عربة الليمون الخشبية

كتب
  • لما الشاب الأمريكي “جون ويلارد” إتخرج من الجامعة و فى أوائل سنة 1920 أخد قرار كان صادم لوالده وأسرته كلها!.. خلينا نرجع ورا كذا سنة كمان.. “جون” هو إبن واحد من أثرياء مستوطنة ماريوت وهي بلد صغيرة قريبة من مدينة “أوغدن” الأمريكية.. والده كان عنده مزرعة وكان معتمد بشكل كبير على إبنه “جون” فى إدارتها معاه من صغره؛ بالتالي نشأ الإبن على قدر مش قليل من الرجولة وتحمل المسئولية.. كان الشاب قادر يوفق بشكل مذهل بين دراسته وبين المزرعة.. لحد ما جه فى يوم وقال لوالده إنه عايز يتجوز زميلته “أليس شيت”!.. والده رفض بشكل حازم وقاطع.. “أليس” لأ.. طيب إيه المشكلة!.. ما الولد كبر وطبيعي خطوة الجواز كانت هتيجي هتيجي يعنى!.. فين بقى مربط الفرس وسبب الإعتراض على الجوازة!.. سبب رفض والد “جون” لجوازه من “أليس” ماكنش له أى مبرر منطقي!.. حتى لو أهلها والبنت نفسهم كويسين ومستواهم مش فى الحضيض بس برضه هما مش زينا.. الحقيقة إن إصرار والده على الرفض كان خارج حدود العقل وفيه غلاسة مش متناسبة مع طبيعة الأمريكان اللى كمجتمع عندهم مساحة حرية للأبناء مش موجودة فى أغلب شعوبنا العربية خصوصاً فى موضوع الإرتباط والجواز..  بيصمم “جون” على إختياره.. أنا شايف فى “أليس” اللى محدش غيرى شايفه فيها!.. فيسأله والده!.. يرد “جون” إنها أكتر إنسانة بتحس بيا!.. إجابة هبلة وملهاش أى قيمة عند والده اللى بتزيد الخلافات بينه وبين الولد.. بيقرر الوالد إن إبنه لو عايز البنت دي يبقي ياخدها ويمشي من المزرعة، ومايبقاش معانا!.. كده؟.. أيوا..  بمنتهى المرار والكسرة بياخد “جون” نفسه ومراته المستقبلية وبيسافروا لـ “واشنطن”.. هنعمل إيه؟.. هنصرف مين؟.. إيه الخطوة الجاية؟.. عدد لانهائي من الأسئلة اللى ماكنش لها إجابات فورية لا عند “جون” ولا “أليس”.. المهم إننا بقينا مع بعض.. شوية الفلوس القليلة اللى كانوا معاه قعدوا بيهم فى بيت صغير إيجار، وكان بينزل يلف على رجليه عشان يلاقي أى شغل!.. الوقت بيعدي.. الفلوس اللى أصلاً قليلة بتتناقص.. فجأة بتيجى فى راس “جون” فكرة مجنونة كده.. دلوقتى إحنا فى موسم صيف، والإقبال من السياح على زيارة “واشنطن” كبير.. أنا هعمل عربية خشب بتتجر وأبيع فيها عصير ليمون ساقع!.. “جون” إبن الذوات المتدلع!.. أيوا عادي وحوار الدلع والبهوات ده كان فى وقت وفات إحنا فى النهاردة.. تكلفة صناعة عربية خشب عند أى نجار أو حتى لو هيعملها بنفسه هتكلف مبلغ ما بمعايير وقتها.. إتفق مع نجار عشان يعمل له العربية بآخر شوية فلوس معاهم.. جنان رسمي وفكرة عيشني النهاردة وموتنى بكره.. فى يوم التسليم راح عشان ياخدها فوجىء إن النجار زود عليه مبلغ تاني أكبر من اللى كانوا متفقين عليه.. بيتنرفز “جون” وبيشوف إن تصرف النجار ده فيه إستغلال.. بيلف عشان يخرج من المحل بيلاقي فى وشه “أليس” اللى بتقول للنجار خد الفلوس الزيادة اللى إنت عايزها أهي!.. وبترميله الزيادة على الترابيزة، وبياخدوا العربية الخشب هى وجوزها ويمشوا!.. طول السكة كان السؤال اللى بينهش فى راس “جون” وسأله بكذا صيغة لـ “أليس” إنتى عرفتي منين إنه هيطلب فلوس زيادة؟.. وجيبتى الفلوس أصلاً منين؟.. لما وصلوا البيت جاوبته على عاصفة الأسئلة اللى عنده.. فى الوقت اللى إنت كنت بتنزل تدور على شغل كل يوم أنا كمان كنت بنزل أشتغل فى  كذا حاجة!.. عاملة تنضيف فى محل لمدة كذا يوم.. أوزع جرايد!.. أشتري كام ورقة وقلم وأرسم الناس فى الشارع مقابل فلوس!.. شوية بشوية لحد ما بقي فيه فلوس حتى ولو بسيطة.. طيب ده الجزء الأول من الأسئلة.. عرفتي منين إن النجار هيزود فى الفلوس فى وقت التسليم بالذات وبناءاً عليه جيتى فى نفس اللحظة!.. ده السؤال اللى “أليس” ماكنش عندها له إجابة غير كلمة واحدة بس.. “حسيت”.. مش أكتر من مجرد إحساس.. رد مش منطقى وغير خاضع لأى دليل عملي بالنسبة لأ حد هيسمعه أو هيقراه!.. بس كان كافي لـ “جون” اللى كان مؤمن إن “أليس” بتحس بيه بدون كلام!.. بيبدأ المشروع وبيبدأ “جون” يلف فى الشوارع بعصير الليمون بتاعه على عربيته الخشب ويبيع للسياح.. حلاوة لسان “جون” مع طلته المُبهجة كانت بتخلّى فيه حوار بيدور بينه وبين اللى بييجوا يشتروا منه.. مش مجرد علاقة بياع بزباين.. فى مرة ولما بيروح “جون” للبيت بيحكي لـ “أليس” إن أغلب الناس اللى بيشتروا منه بيفضفضوا معاه وبيشتكوله من جودة الأكل بتاعت الفنادق اللى هما نازلين فيها.. بتلقط “أليس” طرف الخيط وتطلب من “جون” إنها تنزل معاه للشارع.. بيوافق.. بتبدأ “أليس” تجيب قلم وورقة وتكتب كل ملاحظات الزباين ورأيهم التفصيلي فى خدمات الفنادق اللى قاعدين فيها ونوعية الأكل والمشروبات اللى بيحبوها أو مش عايزينها.. بتجمع قدر مش قليل من المعلومات اللى تقدر من خلالها تفهم دماغ الناس بتفكر إزاى وعايزين إيه.. لما بيسألها “جون” عن غرض ده بتقول له عشان لما نفتح محل أو مطعم خاص بينا نحاول نبعد عن السلبيات اللى مش عاجبة الناس!.. تمام فكرة حلوة بس إحنا فين واللى بتقولي عليه ده فين!.. لأ هيحصل.. ده كان رد “أليس” اللى كانت شايفة إن مفيش حاجة مستحيلة.. بيجيلها مرض فى رجليها يخلّى حركتها صعبة لفترة من الوقت.. يواصل “جون” موضوع تدوين آراء الناس فى نوتة صغيرة.. رغم قعدة “أليس” فى البيت بس كانت حاسة بجوزها وضيقه إنه بعيد عن أهله.. كانت بتبعت من وراه في كل عيد أو مناسبة برقية تهنئة لـ أسرة “جون” وتمضيها بإسمه!.. حاولت تحافظ على علاقة جوزها بـ أهله بطريقتها.. الحلم بيقرب، وبيبدأ يتكون معاهم شوية فلوس حلوة، وبيبدأ “جون” ينزل يلف عشان يدور على محل يعملوه مطعم.. أثناء لفه فى الشوارع كانت “أليس” بتنزل من وراه وهى رجليها تعبانة عشان تبيع عصير الليمون بالعربية الخشب المتنقلة عشان مايحصلش أى  عجز فى الفلوس اللى معاهم!.. بيشتروا محل فعلاً وبيعملوه مطعم وبتطلب “أليس” من جوزها طلب واحد بس فى إدارته للمكان.. لو عايز المكان ينجح لازم تخلّى إحساسك بغيرك هو اللى يحركك.. بياخدوا قرار غريب وهو إنهم يقسموا كل العائد بتاع المحل مع العمال.. الإيراد اللى هييجي هنقسمه بيننا إحنا كـ ملاك وبينكم إنتم كـ عمال!.. الفكرة إنهم كانوا عايزين يحسسوا الناس إنهم أصحاب مكان برضه بالتالى يزيد الإنتماء وبالتالى برضه شغفهم بالشغل يكبر.. بيتطور المكان اللى نفذوا فيه حاجات كتيرة عظيمة عجبت الناس لأنهم بعدوا عن السلبيات اللى كانت بتضايق الناس عند غيرهم.. فى خلال كام شهر الفلوس بتزيد.. المطعم بيبقى فندق صغير.. الفندق الصغير بيبقى فندق أكبر شوية.. لحد ما فى سنة 1957 بيبقى فندق (Twin Bridges Motor Hotel) واحد من أهم الفنادق فى أمريكا!.. بس كده؟.. لأ.. بعدها بـ 10 سنين وتحديداً فى سنة 1967بيتم تغيير إسم الفندق عشان تبقي سلسلة فنادق “ماريوت” (Marriott) المعروفة!.. إحنا كنا بنتكلم عن قصة حياة “جون ويلارد ماريوت” مالك وصاحب فنادق “ماريوت” واللى سبب رئيسي فى نجاحه وتصديقه لحلمه ولنفسه كان ثقته فى إنسانة حبته ودعمته وكانت سند حقيقي ليه بمعنى الكلمة.. وأهم من كل اللى فات كانت بتحس بيه.
مقال تامر عبده أمين
مقال تامر عبده أمين

 

  • الدكتور المصرى الشاب “وليم سعد” اللى عايش فى أمريكا بيحكى عن العلاقة بينه وبين مراته “كاتى” قبل الجواز وهما لسه فى مصر.. بيقول لما كانوا مخطوبين إن حصل بينهم تنشنة عادية زى اللى بتحصل بين أى أتنين مخطوبين أو بيحبوا بعض.. بيحبوا بعض وبيقدروا بعض و عُمر ما حد فيهم كان عبء على التانى.. كلمة من هنا على كلمة من هناك فى حوار أساسًا مش مستاهل يعنى.. كبر الموضوع .. بعدوا عن بعض شهر تقريبًا.. غابوا ومحدش فيهم كان يعرف حاجة عن التانى.. نهائى.. هو أتلهى فى شغله و “كاتى” إتلهت فى دنيتها وشغلها.. فى الفترة دى “كاتى” وعن طريق صاحبتها فى المكتب بدأت تحب عصير التوت المتلج وماكنتش جربته قبل كده .. حبته لدرجة إنها بقت تشربه كل يوم مرتين تلاتة .. بعد شهر “وليم” حب يصالحها وشاف إن كفاية زعل لحد كده.. عدى عليها فى شغلها عشان مايسيبش فرصة ليها إنها ترفض المصالحة.. بيقول بدون سبب ماحبتش أدخل بإيدى فاضية وفى نفس الوقت كنّا فى آخر الشهر والحالة مقشفرة ومفيش فى جيبى غير ٢٠ جنيه.. عدى على محل من محلات البورجر المشهورة فى مصر الجديدة جنب شغلها وقال يجيب حاجة من هناك.. وصل شغلها.. شافته.. كلمة من هنا على كلمة من هناك رجعت الأمور لطيفة تانى.. “وليم” أنتبه إن الحاجة اللى معاه وجايبها زمانها بقت سخنة.. قال بإنفعال وهو بيفتح الكيس: (يوووه كده خليتينى أنسى العصير).. سألته : عصير إيه؟.. رد وهو بيخرج كوبايتين عصير بلاستيك من الكيس: توت متلج.. الغريب إن “كاتى” ماخدتش بالها إن “وليم” مايعرفش المعلومة أساسًا إنها بتحب العصير ده بالذات!.. مدت إيدها وخطفت الكوباية بتاعتها من إيده وقالت: الله أنا بحبه قوى.. بدأ هو يشرب من كوبايته، وهى قربت كوبايتها من بوقها وقبل ما تشرب و فى جزء من الثانية إفتكرت إنه مش بيحب التوت!.. كمان نط فى بالها سؤال هو عرف منين؟.. قالت: بس إنت مابتحبوش! .. رد: ولا أعرف إنك بتحبيه!.. بصت له بنظرة تساؤل ولسان حالها بيقول: أُومال.. فكر لحظة و قال بسرعه: بصى أنا بأمانة معرفش، بس مش أكتر من مجرد هاجس وإحساس جالى فجأة وقال لى أجيب فجيبت.. سألت: بس؟.. رد بصدق: مش أكتر من كده والله، بس أنا مبسوط!.

 

 

  • السنة اللى فاتت كان فيه تحقيق صحفي فى جريدة اليوم السابع من محافظة الغربية عن السيدة “سامية” أو الأسطى “أم عمرو” زى ما بتحب الناس ينادوها.. ست مصرية أصيلة وزوجة جدعة.. بتشتغل موظفة فى شركة غزل المحلة.. من منطقة السبع بنات فى المحلة الكبرى فى محافظة الغربية.. متجوزة وعندها 3 أولاد كلهم معاهم شهادات عليا.. جوزها عنده محل بسيط لتصليح الأحذية خاص بيه.. كان جوزها عنده مشكلة فى حوار الصنايعية اللى بيغيبوا ويمشوا بإستمرار من المكان!.. للأسف زى عادة كتير من الصنايعية فى مصر.. شغل المحل تقيل ومايقدرش “أبو عمرو” يقوم بيه لوحده وعايز نفرين أو على الأقل نفر تانى معاه!.. أى راجل بيقى صعب عليه إنه يشرك أهل بيته وخصوصاً مراته فى أى أزمة بتقابله فى الشغل.. رغم عدم شكوته ومحاولته التحامل على نفسه عشان يسد فى الموضوع ده لوحده لكن مراته حست!.. لوحدها؟.. آه.. وبتقرر بشكل مفاجيء إنها تعمل تسوية لمعاشها وتنزل تشتغل مع جوزها فى المحل.. قرارها ده قابله فى البداية رفض من جوزها اللى إقترح عليها إنها تقعد على المكتب مثلًا وهو شغال عشان تحاسب الناس لكنها رفضت وصممت تشتغل بإيديها.. أنا مش هسيبه لوحده!.. أحس إنه محتاجني جنبه وأسيبه!.. بقت بتقعد معاه من الصبح للمغرب.. تمسك الخيط والإبرة وتخيط الأحذية للزباين بإيديها.. ياما إتعورت والإبرة بوظت إيديها لغاية ما أتعلمت.. حتى منظر الست “سامية” وهى قاعدة بتصلح الأحذية كان منظر ملفت لأى حد يعدى من قدام المحل وطبعًا ظهر كلام الناس اللى من نوعية حرام عليكى نفسك.. دى شغلانة بتاعت رجالة بس.. الناس هتقول وتعيد.. بس هى طنشت كل ده وإتغلبت على العادات والتقاليد وكلام الناس عشان ماكانتش شايفة قدامها غير شخص واحد وهدف واحد.. الشخص هو “أبوعمرو” والهدف هو إنه محتاجها جنبه حتى لو مقالش ده.. وهى عرفت إزاى!.. مجرد إحساس!.

 

مقال تامر عبده أمين
مقال تامر عبده أمين
  • الكاتب “إلبرت هوبارد” قال: (قليل من الإحساس= كل شىء).. مع الوقت هتبقي مؤمن إن فعلاً الإحساس ده نعمة يا بخت مين ينولها، وهتعرف قيمة إن يكون فى حياتك شخص يحس بيك بدون كلام.. مش الكل بيعرف يفضفض ولا يحكى بس الكل بيحتاج اللى يحس بكلامه بدون ما يقوله.. هو عايز بس مش عارف وساعتها بيكون محتاج حد مطمن إنه هيلاقيه جنبه.. الإحساس زى قرون الإستشعار تعرف إمتى أنا عايزك جنبى وإمتى محتاج أكون لوحدي.. اللى يقدر يخمن ويحس بيختصر سكك.. نقاء العلاقات ودرجة التفاهم القصوي بتبقى فى المرحلة اللى بنعرف نقرأ فيها بعض بالعيون أو حتى مع بُعد المسافات.. كام مرة فكرت أو جه على بالك حد وفجأة لقيته بيتصل بيك؟.. كتير.. الإحساس بيوفر وقت، مجهود، وتعب أعصاب.. بيتولد مع العشرة وبين الحبايب والأصحاب.. تقدر تعلم أى بنى آدم أى حاجة فى الدنيا إلا إنه يكون عنده إحساس.. الإحساس حبل سُرى غير قابل للقطع بيربط بينا وبين اللى بنعزهم بدون إشارات.

 

  • المصادر:
  • كتاب قصة حياة “جون ماريوت” (Marriott: The J. Willard Marriott story ) تأليف: ((Robert O’Brien إصدار سنة 1989.

 

  • موقع “مؤسسة ماريوت التنموية”

 

  • جريدة “اليوم السابع” تحقيق صحفي  “مصطفى عادل”.. الغربية.. تاريخ 19 مارس 2018.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة


CIB
CIB
إغلاق