الثروة البشرية وإعادة تأهيلها

يشغلني كثيراً موضوع التأهيل الخاص بالقوى البشرية حيث أننى أواجه يوميًا بصفة شخصية مشكلات تعود إلى عدم كفاءة العاملين سواء بالقطاع الخاص أو الحكومى، فأضطر غالبًا لتكرار المحاولة أو تصعيد المشكلة للحصول على حقى فى خدمة جيدة وأحيانا عندما ألتقى بحالات استثنائية من شباب يمارسون عملهم بإتقان وجدّية ويهتمون بمصلحة متلقى الخدمة  فأتشعر وكأنهم تلقوا تأهيلًا متميزًا ولكن مع التحدث كثيرا مع هذه النماذج أجد أن هذا التأهيل ماهو إلا حسن الخلق والضمير الحى الذى تربى عليه هؤلاء الشباب المخلصون لعملهم فى بيوتهم أولًا وبصرف النظر عن تلقيه تعليمًا خاصًا أو حكوميًا.

نحن أصبحنا نعيش فى مجتمع نمطه الطبيعى هو الاهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية والتراخى والكسل وغياب دليل الاجراءات عن اى منظومة. إذا كان هناك دليل إجراءات واضح لكل موظف يضمن لأي كيان أن يعمل بكفاءة  فنحن لن نواجه مشاكل فى معاملاتنا اليومية كما ان هذا الدليل يتيح للمسئول أو المدير معرفة المقصرين وأوجُه التقصير وكذلك تحديد المجيدين وتقييمهم وتقديرهم وايضاً إعداد برامج التأهيل الخاص بكل وظيفة.

لماذا يحدث فى مصر أن أى شخص يستطيع أن يمتهن أى مهنة فى ليلة وضحاها؟ لماذا لا يحكمنا  قانون يمنع ممارسة المهن اليدوية دون شهادة ومن ثم ترخيص بمزاولة المهنة؟  فى دول أوروبا لا يستطيع أى شخص مهما بلغت مواهبه على سبيل أن يمتهن مهنة السباكة أو تصليح السيارات أو حتى مشرف أطفال فى فى الحضانة التى تسبق دخول المدرسة. لماذا لا يوجد معاهد متخصصة فى تعليم جميع الحرف اليدوية كالسباكة والميكانيكا والكهرباء..  وتكون مدة الدورة التدريبية ثلاثة أشهر على سبيل المثال حتى يكون مع الحرفى شهادة ورخصة مزاولة مهنة يطلع عليها متلقى الخدمة وبناءا عليه يقرر التعامل معه من عدمه.. ومعاهد أيضا لتعليم الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر؟

ففى أندونيسيا الصناعات الصغيرة والمتوسطة نجحت فى دعم الاقتصاد الإندونيسى بشكل كبير بل وتحويله لما يطلق عليه نمر أسيوى ينافس دول شرق آسيا اقتصاديا. إندونيسيا التى عانى أهلها من الفقر والبطالة وظروف سياسية واقتصادية طاحنة فى منتصف تسعينيات القرن الماضى بسبب سياسة الرئيس الإندونيسى الأسبق سوهارتو الذى استقال عام 1998 إثر ثورة شعبية عارمة ضده بعد حكم دام 33 عاما، أصبحت الآن رابع أكبر اقتصاد فى آسيا بعد الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ويصنف اقتصادها فى المرتبة الـ 15 بين أقوى اقتصاديات العالم، وذلك بفضل امتهان المواطنين بمهن وصناعات أجادوها من قبل أن يمتهنوها فأصبحت خدمات وسلع منافسة فى السوق العالمى..

لماذا لا يتم انشاء وزارة للعمل وتنمية الموارد البشرية ويتم إنشاء معاهد للحرف تتبع إليها بحيث تكون مدة الدورة التدريبية بسيطة –من شهر إلى ثلاثة أشهر- كما فى الأردن على سبيل المثال. فيتخرج من تلك المعاهد كوادر تستطيع أن تقدم أولا خدمة جيدة للمواطنين ومن الناحية الأخرى سوف يمتنع المواطنون من التعامل مع اى حرفى لا يحمل شهادة تلك المعاهد التابعة لوزارة العمل.

كما تختص أيضا بعمل دليل اجراءات لجميع الهيئات والمؤسسات، ببساطة شديدة فإن المسؤول عن إدارة أي منشأة، عليه أولًا أن يلتزم بنظم عمل تشمل دليل الإجراءات والتجهيزات اللازمة لتقديم الخدمة المنوط بها هذه المنشأة طبقا باشتراطات الجودة والسلامة ومن هنا تكون الأولوية فى الاستثمار فى أى قطاع هى تطوير وتحسين الوضع الحالى وإعادة تأهيل الكوادر والمنشآت كى تصبح آمنة..

وأود أن أؤكد أنه إذا كان لدينا نظم عمل ودليل إجراءات نستطيع أن نحدد حجم الاستثمار. المطلوب من الأموال والتجهيزات والبشر كما نستطيع إعداد برامج لتأهيل الموارد البشرية. ووضع المؤشرات لمحاسبتهم. أنا أدّعي أن أهم شروط الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية هى المحاسبة العادلة لكل أفراد المجتمع، حينئذ يشعر الجميع بتكافؤ الفرص؛ فيسعى كل منا إلى التميز وفقًا لقدراته كما أن كل فرد يجد أنه من الضروري عليه أن يسعى لتنمية قدراته فسوف يفعل ذلك بحب ورضا تام لأنه يعلم أنه سوف يأخذ حقه فى إطار عدالة المجتمع الذى يعلى شأن ويقدر المتفوقين والمجيدين فى عملهم، أما الذين يعيشون فى ماضيهم ولا يسعون إلى التقدم فعليهم بترك أماكنهم لمن يسعون إلى الوصول الى جودة الحياة التى يستحقها المصريون، بالعمل والجهد، وليس بالدعم وبرامج الحماية الاجتماعية والتى بدأت تنمو وقد تتفاقم أعباؤها بصورة لا تستوعبها موازنة الدوله على المدى المتوسط والبعيد.

ومن هنا أقترح تحقيق العدالة الاجتماعية من الفائض الذى يحققه نظام المحاسبة وتكافؤ الفرص ومن ثم زيادة كفاءة وإنتاجية المجتمع والاقتصاد بدلًا من تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق زيادة العجز فى الموازنة، باختصار يجب وضع الآليات اللازمة لإدارة الاقتصاد بكفاءة مما يتيح حياة أفضل للمصريين عن طريق تعظيم الناتج القومى وفقًا لآليات السوق وقواعد تكافؤ الفرص.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق