• بحث عن
  • السينما والروايات الأدبية 

    تغير شكل الإبداع السينمائى في مصر تماماً عندما استند المبدعون إلى الآداب المكتوبة لصنع أعمالهم التي سارت بالسينما المصرية الى الأمام والتي بدلت شكلها وهويتها حين انتبهت إلى الإبداع المصرى، ما ولد تأثيراً متبادلاً بين الطرفين السينما والأدب فتغيرت شاشة السينما المصرية جذرياً.

    وذلك من وجهة نظرى ربما حدث بسبب أن الرواية كانت أكثر توازياً والتصاقاً مع السينما، لقرب الشراكة فى جوهر الحكاية التى تشترك فيها مع السينما، فقد تبادلت السينما مع الأدب لعبة البناء والشكل، وحيلة تطويع السرد الفنى في السينما والأدب ربما سبقت، فى أحيان كثيرة، لعبة البناء الحكائى الصورى الذي انعكس على الأدب.

    أما التناول للرواية من قبل السينما، وجعلها فيلماً، فهى عملية معقدة وليست سهلة كما يظن البعض، وليس التعقيد في تناول الحكاية الروائية، وإنما في التناول الفنى والبنائى للرواية، لأننى أرى أن السينما ليست مهمتها تقديم العمل الأدبى، كسرد حكائى للرواية، أو تقديمها صنفاً أدبياً فقط ولكن مهمة السينما هى إعادة صياغة الرواية بشكل مبسط يقنع المتلقى ولا يخل بمضمون الرواية المأخوذ عنها الفيلم، لأن المشاهد فى بعض الأحيان يحدث لديه نوع من التشتت إذا كانت أحداث الفيلم مغايرة للرواية التى قرأها، لذلك يجب على كل من يحول نص أدبى إلى فيلم سينمائى أن يكون بارع ومتقن فى عمله لأن الفيلم السينمائى حينها يكون قراءة جديدة للعمل الروائى، وهناك كثير من التجارب التى لم يكتب لها النجاح، بل إن هناك كتب أفسدتها السينما عندما تحولت لأفلام، وبالنسبة للسينما المصرية، ووفق دليل أعده الأستاذ محمود قاسم، فإنه فى العشر سنوات الأولى للسينما المصرية، تم إنتاج ثمانين فيلماً طويلاً، تسعة منها مأخوذة من كُتاب وأهمها فيلم (زينب) للأستاذ محمد حسين هيكل، وفيلم (وداد) للأستاذ أحمد رامى، وعملان استندا لأعمال أجنبية: (دموع الحب) عن (ظلال الزيزفون) ، و(عمر وجميلة) عن قصة لهنرى بوردو.

    وفى سنة ٦٠، تم اقتباس ١٤ فيلماً من ٦٠ فيلماً تم إنتاجها، منها (البنات والصيف) للأستاذ إحسان عبد القدوس، و(الرباط المقدس) للأستاذ توفيق الحكيم، و(نداء العشاق) للأستاذ عبد الحى أديب، و(بداية ونهاية) للأستاذ نجيب محفوظ. وفى عام ٦١، ظهر (السفيرة عزيزة) للأستاذ أمين يوسف غراب، و(لا تطفئ الشمس) للأستاذ إحسان عبد القدوس، و(نهر الحب) عن (آنا كار نينا).

    وفى عام ٦٢، اقتبست السينما المصرية تسعة أفلام من ٤٦ فيلماً، منها (اللص والكلاب) للأستاذ نجيب محفوظ، و(ألمظ وعبده الحامولى ) للأستاذ جوده السحار، بل إن هناك أفلاماً فاقت الروايات المأخوذة عنها نجاحاً، وعندما نقارن بين تلك الحقبة والحقبة التى نعيش فيها الأن يتبادر إلى أذهاننا سؤال ملح وهو هل “ماتت” القصة القصيرة في الوطن العربى؟ أم تراجع دورها، وتغيرت وظيفتها الفكرية والفنية والإجتماعية؟ وهل فقد هذا الجنس الأدبى مكانته، بعد أن اعتبر أحد إنجازات الإبداع الحديث فى القرن العشرين، ورأيى المتواضع أنه لا يوجد في تاريخ السينما المصرية مخرج يضارع الأستاذ صلاح أبوسيف في اهتمامه بالأدب، ففضلاً عن إخراجه عدداً كبيراً من الروايات، قام أيضاً باجتذاب كتاب وروائيين بارزين ليكتبوا خصيصاً للسينما، سواء أفلاماً أخرجها بنفسه أو آخرون، ومن أبرز هؤلاء الأستاذ نجيب محفوظ فهو أكثر من تحولت رواياته إلى أفلام والأستاذ يوسف غراب.

    كما كان الأستاذ صلاح أبوسيف وراء تحويل أعمال الأستاذ إحسان عبد القدوس إلى أفلام، وقدم كذلك رواية الأستاذ نجيب محفوظ (بداية ونهاية) إلى السينما، وكذلك رواية (لا وقت للحب) للأستاذ يوسف إدريس، إضافة إلى روايات الأستاذ إسماعيل ولي الدين، والأستاذ أحمد رشدى صالح والأستاذ لطفى الخولى والأستاذ يوسف القعيد. ثم جاء من بعد الأستاذ صلاح أبوسيف مخرجون حذوا حذوه أبرزهم الأستاذ حسام الدين مصطفى والأستاذ حسن الإمام والأستاذ حسين كمال والأستاذ هنرى بركات والأستاذ كمال الشيخ ثم الأستاذ أشرف فهمى والأستاذ عاطف الطيب الذى أعتبره من أهم وأنجح المخرجين المصريين. من هنا يتضح لنا أهمية العلاقة بين الأدب والسينما فى مصر كون الأدب غير من شكل وخريطة الإبداع السينمائى، ويجب ان أنوه هنا إنه عندما تقلصت العلاقة بين الأدب والسينما لتصل إلى أدنى درجاتها فى وقتنا هذا، غير ذلك كثيراً من «شكل» السينما المصرية ومضمونها وقيمتها وأهدافها، ولذلك أتمنى من كل قلبى أن تعود العلاقة بين السينما والروايات الأدبية إلى سابق عهدها حتى تستعيد السينما المصرية جمالها ورونقها وقيمتها وريادتها.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مقالات ذات صلة


    CIB
    CIB
    إغلاق