رؤية قانونية في قضية مني فاروق وشيماء الحاج

هزت قضية الفيديو المتداول للممثلتين”مني فاروق وشيماء الحاج” أوساط الرأي العام في مصر ما بين مستنكر ومستعجب وشامت!.

إلا أنني بصفتي رجل قانون يضع مثل هذه القضايا علي ميزانه لتقدير الموقف وتحديد المسئولية، تأملت النظر في هذه القضية ودارت في رأسي تساؤلات عدة وأول هذه التساؤلات: هل ما وقع من هاتين الممثلتين يعد جريمة وفقا لقانون العقوبات أو أي من القوانين الجنائية الخاصة سيما قانون مكافحة الدعارة المصري؟ وإذا كان ما وقع منهما جريمة فهل كان اتصال علم النيابة العامة بهذه الجريمة اتصالا صحيحا أي مطابقا للمشروعية الإجرائية؟.

وفي تلك الحالة فما هو مصير ما أسفرت عنه التحقيقات في هذه القضية سيما وأن الممثلتين اللتين في حكم المتهمتين قد أرشدن عن شخصية عامة ووجهتا إليها سهام المسئولية عن تصوير هذا الفيديو وهذه الشخصية التي تداولت بعض الوسائط الأليكترونية اسمها يبدوا أنها مما تتمتع بالحصانة الإجرائية المقررة لنواب البرلمان.

كل هذه التساؤلات دارت في رأسي بعيدا عن تقدير هذا الموقف من الناحية الأخلاقية أو الشرعية، ذلك أن مثل هذا الموقف مما لا يختلف اثنان علي عدم مشروعيته الدينية ومجافاته لمكارم الأخلاق. ولكن الموقف المطروح يتصل بأمر غاية في الأهمية وهو كيفية الوصول إلي حقيقته، وهو ما يتصل بمبدأ هام أرست الشريعة الإسلامية قبل القانون الوضعي ملامحه وهو” مبدأ حرمة الحياة الخاصة”.

وأستعير في هذا المقام بهذا الموقف المؤثر الذي وقع فيه أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب. فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعسّ بالمدينة في الليل، فسمع صوت رجل في بيته فارتاب بالحال، فتسوّر فوجد رجلا عنده امرأة وخمر، فقال: يا عدوّ الله، أكنت ترى أنّ الله يسترك وأنت تعصيه؟ فقال الرجل: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته في ثلاث، قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَجَسَّسُوا(الحجرات: 12) وقد تجسّست.

وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابها (البقرة: 189)، وقد تسوّرت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا” (النور: 61) وما سلّمت. فقال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا، فعفا عنه. فهذا هو موقف الشريعة الإسلامية الغراء من موقف الرجل المتعدي علي حرمات الله – سرا – والذي يتسق في وقائعه مع الموقف محل التحليل.

وأما عن موقف القانون الوضعي من هذه القضية المطروحة ، فبداية آليت علي نفسي وبحثت في قانون العقوبات فلم أجد فيما أثر ثمة جريمة. ذلك أن الفعل المتردد الحديث عنه وإن كان حقا فاضحا ومما لا ترضاه أخلاق وأعراف المجتمع المصري، إلا أنه لم تكتمل له مقومات جريمة الفعل الفاضح العلني التي أثمها المشرع المصري في المادة 269/1 من قانون العقوبات بنصه علي أن” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر كل من وُجد في طريق عام أو مكان مطروق يحرض المارة علي الفسق بإشارات أو أقوال” فهذا النص يعاقب بمقتضاه المشرع الشخص الذي يتعمد إتيان هذا السلوك.

فيتعمد أن يظهر في مكان مطروق يتصل علمه به وكينونته مطروقا للكافة أو طريق عام، ثم تتجه إرادته إلي أن يأتي سلوكا فيه نوع من التحريض لمن يمرون علي هذا الطريق أو المكان المطروق علي الفسق بما يعنيه الخروج عن مكارم الأخلاق ، فإذا انتفت القصد الجنائي لدي الشخص بانتفاء علمه بعمومية المكان وكونه مطروقا للكافة وتخلفت لديه الإرادة المتوجه بها إلي الناس لخلق فكرة الخروج عن الأخلاق في أذهانهم تخلفت أركان هذه الجريمة.

كما أن هذا الفعل أيضا تخلفت عنه مقومات الجريمة المؤثمة بنص المادة  278 التي تنص علي أن” كل من فعل علانية فعل فاضحا مخلا بالحياء يعاقب بالحبس مدة لا تزيد علي سنة أو بغرامة لا تتجاوز ثلاثمائة جنيه مصري”.

كما أن هذه الوقائع لم تكتمل لها كذلك مقومات جريمة الفعل الفاضح غير العلني والتي أثمها المشرع المصري في المادة 279 من قانون العقوبات بنصه علي أن” يعاقب بالعقوبة السابقة كل من ارتكب مع امرأة أمرا مخلا بالحياء ولو في غير علانية” ذلك أن المشرع قد سنَّ هذه المادة صيانة لكرامة المرأة التي تتعرض لفعل فاضح غير علني.

ومن ثم فإن من أهم الأركان التي تقوم عليها هذه الجريمة انعدام الرضاء، ولعل هذا ما يفسر سياسة المشرع المصري واتجاهه إلي جعل هذه الجريمة من الجرائم التي علّق فيها حرية النيابة العامة في تحريكها علي تقديم شكوي من المجني عليه حسبما نصت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية.

ومن ثم فإن هذا الفعل ليس مما يقال عنه أنه فعل فاضح علني أو غير علني ، كما أنه ليس مما ينطبق عليه وصف جرائم هتك العرض أو الابتزاز أو غير ذلك لعدم اكتمال أركان هذه الجرائم والتي تقوم أيضا علي ركن أساسي وهو انعدام الرضاء لدي المجني عليه ومن ثم فإن في رضاء المجني عليه في هذه الجرائم وهي” المرأة” ما يجعل هذا الفعل في عداد الأفعال المباحة سيما وأن ما تردد عنه أنه كان بمطلق الرضاء، وهو ما يتسخلص منه خلوّ قانون العقوبات من نص جنائي يتضمن تجريما أو عقابا علي هذا الفعل.

وإذا انتقلنا إلي قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961 واستقرأنا نصوصه فسيتأكد أيضا أن الفعل محل البحث ليس محلا لتجريم أو عقاب من هذا القانون، سيما المادة 14 من هذا القانون والتي جرمت الإعلان بأي طريقة من طرق الإعلان عن الدعوة لممارسة الفجور أو الدعارة، فهذه المادة تنصب علي تجريم سلوك معين وهو إشاعة الفاحشة في المجتمع عمدا لإغراء أفراده للوقوع في الرذيلة.

التكييف القانوني للواقعة

والسؤال الذي يثور الآن يتعلق بالأساس القانوني الذي اتصلت به النيابة العامة بهذه القضية، ومدي مشروعية أمر الضبط الصادر بحق الممثلتين المذكورتين؟ فمن الواضح أن ما تردد عن مسلك المذكورتين – مع إنكاره – لا يشكل جريمة جنائية ! إذن علي أي أساس جرت تحريات جهة البحث؟ وعلي أي أساس صدر قرار الضبط والاحضار وعلي أي أساس أجريت التحقيقات؟ وكيف جرت مواجهة المتهمتين؟ كل هذه التساؤلات تتضمن في إجاباتها ما يطعن في صحة إجراءات التحري والضبط والتحقيق وكافة ما سيسفر عنه من آثار.

أهمها ما أرشدت عنه المتهمتين وتداولته الصحف بشأن الشخص الذي كان برفقتهما والذي قيل أنه نائب برلماني محصنّ بقوة الدستور. فلا اعتداد بشهادتهن علي الإطلاق في هذا الخصوص نظرا لعدم مشروعية خضوعهما للتحقيق من الأساس. فالمشرع الدستوري في المادة 54/1 من الدستور نص علي أن الحرية الشخصية حق طبيعى، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأى قيد إلا بأمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق.

وهو أيضا ما ينص عليه المشرع في قانون الإجراءات الجنائية في المادة 34 التي نصت علي أن” لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات أو بالجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر, أن يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه”.

والمادة 35 والتي نصت علي أنه” إذا لم يكن المتهم حاضراً في الأحوال المبينة في المادة السابقة جاز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره، ويذكر ذلك في المحضر. أو في غير الأحوال المبينة في المادة السابقة إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعدٍ شديد ومقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة، وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه…”.

أي أن المشرع قد علق صحة ومشروعية أمر الضبط أن تكون هناك بحسب الأصل جريمة تعد جناية أو جنحة، والمختص بمراجعة صحة الوصف وكونه كذلك وفقا للقانون هي النيابة العامة بوصفها هي المنوط بها إصدار هذا الأمر وهي بذلك قد وضعها المشرع حامية للشرعية الإجرائية.

فإذا كان ما أثير حول موقف الممثلتين والحال كذلك لا يمثل جريمة وفقا للقانون الأمر الذي يهدر كل ما نتج عن كافة الإجراءات التي جري اتخاذها، أو المزمع اتخاذها كذلك وهو ما لا يستقيم معه طلب رفع الحصانة المتردد الحديث عنه في الأوساط الإعلامية والسياسية كما لا يستقيم.

كذلك أيضا اتخاذ أي إجراء برلماني حيال النائب الذي تردد اسمه في هذه الأوساط. ولا أقول ذلك حبّا فيه فأنا ممن يختلفون معه كل الاختلاف في منهجية عمله السينمائي وفلسفته التي أراها أنا أضرت المجتمع أكثر مما أفادته ولكن الموقف موقف دفاع عن القانون وسيادته وليس فيه أي صلة بالأشخاص.

وإذا عدنا لموقف القضية المثارة من خلال وسائل الإعلام والصحف فلا نجد محركا لها إلا تلك الفيديوهات التي تداولت الصحف أخبار عن انتشارها وأنها تضمنت مادة مخلة بالآداب !!. والسؤال الآن هل نشر هذه الفيديوهات كان بفعل المتهمتين؟ لا أظن ذلك فمما لا يستقيم مع العقل والمنطق أن يقدم الإنسان – وهو الذي يتواري دوما عن أعين الناس عند ارتكابه للجرائم – إلي استعراض فعله الشا، علي مرأي ومسمع من الناس فاضحا نفسه.

والسؤال الآخر هل من نشر هذه الفيديوهات هو الشخص المُرشد عنه بالتحقيقات المشكوك في صحتها؟ الإجابة علي هذا التساؤل أيضا لا تخرج عن الإجابة السابقة.

إذن من الناشر؟ وما هي مصلحته؟ ولماذا اختار هذا التوقيت تحديدا؟ الإجابة علي هذه التساؤلات قد تدل الباحث عن الحقيقة عن مدي سلامة الموقف من أساسه.

إنني لم أنَّصب نفسي مدافعا عن أحد من خلال هذا المقال. وإنما فقط أردت كأي عاقل أن أتقصي سبل الحقيقة حتي لا تموت بين جنبات المجتمع الذي بات يستصغر أمر الفضائح و انتهاك حرمة الحياة الخاصة للناس بكل ما فيهاوهي عند الله أعظم. فقد التبست الأمور وصار الباطل حقا والحق باطلا. وصار المشروع غير مشروع وغير المشروع مشروعا في نظر الناس.

فلا ينبغي أبدا أن ينتفض المجتمع لفعل مشين وقع من أحد أفراده إذا ما وجد أن الطريقة التي أُسدل بها الستار عن هذا الفعل تفوق الفعل جرما. فالحال أننا أمام تجسس وتنصت علي حرمة حياة خاصة لبعض الناس. لا يهمني ماذا كانوا يفعلون فنحن لم نُفَوَض من الله تعالي لكي نحاسب البشر علي ما يقترفوه في خلواتهم. ذلك أن لكل منَّا غدراته وفجراته في خلواته التي لو أزال الله عنها ستره لما استطاع أحدنا أن ينظر في وجه أخيه.

لذلك فالمهم عِندي الآن ألا تبتعد سلطة التحقيق عن لبّ الموضوع. فعليها ابتداءا أن تحقق في كيفية ظهور مثل هذه التسجيلات وكيفية خروجها علي الملأ ومن المسئول عنها وما هي أهدافه وغاياته حتي لا يلتبس الحق بالباطل وتصير فتنة تهدم ما تبقي من أخلاق المجتمع.

والله من وراء القصد،

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق