حروب العصر.. تجارية وليست عسكرية!

يعكس المشهد العالمى فى عصرنا الراهن، انحساراً للحروب العسكرية الشاملة بمفهومها المعروف، ونقصد بها تلك المعارك العسكرية المنظمة والمخططة والتى تقوم بين الدول ،بغية تحقيق أهدافاً منوعة ومحددة، ورغم التقدم التكنولوجي الهائل فى التطوير والتحديث والتدريب العسكرى ، وتعدد آليات ومعدات الحرب العسكرية من البندقية إلى الرؤوس النووية، إلا أنه من الملاحظ ان مشاهد الحرب العسكرية التى تقوم بين الدول مابين الحين والآخر فى وقتنا الحاضر، هى محدودة جدا من حيث اتساع ميدانها وقدرتها على تحقيق أهدافها فى توقيت مناسب، بل يمكن القول انها لا تخرج عن نطاق استعراض القوة العسكرية ، وفي بعض الأحيان تكون لأسباب اخرى فى (نَفْس يعقوب) كبناء مناطق ساخنة حول العالم، وبث الفتنة بين الدول، لخلق طلب مشتق على السلاح وإمتصاص فوائض الأموال من الدول الغنية.

ورغم كل ذلك فقد تتطورت الآن أساليب وآليات تحقيق الأهداف السياسية أو فض المشاكل فى العلاقات الدولية للتحول من الحملات والحروب العسكريةالى الحروب والحملات الاقتصادية والتجارية ، تلك الحروب التى يخطط لها وينفذ مراحلها ويتحكم فى إيقاعها خبراء هم ليسوا عسكريون ولكن هم خبراء استراتيجيون إقتصاديون، ومهامهم هو تلقي الأهداف المطلوب تحقيقهامن القادة السياسين وتصميم خطط وبرامج وقرارات اقتصاديه تهدف تحقيق تلك الأهداف دون تحريك اَي قوات عسكرية ، تتصاعد تلك الخطط بالتدريج بداية من تقليص الدعم المادى وغير المادي عن الدولة العدو، أو تعقيم كامل لكل المساعدات وفرض رسوم جمركية عقابية علي السلع المستوردة من تلك الدولة ثم المقاطعة الاقتصاديه الكاملة وتنتهى بمرحلة الخنق التجاري والمالي والنقدي والاقتصادي الكامل بدفع الدول الاخرى الحليفة بعدم التعاون تجاريا ومالياً مع الدولة المستهدفة الى ان تنصاع لقبول الشروط المطلوبة .ومن اشهر المعارك والحروب التجارية القائمة الآن على الساحة العالمية الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران من جهه وبينها وبين الصين من جهة أخرى.

أهم ما يميز تلك الحروب التجاريه رغم اختلاف اغراضها واهدافها انها في الوقت الذى تتطلع فيه الدول المتحاربة لتحقيق إنتصارات سياسية ، فانها ايضاٍ تستهدف تحقيق مكاسب إقتصادية وتجارية لصالح الدوله ذات قوى الضغط والتأثير الاقتصادى الأقوى ، كتحقيق ميزة نسبيه تنافسية لسلعها التصديريه وجعل سعر صرف عملتها فى وضع أفضل بما يتوافق مع مصالحها التجارية وعلى حساب عملات الدول الآخرى، الى جانب مراقبة ومتابعة تاثير التقدم فى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الامن القومى للدول ، ان تلك الحروب التجارية لا تميز بين الدول وبعضها البعض، متقدمة كانت او ناشئة مستقلة أو متحالفة ، فهى كما نعايش فى أيامنا هذه هى قائمه فعلاً بين امريكا والصين اكبر اقتصاديين فى العالم ، وفى نفس الوقت هى قائمة بين امريكا وإيران ، وأمريكا والاتحاد الاوروبى، وأمريكا والمكسيك وأمريكا وفنزويلا … كما ان تلك الحروب التجارية قد لفتت الأنظار الى العودة الواضحة لظاهرة القومية الاقتصادية والأنانية والاستقلال والاكتفاء الذاتى . كبديل لسياسة العولمة التى سادت فكر التجارة الدولية طوال العقود الثلاثة الأخيرة ، التى فيما يبدوا سوف تخبوا بريقها بالتدريج.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CIB
CIB
إغلاق