• بحث عن
  • سعيد شعيب يكتب مذكراته: عندما قال لي ماهر زهدي “ارفع راسك يا سعيد”

    كنت مجهداً وحزيناً كنا نجلس محشورين في غرفة مكتب رئيس التحرير الأستاذ محمود المراغي، رحمه الله، كان سبب إضرابنا عن العمل أن الأستاذ المراغي اختار بعض زملائنا رؤساء لأقسام جديدة ولم يختر أياً منا نحن، وهو ما اعتبرناه وقتها انتهاكاً لحقوقنا، وانتهاكاً لمعيار الكفاءة من وجهة نظرنا، لم يكن عددنا بالقليل، ولم نكن فقط مجموعة من المحررين، لكن كان من بيننا قادة (رؤساء أقسام) شاركوا في تأسيس تجربة جريدة «العربي» التي أصدرها «الحزب العربي الناصري» بعد تأسيسه.

    كانت الأحلام عريضة عند تأسيس «الحزب الناصري» وعند تأسيس جريدة «العربي»، كان هناك اعتقاد سائد بأن الجماهير تنتظر جريدتنا بلهفة على ناصية الشارع، فعبد الناصر صاحب جماهيرية طاغية وبالتالي صدور «جريدته» يعني أنها سوف تكتسح السوق. لكن من الواضح أن الجماهير لم تتحمس لجريدة لمجرد أن صورة عبد الناصر موجودة صفحتها الأولى، فالأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك.

    هذا الدرس تكرر في أعقاب خروج مجموعة من قيادات الحزب الناصري من الحزب، سعوا لتأسيس حزب جديد، وقرروا إصدار صحيفة «ناصرية بجد»، كنت أتولى وقتها رئاسة قسم التحقيقات. الحقيقة أنه توفر لها كل أسباب النجاح، مقر محترم، تدفق مالي معقول تبرع به رجال أعمال ناصريون، عدد ليس بالقليل من الخبرات المهنية الرفيعة، وبدايات مبشرة تقترب كثيراً من المهنية ومحاولات جذب القراء. لكن للأسف كان مسيطراً نفس المفهوم الخاطئ، وهو بما أنك تضع صورة «الزعيم جمال عبد الناصر» في صدر الصفحة الأولى، وبما أنك ناصري، وبما أنك بتقول «بقين» ضد الحكومة، فإن الجماهير الغفيرة سوف تتلقف الجريدة لتصبح الأكثر تأثيراً وانتشاراً. لكن للأسف وللمرة الثانية لم تنجح الجريدة، رغم أنه تولى رئاسة تحريرها الأعلى سقفاً في «شتيمة مبارك وعياله ومراته». لم يكن هذا هو السبب الوحيد للفشل ولكن كانت هناك أسباب أخرى، ربما أشرحها لاحقاً.

    ذات الفخ سقطت فيه جريدة يومية يسارية، توفرت لها أموال جيدة عبر رجال أعمال يساريين، وتولى رئاسة تحريرها مفكر يساري مرموق، ومن بعده صحافي شاب، ومع ذلك فشلت فشلاً ذريعاً، وتم إغلاقها، والسبب هو أنه لا يكفي أن تكون يسارياً ومعارضاً لكي تنجح جريدتك وتتلقفها الجماهير، لكن المهم أن يكون فيها ما يجذب هذه الجماهير ويجعلها تشتريها. ومن عجائب الصحافة المصرية أن الزميل اللي «جاب ضلف الجريدة اليسارية، ومن بعدها «ضلف» موقع إلكتروني إخباري، أن يصفوه بأنه «صحافي كبير» و«صاحب مدرسة».. فالنجومية في مهنة الصحافة لا ترتبط بالضرورة بالمهارة والنجاح، ولكن بالشلل السياسية، سواءً كانت مؤيدة أو معارضة.

    الأستاذ عبد الله السناوي

    الذي أفلت من هذا الفخ كان الأستاذ عبد الله السناوي عندما تولى رئاسة تحرير جريدة العربي مع الأستاذ عبد الحليم قنديل. فقد غير السياسة التحريرية وحولها إلى صحيفة لكل التيارات السياسية المعارضة لمبارك. أي ما كان يسمونه وقتها «صحيفة الوطنية المصرية». رفع السناوي سقف النقد السياسي، وأحيانا المتجاوز. كان المتاح وقتها نقد رئيس الوزراء ومن هم أقل منه، لكن ارتفع السقف إلى نقد مبارك شخصياً وأسرته، زوجته السيدة سوزان، وولديه جمال وعلاء. كما أتاح الأستاذ عبد الله السناوي الحرية للصحافيين الذين يعملون، إلى درجة انتقاد جمال عبد الناصر نفسه. فقد أجريت وقتها حواراً مع الناقد والكاتب الاستثنائي فاروق عبد القادر رحمه الله انتقد فيه بشدة بعض سلوكيات جمال عبد الناصر. كما رفع السقف إلى درجة أني أجريت حواراً مع رئيس الحزب الناصري وقتها الأستاذ ضياء الدين داود قلت له فيه أسئلة من نوع: إذا لم تستطع أن تدير جريدة وتحقق نجاحاً اقتصادياً، فهل نصدق أنك سوف تنجح في إدارة مصر.. ديكتاتورية نظام جمال عبد الناصر وغيرها من الأسئلة، وكل ذلك تم نشره دون حذف حرف واحد منها (هذه الحوارات وغيرها تضمنها كتابي «مصر رايحه علي فين» – الناشر مكتبة مدبولي).

    هذه السياسة التحريرية وهذا السقف المرتفع، ما كان يمكن أن ينجح وحده ويحقق جماهيرية وتأثيرا، لكن السناوي وضع كل ذلك في خلطة مهنية جذابة ورفيعة المستوى المحدد الوحيد للأستاذ السناوي كان أخلاقياً، فقد جاء إليه أحد المصورين الصحافيين بصور لبعض رجال مبارك وزوجاتهم في سهرة ما وهم يحتسون الخمر ورفض نشرها، وقال ما أصبح بالنسبة لي درساً في الصحافة وفي الحياة: ليست معركتنا معهم أنهم يشربون الخمر أم لا، معركتنا معهم سياسية، معركة حول سياسات خاطئة.

    الدرس الثاني الذي تعلمته من الأستاذ السناوي كان عندما كنت معه في مكتبه وسمعت وسمع من يشتمه «بصوت جاب الشارع» ومع ذلك لم يتحرك الأستاذ، فقلت له سوف أخرج لأضربه. رفض رفضاً قاطعاً وقال لي: القوي هو الذي يختار نوع المعركة وتوقيتها، ويختار أيضاً من يخوض معركة ضدهم، وهو محق تماماً، فلو خرج وشتم وضرب هذا الزميل، فقد تساوى معه وهو الكبير، وحتى لو كسب المعركة فهو خاسر كما قال لي. فليس المهم فقط أن تختار حلفاءك، لكن مهم أيضا أن تختار أعداءك الذين ستحاربهم.

    كان الغضب في مجموعتنا في صحيفة «العربي» شديداً بعد قرارات الأستاذ المراغي، وتوقفنا عن العمل تماماً لأكثر من شهر. في هذه الفترة كنت قلقاً ولم أكن مرتاحاً بالكامل لقرار الإضراب. لكن كان من الصعب التراجع والانضمام إلى «مجموعة رئيس التحرير»، أولاً لأن سبب الإضراب كان منطقياً بالنسبة لي وقتها، والسبب الثاني أن المجموعة التي كنت أحد أفرادها لم يربطنا فقط هذا الموقف، لكن تاريخ من المحبة والصداقة العميقة، ليس فقط في صحيفة «العربي»، ولكن منذ أن تعرفت عليهم في صحيفة «مصر الفتاة» التي كان يترأس تحريرها الأستاذ مصطفى بكري.

    من مفارقات الزمن، أن المجموعة التي نفذت الإضراب، منهم من أصبح «رئيس تحرير» فيما بعد، اختار معاونيه بذات الطريقة، وعندما أصبحت أنا رئيس تحرير فيما بعد اخترت أيضاً بذات الطريقة، ليتضح أن المشكلة أعمق مما تصورنا. فالحقيقة المرة هي أن الصحف الحزبية التي عارضت مبارك، لأنه ديكتاتور، هي بذات نفسها التي مارست ديكتاتورية أشد، ولم تسع في المؤسسات الصحافية التي أسستها لأن تقدم نموذجاً راقياً في علاقات العمل، وفي العلاقة بين المالك والأجراء. لكنها للأسف كانت أسوء بكثير من الصحف التي كان يسيطر عليها حسني مبارك (الصحف التي يسمونها قومية). في الصحف الحزبية لا توجد طريقة للترقي من محرر إلى رئيس قسم إلى مدير تحرير وغيره من المناصب، ولا يوجد قواعد لإدارة الخلافات ولا يوجد أي شيء.

    ثم أن الخلاف بين مجموعتنا ومجموعة رئيس التحرير كانت أيضاً في عمقها خلافا حول السياسة التحريرية. كانت الأستاذ المراغي يريد لجريدة «العربي» أن تصبح «أهرام المعارضة»، أي معارضة رصينة، وكان معه الكثير من الحق، لكن المزاج العام والاستقطاب السياسي كان حاداً ومن الصعب أن يسمح بذلك. وكانت المجموعة الأخرى ترى أنه «بيبطط الجرنان» و«المعارضة» لا يجب أن تكون كذلك.

    احتقار الصحافة

    أتذكر رئيس تحرير عندما تولى منصبه جاء بقيادات من تياره السياسي، لا أعرف إذا كان هذا اختياره أم ضغوطا حزبية أو شخصية، المهم أن هذا ما حدث. هذه الشلة السياسية فشل كثير منهم في القيام بمهام عمله. كان السبب هو أنه تم تعيين كثير منهم كصحافيين لأنهم قيادات في الحزب أو من مجموعات سياسية قوية داخل الحزب. الحقيقة أن كثيراً منهم كان يحتقر الصحافة، ولا يري نفسه صحافياً عمله هو صناعة الأخبار، وكثير منهم كان يرى أنه أهم من مصادر الأخبار، أي إذا كان مثلاً سيتصل بالمسؤول الفلاني لأخد رأيه في قضية ما، فرأيه هو أهم «للبلد» من هؤلاء الذين سوف يسألهم، فهو صاحب رأي ورسالة ووجهة نظر… الخ.

    هؤلاء لعبوا دوراً في إفساد «الصحافة الحزبية» وجعلوها تفقد كثيراً من مهنيتها، في الأغلب الأعم مجرد منصة لإطلاق الاتهامات والشتائم ضد النظام الحاكم بالحق وبالباطل. كان كثير منهم يتصورون أن «جماهير عبد الناصر» و«الطبقات المطحونة» تنتظر جريدتهم على «راس الشارع»، وكانت هذه أكذوبة كبرى، أدت في النهاية إلى «موت» هذه الصحف، سواء بالتوقف عن الصدور، أو بمجرد طبع عدة مئات من النسخ من الصحيفة، لتصبح باباً لفساد من نوع آخر: تأجير صفحات إعلانية أو باب للتعيين «بالفلوس»، أي يتم تعيينك صحافياً في الجريدة مقابل مبلغ من المال، وتصبح بعدها عضواً في نقابة الصحافيين تحصل شهرياً علي مبلغ مالي كبير حتى خروجك على المعاش، نسميه «البدل» تدفعه لك الحكومة التي تعارضها، من أموال دافعي الضرائب.

    عندما قال لي ماهر زهدي في «اجتماع المصالحة» مع رئيس التحرير «ارفع راسك يا سعيد»، كان يضع عنواناً لعلاقتي به التي لم تزد عن عامين، منذ تأسيس جريدة «العربي»، وكان يحدد أيضاً دوره في حياتي فيما بعد. كان ماهر هو الذي يحميني من نتائج كارثيه لشططي، فقد كنت طوال الوقت الأخ الأصغر المشاغب كثير المشكلات، ورغم أنني أكبر منه في السن، فقد كان الأخ الأكبر الحامي والمتفهم لشطحاتي دون أن يقع في فخ تبريره. كان مجرد وجوده يشعرني بأمان من نوع ما، حتى بعد أن انتقلت إلى الحياة في كندا.

    حتى الآن ما زلت مديناً لماهر بـ300 جنيه، لا أتذكر كيف ولماذا اقترضتهم منه منذ سنوات طويلة، فقد كنت أقترض منه طوال الوقت، ولا أعرف حتى الآن لماذا رفض أن أردهم له، وكان يضحك قائلاً: «عشان تفضل مديونلي». ربما كان يرفض لأنه يتعامل طوال الوقت على أنه مسؤول عني بطريقة ما، ربما لأنه طوال الوقت حاضر بمحبته الوفيرة في أصعب لحظات حياتي الشخصية والعملية.

    كانت جملة «ارفع راسك يا سعيد» ليست تنبيهاً صارماً بأننا لا يجب أن نسقط مهما حدث، ولكنها أصبحت عنواناً يقفز في ذاكرتي في المواقف الصعبة. ماهر يفعل ذلك دون مقابل، ودون انتظار أي شيء. كان يجري في الشوارع حتى ينهي بنفسه الأوراق التي تمكن زوجتي سالي وبناتي من دخول كندا.

    الحقيقة أنني كنت محظوظاً بماهر، ومحظوظاً بالمجموعة التي تعرفت عليها في جريدة «مصر الفتاة» في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأصبحوا الآن نجوماً في صناعة الصحافة.

    الأستاذ طلعت إسماعيل

    قال لي طلعت إسماعيل مدير تحرير جريدة «مصر الفتاة» وقتها، وكنت أنا محرراً صغيراً، في الأسانسير، هل عملت في الصحافة منذ زمن طويل، فقلت لا. فرد لقد لاحظت أنك تملك لغة جيدة.

    كانت هذه الجملة أو الملاحظة من هذا الشاب (أصغر مني) نقطة فارقة لي. كانت «مصر الفتاة» أول تجربة حقيقية لي في الصحافة. كنت قبلها في بداية الجامعة أصدرت مع ناصر عراق ومحمد القدوسي مجلة «أوراق». وعملت في أرشيف جريدة «الشعب» بعد عودتي من «تغريبة العراق»، ونشرت عدة موضوعات متفرقة بها. كنت أتحسس طريقي الطويل بعد أن تجاوزت الثلاثين لأبدأ في مهنة جديدة لا أعرف عنها الكثير، كانت البداية الحقيقية لي في احتراف الصحافة.

    كانت جملة طلعت وملاحظاته نوراً في طريق مظلم. فطلعت كان وما زال يمثل الاستقامة المهنية والأخلاقية، لا يجامل، يقول رأيه بصراحة، صارم لأبعد الحدود، لكن ليس قاسياً، ولا يستطيع أن يكره أي أحد أياً كان، فهو محب لكل البشر. هذه الطباع جعلتني أشعر بالأمان، وأنا المحرر الجديد الصغير، فهو «أكبر راس» بعد رئيس التحرير. فهذه الملاحظة التي قالها في الأسانسير دون إطالة وبحسم، كانت في ذات الوقت حانية بطريقة ما.

    ربما لذلك فإن «شلتنا» الصغيرة كانت تخشاه بطريقة ما، كنا نرتكب الأخطاء ولا نريده أن يعرفها، بل وأحياناً كنا نكذب عليه. كانت الحالة المادية «دنك» وعزمناه أنا وصديق العمر أكرم القصاص في «شقة العمرانية» (الخن) كما كان يسميها فيما أظن صديقي حمدي عبد الرحيم. لا أتذكر كيف ولماذا عزمناه، لكن يبدو أننا تورطنا. كنا أنا وأكرم اشترينا قبلها كيلو فاصوليا بيضاء، وطبخناها مع جزء صغير متبقٍ من فرخة في الفريزر، فقد كنا نشتري فرخة من حين لآخر ونقطعها قطعا كثيرة ونطبخ كل يوم قطعة (سأكتب كثيراً عن أكرم أحسن واحد يطبخ أكلات بالتوم).

    طلعت مدير التحرير (حاجة كبيرة في عالم الصحافة) رحب بالعزومة بمحبة من «اتنين محررين» يعيشون في شقة لا تدخلها الشمس، مجرد غرفتين على منور، ولا تطلان على شارع. وبين الترحيب والكلام في أي حاجة اكتشف طلعت أن طبق الفاصوليا الكبير أمامه فيه «رقبة الفرخة» فقط لا غير. أكمل طلعت طعامه في وسط ضحك وهزار على «الرقبة». في اليوم التالي ذهب إلى الأستاذ مصطفي بكري رئيس التحرير ليخبره: «الشباب حالتهم دنك، دا اكرم وسعيد بيطبخوا فاصوليا على رقبة فرخة»، وقرر رئيس التحرير صرف مبلغ من مكافآتنا المتأخرة فوراً ومن جيبه على ما أذكر.

    هذا يذكرني بالليلة العظيمة التي أكل فيها نحو 15 شخصاً «بطة كبيرة شويه» التي أحضرها فتحي الشوادفي من «البلد»، كان وقتها يسكن معي أنا وأكرم في شقة العمرانية، قررنا أن تكون الوليمة في شقة عادل السنهوري وعماد حسين «شقة فيصل»، وعزمنا عليها كل من استطعنا الوصول إليه من أصدقائنا، منهم خالد صلاح وعمر ابنه (كان طفلاً صغيراً) وعبد الفتاح عبد المنعم وإبراهيم منصور (كنا نسميه المسيح، مش عارف ليه) وطلعت إسماعيل وإبراهيم المنيسي وماجدة إبراهيم وطبعا حمدي عبد الرحيم وأكرم القصاص وأنا. كانت ليلة عظيمة أكلنا وشربنا وضحكنا رغم البؤس وقتها. فقد تم إغلاق جريدة «مصر الفتاة»، وأصبحنا جميعاً «في الشارع». كنا أنا وأكرم نمشي على «رجلينا» حتى شقة عماد وعادل «نستلف شوية رز» أو نروحلهم بـ«شوية بطاطس» نسلفهم لعماد وعادل.

    الفاشل الكبير

    لا طلعت ولا شلتي الصغيرة من الناصريين كانت لديهم مشكلة أنني لست ناصرياً، ولم يحدث أي فرق في المحبة بعد أن حكيت لهم أنني كنت عضواً في حزب «العمال» الشيوعي المصري. لم أكن بحاجة إلى المشهد الذي وقفت فيه طويلاً أمام صورة «جمال عبد الناصر»، وأنا أقول لنفسي لقد ارتبط مصيري بهذا الرجل. فأنا أعمل في جريدة ناصرية، وأغلبهم ناصريون، وأنا لست كذلك. لم تكن ظروفي وقتها تحتمل المخاطرة بعدم تعييني في الجريدة لأنني لست «ناصرياً». فقد كنت قد تركت بيت أبي ومصنعه منذ سنوات وسنوات، كما أن علاقتي بزوجتي انتهت بالطلاق، ولا أري ابنتي «آية» إلا «كل حين ومين»، ولم أكن قادراً مادياً على الوفاء بالتزاماتي تجاهها بالشكل المطلوب.

    كان أهلي وكثيرون مما أعرفهم ينظرون لي باعتباري «الفاشل الكبير»، لا دخل ولا عمل ولا مهنة ولا أي شيء. كان يؤلمني نظرة كبار عائلتي لي، وتؤلمني أكثر نظرة شباب العائلة لي باعتباري «نموذجاً للفشل». «ساب مصنع أبوه واتلطم في الشوارع»، «لا شغله ولا مشغلة»، «اتجوز وفشل وطلق»، «سافر العراق سنتين ورجع إيد ورا وايد قدام من غير فلوس». قلت لنفسي وقتها وأنا أقف أمام الصورة المهيبة للزعيم جمال عبد الناصر: «قليل من النفاق والكذب مش هيضروا ومش هيوجعوا ضميري أوي… بس اتعين وابقى عضو نقابة الصحافيين«.

    ربما لا يعرف من هم خارج الوسط الصحافي أنه لا توجد أي معايير للتعيين في الصحف الحزبية والحكومية، ربما تقضي سنوات وسنوات من العمل «بمكافآت هزيلة»، وفي النهاية يتم طردك لسبب أو لآخر، بل وربما بلا سبب؛ زملاء صحافيين كبار الآن منهم من قضى عشر سنوات وأكثر يعمل من دون تعيين وهذا يعني بلا أي حقوق من أي نوع وحتى يمكنك الاستمرار وتحقيق الحلم «التعيين وعضوية نقابة الصحافيين» ربما تحتاج مثلي إلى قليل من النفاق وقليل من التنازلات لست ناصرياً ولكنني عملت «شغل» يصب في صالح صورة ناصر «الوردية»، صحيح أنني لم أكذب، فقد قلت معلومات حقيقية ولكن في النهاية يظهر منها جانب واحد ولا يظهر منها باقي الجوانب. كما تمت سرقة موضوعات لي ووضع رئيس قسم اسمه عليها، ولم أستطع النطق بكلمة واحدة.

    لكني بعد مرور الوقت اكتشفت أن أصدقائي وإخوني الناصريين لا يطلبون مني أن أكون ناصرياً حتى نصبح أصدقاء، بل ومنهم وقتها في «مصر الفتاة» من كان رئيس قسم مثل عماد حسين وعادل السنهوري وعبد الفتاح طلعت وتهاني تركي، ولم أشعر على الإطلاق أنهم رؤساء وصرنا أصدقاء وإخوة ببساطة شديدة، بل وفتح أخي وصديقي الكبير محمد حماد بيته وقلبه لنا، يعزمنا طوال الوقت نأكل ونشرب ونضحك ونحتمي به من أيام نخاف منها.

    في «العربي» كانت الروح السائدة منذ التأسيس هي أن المهنة أولاً، وذلك بفضل الأستاذ محمود المراغي رحمه الله، والقادة وقتها عبد الله السناوي وعبد الحليم قنديل وجمال فهمي ومحمد حماد وسعيد وهبه وغنيم عبده وجمال سليم، كانت الفكرة هي أن «العربي» يجب أن تكون جريدة «الوطنية المصرية»، ومن خلال هذا الباب الواسع تم تعيين من هم مثلي ومثل أكرم القصاص وخالد صلاح وعبد الفتاح عبد المنعم وهشام فؤاد وآخرين في قرار واحد مع زملائنا الناصريين، والكثير منهم كانوا موهوبين وأكفاء.

    لا أعرف ماذا كان يمكن أن يكون مصيري لو لم تكن هذه الشلة العظيمة في حياتي، ولا أعرف كيف كان يمكن أن يكون مصيري لو لم يكن هؤلاء الإخوة الكبار في طريقي… محظوظ بهم، فقد لعبوا دوراً كبيراً في أن تظل جملة ماهر زهدي تنير قلبي وعقلي «ارفع راسك يا سعيد»، فهكذا يجب أن أكون.

    الوسوم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


    CIB
    CIB
    إغلاق