“أحبونا فأحببناهم!”

  • من حوالي 200 سنة كان فيه شيخ أزهري عظيم إسمه الشيخ “محمد الفضالي”.. الشيخ “الفضالي” كان بيروح كل يوم للأزهر الشريف عشان يعلم الناس هناك.. مكان سكن الشيخ كان فى “المنيل”.. المسافة من المنيل لـ الأزهر محتاجة مواصلة.. أو بمسميات الزمن ده محتاجة “ركوبة” لأن وسيلة الإنتقال الوحيدة هي إنك تركب حمار!.. كان فيه سوق للحمّارين فى المنيل.. مكان كده زي موقف بيقف فيه العربجية، وكل واحد منهم ماسك الحمار بتاعه منتظر الزبون اللى هيوصله.. الشيخ “الفضالي” كان يومه بيبدأ إنه بيروح سوق الحمّارين يختار حمار والعربجي بتاعه عشان يوصلوه.. بقي المشهد كالتالي.. كل يوم حمار مختلف راكب فوقه الشيخ “الفضالي” وبيوجه الحمار العربجي اللى ماشي قدامهم.. طبعاً كل مرة كان بيركب مع واحد مختلف حسب حظه مين فاضي وهيلاقي مين فى وشه.. بسبب المسافة طويلة نسبياً، وإن مفيش لا كاسيت ولا MP3 يسلى زي دلوقتي؛ الشيخ “الفضالي” فكر فى حاجة يبقي عمل بيها خدمة ومساعدة للعربجي اللى معاه.. أغلب الرجالة دول مش متعلمين، ومن هنا كان طرف الخيط.. بقي الشيخ “الفضالي” واحدة واحدة كده وبمنتهي الهدوء والصبر اللي فى الدنيا يتكلم مع العرجبي اللى معاه.. إنت بتعرف تقرا وتكتب يا إبنى؟.. يرد: لأ.. طيب بتفهم فى الحساب؟.. لأ برضه يا عم الشيخ.. يقول “الفضالي”: (طيب قول ورايا يا إبني: ألف، باء، تاء.. بص كده ده شكل حرف الألف شوف بيتكتب إزاي!.. حرف الشين فوقه 3 نقط والسين زيه بالظبط بس سادة.. كلمة حاصل ضرب كذا فى كذا معناها كذا)، وهكذا.. أخد على عاتقه مهمة إنه يغير حياة العربجية اللى بيقابلهم كل يوم!.. واحد غيره كان إستغل الوقت اللى بيضيع ده قبل ما يوصل شغله أو وهو راجع منه فى إنه يستعد أو يراجع اللى هيشرحه فى الأزهر أو حتي يريح شوية.. لكن لأ مش الشيخ “الفضالي”!.. بالمناسبة فى مرة واحد منهم بيسأله: (إنت بتعمل معانا كده ليه يا عم الشيخ!، دا أنت حتي بتصمم تدفع الأجرة يوماتي وياريتك بتقبل إننا نرد ولو حاجة بسيطة من جمايلك).. إتسأل الشيخ “الفضالي” السؤال ده كذا مرة من كذا واحد فيهم، والحقيقة إن إجابته كانت بتبقي واحدة وثابتة ليهم كلهم وبمنتهي الخجل: (عشان بحبكم).. بدأ العربجية يتخانقوا كل يوم مين فيهم اللى هيوصل الشيخ.. شوية بشوية كمان ولما الموضوع كبر ووسع إضطر الشيخ “الفضالي” إنه يعمل جدول عشان تبقي كمية العلم اللى بيشرحه للرجالة دي بالتساوي بينهم.. النتيجة؟.. كل سوق الحمّارين بقوا يعرفوا يقرأوا ويكتبوا ويفهموا فى الحساب زي اللبلب!.. لما مات الشيخ “الفضالي” الله يرحمه كان اللى شايل النعش بتاعه عربجية ورجالة سوق الحمّارين كلهم!.. مش أهله مش تلاميذه مش جيرانه ولا أصحابه!.. ماسمحوش لحد غيرهم يشيل نعشه ويوصله لحد المدافن، ويمكن كان بكائهم عليه أكتر من القريبين منه!.. حتى بعد كده ولما كان تلميذه الشيخ “إبراهيم الباجوري” شيخ الأزهر بيحكي القصة دي والعلاقة الخاصة بين أستاذه الشيخ “الفضالي”، ورجالة سوق الحمّارين كان بيوصف المشهد واللقطة دي بجملة واحدة بتلخص الموضوع: (كان يحبهم فأحبوه).

 

 

  • الإنبوكس:
  • أنا “يمنى”.. عايشة فى إسكندرية ومش مهم عمري.. زوجة وعندي بنت واحدة فى 3 ثانوي.. أنا أصلاً من القاهرة بس بسبب ظروف شغل جوزي وشغلي أنا بعد كده؛ بقالنا تقريباً 6 سنين مقيمين بشكل كامل فى إسكندرية.. قبل ما نسافر من القاهرة أمي “خديجة” كانت عايشة معانا فى الشقة.. هي سنها كبير، وطبيعي يكون عندها كمية أمراض مزمنة زي كل اللى فى سنها.. بس اللى زود صعوبة الموضوع عليها وعلينا إن جالها “الزهايمر”.. تذكرها للناس والمواقف وكل تفاصيل حياتها بقت تقل تدريجياً لحد ما فى مرحلة بقت مش فاكراني أنا خالص!.. أنا وجوزي ماقصرناش ناحيتها خالص والله وفضلنا رغم صعوبة وخصوصية التعامل مع مريض “الزهايمر” شايلنها فى عينينا.. جت فرصة شغل لجوزي فى إسكندرية، وفي نفس التوقيت فرصة شغل ليا أنا كمان فى مكان مهم وكنت بسعي ليها من فترة طويلة فلما جُم الإتنين مع بعض حسينا كأن ربنا بيقول لنا يالا.. طيب هنسيب ماما مع مين أو فين ولا ناخدها معانا؟.. ده السؤال اللى أخد كل تفكيرنا فى فترة الشهر اللى قبل ما نسافر.. أنا وحيدة ومعنديش إخوات فحتى خيار إن حد من إخواتي يراعيها فى بيته ماكانش موجود من الأساس.. برضه الشقة اللى موفرها الشغل بتاع جوزي لينا فى إسكندرية كانت صغيرة وتعتبر يادوب أستديو مش شقة؛ على أساس إن أسرتنا 3 بس.. راجل ومراته وبنته!.. أخدنا رأى الطبيب المعالج ليها وهو إستشاري كبير فكانت وجهة نظره إننا ندخلها مصحة لمرضي “الزهايمر” وإن السفر والبهدلة هيتعبوها أكتر.. لكن فى المصحة بيعملوا برنامج يومي للمرضي بيشمل خروج فى الجنينة الواسعة التابعة للمكان، مع جلسات تعارف للمرضي اللى هناك بينهم وبين بعض، وأمور ترفيهية تانية زي إنهم بيجيبولهم عروض مسرحية مصغرة تتعرض عندهم وأفلام سينما، وطبعاً ده غير العلاج والرعاية الصحية اللى موجودة 24 ساعة فى اليوم.. جوزي رمي الكورة فى ملعبي وقال لي أنا معاكي فى أى خيار تختاريه، الست دي كانت سبب بعد ربنا فى جوازنا، وعمرها ما قصرت لا فى حقك ولا حقي.. جوزي بيقول كده عشان أمي كانت فعلاً أهم سبب إننا نكون مع بعض أنا وهو.. هى السبب إنها تجيب له شغل.. حتى لما المدير بتاعه عمل معاه حركة وكان هيمشيه ومع إن أمي مش بتاعت خناقات فوجئت أنا وهو بيها بتروح للمدير بتاعه وبتغسله وبتمرمط بيه الأرض لحد ما القصة إتحلت!.. وقفت قدام أهل أبويا الله يرحمه لما كانوا رافضينه.. حرموها من الميراث بتاعه لما لقوها مصممة تجوزني الراجل اللى أنا قلبي وعقلي إختاروه.. قالت طز مش مهم الفلوس الأهم سعادة بنتي، وباعت الدهب بتاعها كله عشان تتمم جوازتنا.. كذا مرة يقول لها: (أنا مش عارف إنتي بتعملي معانا كده ليه، ومعايا أنا بالذات مع إني مش إبنك بس والله إنتي عملتي اللى أمي ماعملتهوش).. كانت بتتكسف وبتتهرب من الإجابة بس طبعاً كانت الإجابة مش محتاجة تتنطق بحروف.. إنت بتحب بنتي وأنا بحب بنتي بالتالي لازم أحبك.. مهما إتكلمت عنها أنا أو هو مش هنقدر نوفي.. حكمت عقلي وفكرت بشكل فيه مصلحتها هي، وأخدت قرار إنها تكون فى المصحة العلاجية دي.. مصاريف المصحة فى الشهر مبلغ ضخم.. مبلغ بيساوي إجمالي المرتب الشهري بتاعي كله + كمان ألف ونصف تاني زيادة فوقه.. ماكنش عندي ولا عند جوزي مشكلة فى ده.. والله بنفس راضية وبدون أى تردد.. بقينا عايشين على اللى باقي من مرتب جوزي، وكان طلبي الوحيد منه إني أروح أزورها مرة كل أسبوع.. جوزي وافق وساعات بييجي معايا كمان هو وبنتي مرة فى الشهر ولا حاجة.. كل يوم جمعة الصبح بدري بصحي بعد صلاة الفجر بحضر الفطار لـ جوزي وبنتي وبسيبه فى المطبخ وبنزل بركب السوبر جيت وبوصل القاهرة وتحديداً فى التجمع الخامس فى مكان المصحة على الساعة 9 تقريباً.. بفضل معاها لحد الساعة 6 المغرب وبركب وبرجع.. فى الأول ماكنش بيوجعني بس غير إنها بتبقي مش فاكراني.. بتاخد شوية عقبال ما تفتكرني و يا إما يحصل يا إما لأ.. حالتها النفسية والصحية إتحسنت أوي الحمدلله هناك.. أمي بتحب الآيس كريم وبالذات الكيموكونو.. هي حبته من وقت ما كانت بتجيبهولي وأنا عيلة لأنهم أصلاً إخترعوه من عمري.. جنب مكان المصحة فيه سوبر ماركت كبير بقيت أدخل أجيب لها كيموكونو فانيليا مش شيكولاتة زي ما بتحبه!.. كانت بتنبسط أوي لما بدخل لها بيه.. شوية وباقي زمايلها بقوا يشبطوا زي العيال هما كمان فبقيت أجيب لهم معاها طبعاً بعد إستشارة الدكاترة.. مش هتتخيل مدي فرحتهم بالهدية الأسبوعية دي.. “الزهايمر” على قد ما هو متعب لصاحبه ولأهله على قد ما بيرجع الناس أطفال من تاني وفيهم نقاء وطيبة على الفطرة ماحدش يتخيلها.. كنت بقعد معاها أفضل أفكرها بنفسي.. أحكيلها على مواقف كانت هي حاكيهالي.. أجيب لها معايا صور ليا وأنا صغيرة عشان تشوفها.. أكلمها عن بابا.. أغلب المرات ماكانتش بتفتكر بس أنا زعلي من النقطة دي مع الوقت قل.. بقيت مكتفية إنى بقعد معاها وهي بتحكيلي عن دنيتها الجديدة وأصحابها الجداد.. بقيت بحب سؤالها بتاع كل مرة: إنتي مين؟.. واللى قبل ما أنطق حرف وأرد عليه كانت تقول وهي بتخطف مني الكيموكونو بتاعها: (مش مهم، تعالي أحكيلك عملنا إيه فى “ثريا” إمبارح).. “ثريا” دي زميلتها فى المصحة.. فى مرة قريب وإحنا قاعدين فى الجنينة بقول لها وأنا بفرجها على صور أفراح ناس فى العيلة وبقول لها دي فلانة وده فلان وده إبن كذا؛ هزت دماغها بحزن وقالتلي: (مش فاكرة حاجة، ولا فاكراكي إنتى كمان).. إتنهدت وإبتسمت،وطبطبت علي كتفها، وكنت هرد عليها وأقول لها إن مش مهم بس هي كملت كلامها وقالت: (بس فاكرة إنك بتحبيني).. الكلمة لجمت لساني وهزتني ودموعي نزلت غصب عني وقلت لها: (ما أنا بحبك عشان إنتى كمان حبتيني على فكرة).. ردت: (صح، الحب مابيتنسيش).. أخدتها فى حضني وأنا حاسة إني مالكة الدنيا كلها بين دراعاتي.. بعدتني وبصت فى عيني وهى مكشرة وقالتلى: (بس أنا زعلانة منك).. قلت لها وأنا بمسح دموعي وبحاول أضحك: (ليه يا خديجة؟).. ردت وهى بتشاور على الأيس كريم: (عشان ده بالشيكولاتة وأنا بحبه بالفانيليا).. حضنتها وأخدتها فى حضني تاني.. بالمناسبة يا تامر.. “خديجة” مش أمي اللى خلفتني.. دى مرات أبويا الله يرحمه واللى هو إتجوزها بعد وفاة أمي الحقيقية مباشرة وأنا لسه فى اللفة، بس شوفت منها الحب اللى متهيألي ماكنتش هشوفه من أمي لو عايشة.. عهد بيني وبين نفس قدام ربنا إنى عمري ما هسيبها ولو حتي هروح لها مشي على رجليا.. فيه ناس ماينفعش تتساب ولا تتنسي.. أو يمكن عشان زي ما هي نفسها قالت: الحب ما بيتنسيش.

 

 

 

  • الرد:

 

  • الحب ثمنه حب.. ممكن يكون أكتر بس مش أقل.. أى معيار تاني غير الحسبة دي يبقي أحد الطرفين قليل أصل ومش بيقدر قيمة النعمة اللى فى حياته.. الإهتمام حب.. الوفاء بالوعد حب.. وجودك فى الوقت المناسب جنبي ده حب.. لما بتحبني بجد من قلبك وبدون إصطناع ولا عشان مصلحة، وحبك بتأكده أفعالك؛ ساعتها أنا مش هقدر أقدملك حاجة غير إنى كمان هحبك.. خد قلبي أنا مش عايزه خلاص.. محبتك ساعتها بتبقي فرض عين عليا.. بس إيه؟.. الحب اللى بجد مش بتاع فكهانية البُق الكلامنجية.. سلاماً على الأوفياء، المرهقين، الضاحكين، الموجوعين، والصادقين.. سلاماً من القلب لكل من أحبونا فأحببناهم.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة


CIB
CIB
إغلاق