت فئة ثالثة من “الفتوجية” بوجود مؤامرة من غير المسلمين على الحرم المكي الشريف، جعلتهم يطلقون تلك الاعداد الغفيرة من الصراصير على تلك البقعة المقدسة عند المسلمين.

 

في حين أن الظاهرة لا علاقة لها  بالدين أو النظافة أو سياسة ال سعود، أو كما ذهبت تفسيرات وتأويلات “الفتوجية” ولا تتعد في حقيقتها – طبقا لتفسير علماء الحشرات – عن ظاهرة طبيعية تتزامن مع موسم الهجرة الجماعية لتلك النوعية من الحشرات، التي يحدث لها في هذا التوقيت من العام، نوع من الفوران يدفعها للهجرة بالملايين إلى مكان تتناسب فيه درجات الحرارة والرطوبة والبيئة المناسبة لوضع بيضها، وهو ما وجدته تلك الحشرات في كل أنحاء مكة المكرمة، وليس بالحرم المكي الشريف بمفردة.

 

كما أن مكة المكرمة – طبقا للمتخصصين – لم تكن المكان الوحيد الذي قصدته “الصراصير الليلية والجراد” في هجرتها، بل هاجرت أيضا إلى المنطقة الجنوبية من السودان، والجنوب الغربي من ليبيا، نظرا لتوافر البيئة المناسبة.

 

العجيب كما أكد العلماء، أن لتلك الحشرات القدرة على قياس درجات الحرارة والرطوبة، ومستوى ارتفاعها من على سطح الأرض، وحساب المسافة بينها وبين البيئة المناسبة التي ترغب في التوجة إليها، عن طريق قرون استشعار، ميزها به المولى عز وجل، تجعلها تتعرف على أشياء يعجز الإنسان عن التعرف عليها سوى باستخدام أجهزة علمية دقيقة، وهو ما جعلها تهاجر بالملايين إلى مكة المكرمة وغيرها من المناطق المناسبة لها خلال تلك الفترة.

 

وعلى الرغم من أن السلطات السعودية بدأت على الفور فى مكافحة جيوش الصراصير بمجرد ظهورها، ونجحت في القضاء عليها خلال ساعات، إلا أن علماء الحشرات أجمعوا على أن هجرة تلك النوعية من الحشرات تتراوح بين 3 و 6 أسابيع، بعدها تنتهي الظاهرة.

 

اتمنى ان يكف “الفتوجية” من الجهلاء ومدمني الهطل والدروشة عن استباق الأمور وتفسير الظواهر طبقا لأسباب لا وجود لها سوى في خيالاتهم، والاكتفاء بالعمل بمقولة “من قال لا أدري فقد أفتى” احتراما لأنفسهم وللمجتمع، وترك الفتوى لأهلها من العلماء والمتخصصين، فقد ضاق صدر الناس من كثرة المعلومات والفتاوى المغلوطة التي تنهال عليهم يوماً، لدرجة لجعلتهم في حيرة بين الخطأ والصواب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق