أُعْطُوا.. تُعْطَوا

يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى: “مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأى بأخيهِ حاجَةً فأغْلَقَ أَحشاءَه دونَ أخيه فكَيفَ تُقيمُ مَحبَّةُ اللهِ فيه؟” (17:3). مما لا شك فيه أننا نُكرِّس يوم الجمعة الأولى من شهر أبريل للاحتفال بأخوتنا الصغار اليتامى، وفي هذا الشهر يسعى الكثير من الناس لتقديم يد المعونة لهم؛ إذاً.. ما دور كل واحدٍ منّا تجاه هؤلاء الأشخاص؟ حدث ذات مرة أن بعض الأطفال كانوا يستهزؤن بطفلٍ حافي القدمين قائلين له بتهكّمٍ وسخرية: “إذا كان الله يحبّك حقاً؛ فلماذا لا يهتم ولا يعتني بك؟ ولماذا لا يرسل أحداً ليوفّر لك حذاءً؟” فارتبك الطفل من هذا الكلام لحظةً وبدأت الدموع تنهمر من عينيه مُجيباً إياهم: “إن الله يأمر الناس بذلك، ولكنهم لا يسمعون له ولا يطبّقون وصاياه”.

ما أكثر أخوتنا اليتامى والمحرومين من أشياءٍ كثيرة، فهم بحاجةٍ إلى سد جوعهم، ومن يساعد على شفاء أمراضهم وستر عُريهم! مما لا شك فيه أن كلَّ واحدٍ منّا يستطيع أن يقوم بهذه الرسالة السامية ويمد لهم يد المعونة، لذلك لا يستطيع أي شخصٍ الاعتذار عن القيام بعمل الخير والإحسان والرحمة. ويحثّنا أيوب في سِفْرِه قائلاً: “لا تحوّل وجْهَك عن فقير، وحينئذٍ وجه الرب لا يتحوّل عنك” (7:4). لا تكفينا الصلوات التي نقوم بها طوال اليوم، أو الاكتفاء بعاطفة المحبة نحو القريب إن لم نقم بمبادرة فعلية في سدّ حاجته. إذاً… مَن يرغب في سماع صوت الله والشعور بوجوده؛ يجب عليه أن يقوم بزيارة المستشفيات كما يذهب للصلاة، وأن يحنو على الفقير الواقف على بابه، كما يَطّلع ويقرأ في الكتب المقدسة.

كم من اليتامى الذين هم بحاجةٍ إلى كلمة تُطَيّب قلبهم وتخفف آلامهم، أو إلى نظرة وداد وعطف ترفع من معنوياتهم، أو إلى ابتسامةٍ صادقة تُشعرهم بأنهم أخوةً لنا! لا ننكر أن الله أنعم علينا بنعمةٍ لا مثيل لها، ألا وهي المحيط العائلي، ووالدين يغمراننا بالحُبّ والعطف والحنان؛ فهل بادر إلى ذهننا يوماً التفكير في الأيتام العديدين المحرومين من شخصٍ يضمهم إلى حضنه؛ ومن شفاهٍ تطبع على جباههم قُبلة العطف والحنان؛ ومن إنسانٍ يشجّعهم ويواسيهم بكلمةٍ طيبة؟ من البديهي والضروري أن نتجنّب فعل الشر، ولكن واجب علينا أن نقوم بأعمال الخير دائماً، لأننا عندما نمتنع عن فعل الخير كأننا صنعنا شراً بسبب إهمالنا في إنقاذ أشخاصٍ بحاجةٍ إلى من يسعفهم. كما أننا لا نعتبر القيام بعمل الخير سخاءً منّا، بل هو واجبٌ مقدس، ودَيْن في أعناقنا.

لذلك يجب علينا ألا نتردد في القيام بأي تضحية تُدخِل المسرّة في قلوب المعذّبين والمحرومين واليتامى. لأن الفقير الذي لا نطعمه، نكون سبباً في موته جوعاً؛ والمريض المحتاج للعلاج ولا نقوم بذلك، نعمل على قتله، فهل نتخيّل أن الله يرضى بهذه التصرفات الغير إنسانية؟ كم من الملايين الشباعى، الذين يأكلون حتى التخمة، حتى أنهم يمرضون من كثرة الطعام، في حين أن هناك الملايين الذين يموتون جوعاً؟! كم من المسرفين في المآدب والمحافل والحفلات يلقون من فضلات الطعام أكثر مما يأكلون؛ في حين أن هناك أخوةٌ لهم بؤساء لا يجدون ثمن الدواء الذي يخفف من آلامهم وأوجاعهم؟! وكما يقول القديس أغسطينوس: “ما تحتفظ به، أنت لا تربحه، بل تخسره”.

مما لا شك فيه أن العطاء يترك أثراً جيداً فينا ويمنحنا سعادةً لا مثيل لها، ونقرأ في سفر أعمال الرسل: “إن العطاء أعظم غبطة من الأخذ” (35:20). لكن مَنْ يريد الأخذ فقط ولا يرحم أخوته ويتحجّر قلبه ولا تهتز مشاعره أمام أخ يتيم أو فقير أو مريض عاجز أو بائس؛ حينئذٍ تتبرأ منه الكرامة الإنسانية، كما أنه يُعتبر قاتلاً في حق أخوته البشر، قاتل لأنه لا يتأثر ولا تتحرك أحشاءه نحو الآخرين، حتى أنه يمتنع عن أي عمل رحمة، ولماذا لا ندعو قاتلاً كل مَن ينفق على ذاته ومتعتها فقط، ويبخل على المحتاج والفقير والمريض؟ ولكن الشخص الذي تمس الرحمة قلبه وتعزف على أوتاره، لا تقف أمامه أي عوائق ليعبّر عن سخائه نحو المحتاج والفقير واليتيم، ويجب أن نضع في الاعتبار أن الإحسان لا ينحصر في المساعدة المادية فقط؛ بل في هبة الذات والتضحية والحُب الذين يُعتبرون أفضل من المال. ونختم بالقول المأثور: “إذا بكى الفقراء، أغرقت دموعهم الشباعى”.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق